نكبة يونيو السياسية.. لماذا يكابر البعض؟!

قطب العربي
"حشدت الدولة العميقة لمظاهرات 30 يونيو 2013 فإنها استخدمت في ذلك جملة من الأكاذيب والأوهام"- علاء اللقطة/ عربي21
"حشدت الدولة العميقة لمظاهرات 30 يونيو 2013 فإنها استخدمت في ذلك جملة من الأكاذيب والأوهام"- علاء اللقطة/ عربي21
شارك الخبر
كما كان لنكبة حزيران/ يونيو العسكرية (1967) حصادها المر على مدى العقود الست الماضية ليس على مصر وحدها بل على عموم العرب، فإن لـ"نكبة حزيران/يونيو" السياسية (2013) حصادها المر المستمر منذ 13 عاما والذي سيستمر لأعوام أخرى، ولن يتوقف دفع فاتورتها الفاسدة على الجيل الحالي بل الأجيال المقبلة أيضا.

ليس هذا الكلام من قبيل المبالغة أو المماحكة السياسية، بل هو واقع أليم، يدركه كل صاحب عقل، وكل من استرد عقله وإنسانيته. تخيل مثلا أن حجم الديون الخارجية الذي قفز من 43 مليار دولار إلى 165 مليار في 13 عاما، ومثلها ديون داخلية (الإجمالي 330 مليار دولار)، سيظل طوقا يكبل أعناق أجيال مقبلة لا ذنب لها، حيث يولد كل طفل جديد في مصر وفي رقبته ديون بقيمة 3 آلاف دولار (150 ألف جنيه)، ما يعني أن الديون المستحقة على كل أسرة مكونة من 7 أفراد هي 21 ألف دولار (أكثر من مليون جنيه)، وهذه الأسرة كغيرها من عموم الشعب لا تعرف لماذا كانت هذه الديون، ولا أين أنفقت!

حين حشدت الدولة العميقة لمظاهرات 30 يونيو 2013 فإنها استخدمت في ذلك جملة من الأكاذيب والأوهام، كان على رأسها أن حربا أهلية على وشك الانفجار، لقد صورت الدولة العميقة أن مظاهر التنافس السياسي الشديد -والذي هو أحد سمات الديمقراطية التي عاشها المصريون لأول مرة بعد عقود الحكم الفردي- هي مقدمات الحرب الأهلية، هذه المظاهر التي تتمثل في معارك انتخابية، وتراشقات إعلامية، وتحالفات حزبية، ومظاهرات سياسية أو حتى فئوية تحدث في كل الدول الديمقراطية.
تداعيات "نكبة يونيو" كانت عابرة للحدود أيضا، فقد أوقفت مسيرة التطور الديمقراطي في المنطقة كلها، فمن تونس وليبيا غربا، إلى سوريا واليمن شرقا، تكررت المؤامرات على الشعوب الحالمة بالحرية، حتى كادت تنجح في تركيا لولا الوعي الشعبي، وجاهزية النظام لمواجهة المؤامرة فيما عُرف بأحداث جيزي بارك في 2013 أيضا
ربما نجحت تلك الدعاية لأن مصر لم تكن تشهد ذلك من قبل في ظل حكم استبدادي لا يسمح إلا بهامش محدود (ديمقراطية الهامش)، كما أن الدولة العميقة استحضرت أبشع النماذج للفوضى في بعض الدول، وقدمتها باعتبارها المصير الذي ينتظر مصر.

لا أُنكر أن تلك الدعاية نجحت في إخافة ملايين المصريين، في الوقت الذي لم تكن السلطة الناتجة عن انتخابات ديمقراطية تمتلك أدوات سياسية أو إعلامية كافية لمواجهة هذه الدعاية السوداء، وهذا ليس انتحالا للأعذار ولكنه إقرار بالخطأ.

أوهام أخرى ساقتها الدعاية المضادة لحكم الرئيس مرسي انطلت على البعض في حينه، لكن السنوات التالية كشفت زيفها، مثل الانفراد بالسلطة، والأزمات الاقتصادية والأمنية المفتعلة، وكذبة الأخونة، والعبث بالهوية، وبيع قناة السويس والأهرامات وبرج القاهرة، والتنازل عن سيناء. وبمناسبة سيناء فإن نجاح المواجهة العسكرية ضد تنظيم داعش في سيناء وغيرها أمر لا يمكن تجاهله، لكنه عمل طبيعي للجيش ولقوى الأمن في كل الأحوال.

في مقابل الأوهام التي حركت "30 يونيو"، ومن ثم انقلاب 3 تموز/ يوليو تعالوا ننظر إلى الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها مصر ولا تزال تعيشها نتيجة تلك النكبة الكبرى.

سياسيا، تم وأد الديمقراطية الوليدة التي أنتجتها ثورة يناير، والتي كانت ستصحح نفسها بنفسها مع الممارسة والوقت كما حدث في تجارب انتقال ديمقراطي أخرى، وكان يمكنها أن تنتج لنا رئيسين أو ثلاثة خلال السنوات الماضية في ظل منافسة حرة وعادلة، وحل محلها حكم عسكري عضوض، أشد استبدادا من أسلافه، لم يسمح لمرشحين جادين بمنافسته، بل حبسهم أو فرض عليهم إقامة جبرية، كما "هندس" البرلمان بغرفتيه على مقاسه، وحرم القوى السياسية والرموز الحقيقة من الترشح أو الفوز، لينتج في النهاية برلمانا باهتا لا يقوى على استجواب وزير أو محافظ، بