موجه جديدة لـ"المكارثية" لن تقتصر على الإخوان

قطب العربي
"الموجة المكارثية الجديدة بدأت عبر الأذرع الإعلامية المكتوبة والمرئية"- جيتي
"الموجة المكارثية الجديدة بدأت عبر الأذرع الإعلامية المكتوبة والمرئية"- جيتي
شارك الخبر
فجرت وفاة الأكاديمي خالد فهمي، رئيس دار الوثائق المصرية سابقا، مظاهرة حب في رثاء الفقيد شملت كل ألوان الطيف الوطني المصري من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ هذه المظاهرة الوطنية استفزت أذرع السلطة الإعلامية التي غاظها هذا المظهر، وهي التي شاركت من قبل في حملة تطهير ضد الإخوان من كل الوظائف العامة، ونشرت الفرقة في المجتمع، وقسمته إلى شعبين، وظنت أنها نجحت في مهمتها فإذ بها تكتشف أن بعض من تصفهم بالخلايا النائمة لا يزالون في أعمالهم، مدللة على ذلك بحالة الدكتور خالد فهمي.

جن جنون الأذرع الإعلامية التي لا تقدح من رأسها، والتي تتحسس رأسها أيضا من أي تغيير محتمل، وحشدت كل طاقتها لتحريض السلطات الأمنية على تعقب من لا يزالون يمارسون وظائفهم الحكومية والأكاديمية ممن تتهمهم بالانتماء للإخوان، وتنافست البرامج التلفزيونية والتقارير والمقالات الصحفية في هذا التحريض، الذي يستلهم حالة المكارثية التي عمت الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وتسببت في ملاحقة آلاف الأمريكيين وطردهم من وظائفهم العامة بزعم انتماءاتهم الشيوعية، وهي اتهامات جزافية ثبت كذبها تماما لاحقا.

تنافست البرامج التلفزيونية والتقارير والمقالات الصحفية في هذا التحريض، الذي يستلهم حالة المكارثية التي عمت الولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وتسببت في ملاحقة آلاف الأمريكيين وطردهم من وظائفهم العامة بزعم انتماءاتهم الشيوعية، وهي اتهامات جزافية ثبت كذبها تماما لاحقا

للتذكير بالمكارثية الأمريكية، فقد أطلقها السيناتور والجنرال السابق جوزيف مكارثي عام 1950، في ذروة الحرب الباردة والخوف من انتشار الشيوعية في الولايات المتحدة، وقد زعم مكارثي امتلاكه قائمة تضم 205 دبلوماسيين في وزارة الخارجية الأمريكية ينتمون للشيوعية وبالتالي يشكلون خطرا على الولايات المتحدة، وتسببت هذه المزاعم في فصلهم من وظائفهم وحبسهم؛ لم تقتصر الملاحقة على هذا العدد بل شملت أكثر من 10 آلاف أمريكي تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم، وكان من بينهم شخصيات عامة عالمية مثل مارتن لوثر كينج، وألبرت أينشتاين، وأرثر ميللر، وتشارلي شابلن.

كما ضمت قائمة المفصولين من أعمالهم عددا كبيرا من كبار الأكاديميين مثل عالم النفس ليون كامين، ووفقا لبحث أجراه الباحث إحسان مسعود حول "المكارثية في المجال الأكاديمي" في معهد ماساتشوستس، فإن المكارثية لم تقتصر على الشيوعيين بل طالت أيضا معارضي الشيوعية، مثل الاقتصادي الليبرالي غوستاف باباناك الذي اضطر لمغادرة الولايات المتحدة بعد إغلاق أبواب العمل في وجهه، ولم يعد إلا عام 1958 بعد انحسار تلك الموجة. توقف هنا عزيزي القارئ المصري تحديدا وانظر حولك، فقد بدأت المكارثية في مصر "حملات المطاردة والاعتقال والفصل والتشريد والتشويه" ضد الإخوان وأنصارهم، لكنها لم تتوقف عندهم، بل شملت خصومهم لاحقا من الليبراليين واليساريين ولا تزال حتى اللحظة!!

انطلت خدعة المكارثية على الكثيرين من الأمريكيين الذين هللوا وصفّقوا لها في البداية خوفا من الشيوعية التي رأوها خطرا على المسيحية، كما صورها لهم مكارثي (مرة أخرى لننظر إلى تهليل الكثيرين في مصر لتلك الجريمة عقب انقلاب 2013)، لكن تأييد الأمريكيين تراجع تدريجيا بعد أن تأكدوا أن مكارثي شخص غوغائي، يوزع الاتهامات يمينا ويسارا دون أدلة، كما أن ظهور كتاب وإعلاميين مؤثرين شجعان واجهوا مكارثي بقوة أسقط حججه وادعاءاته، وشجع الكثير من الأمريكيين لاستخدام عقولهم بدلا من مخاوفهم السابقة، وعادوا إلى فكرة احترام الدستور وما يتضمنه من ضمانات للحريات العامة والأكاديمية والإعلامية.. الخ، وكانت هذه الصحوة دافعا لتقديم مكارثي نفسه للمحاكمة بتهم الفساد والتزوير، وقد أدانه الكونجرس الذي كان يتمتع بعضويته فأسقط تلك العضوية عنه، وفضحه أمام الرأي العام، فهرب مكارثي إلى المخدرات ومات نتيجة الإدمان عام 1957.

سنكون أمام طائفة كبيرة من الأكاديميين الأمنجية الذين سيسعون للترقي الوظيفي على أشلاء زملاء آخرين أكثر استحقاقا، وستكون وسيلتهم في ذلك هي الوشايات الكاذبة التي ستجد طريقها إلى الأذرع الإعلامية التي ستتولى بدورها نشر تلك القصص الكاذبة

في مصر أيضا تراجع هذا الهوس والتحريض تدريجيا مع اكتشاف قطاعات واسعة من الشعب حجم التضليل الإعلامي الذي تعرضوا له، وحجم الأوهام التي وعدهم بها النظام الجديد، طالبا منهم مساندته في تحقيقها، ودعم ممارساته لتصفية خصومه الإخوان وأنصارهم. ومع انحسار حالة الانقسام والتحريض شعر النظام ورجاله بالخطر، فكان لا بد من إحياء موجة العداء والتحريض مجددا ضد الإخوان. وكما حدث من قبل فإن هذه الموجة لن تقتصر على الإخوان، فهي ستنطلق ضد الأكاديميين المعارضين أو أصحاب المواقف المستقلة بحجة أنهم خلايا نائمة، وسيشمل ذلك أكاديميين من غير الإخوان أيضا، ففي ظل هذه الأجواء ستتم عمليات تصفية حسابات حتى بين الزملاء والموظفين أنفسهم، وسيتم اتهام الخصوم والمنافسين على المناصب الجامعية بالانتماء للإخوان بهدف التخلص منهم.

الموجة المكارثية الجديدة بدأت عبر الأذرع الإعلامية المكتوبة والمرئية، عبر نشر تحقيقات وفبركات صحفية ترسم خارطة أمنية لما تعتبره خلايا نائمة في الجامعات، تمهيدا لاتخاذ خطوات عملية ضدها، وقد يصل الجنون حد إصدار تشريع خاص بالتطهير في الجامعات، وساعتها ستعود مرة أخرى البلاغات الكاذبة من أكاديميين ضد زملاء لهم، أي أننا سنكون أمام طائفة كبيرة من الأكاديميين الأمنجية الذين سيسعون للترقي الوظيفي على أشلاء زملاء آخرين أكثر استحقاقا، وستكون وسيلتهم في ذلك هي الوشايات الكاذبة التي ستجد طريقها إلى الأذرع الإعلامية التي ستتولى بدورها نشر تلك القصص الكاذبة، وستكون النتيجة هي اعتقال هؤلاء الأكاديميين الموشى بهم، وفي الحد الأدنى حرمانهم من حقهم في التدريس أو الترقي.. وساعتها سينضم هؤلاء المفصولين أو المعتقلين إلى آلاف بل ملايين المظلومين الآخرين الذين لا يكلون للحظة واحدة عن الدعاء ضد من ظلمهم، ولعل دعوة صالح منهم تصادف ساعة إجابة.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل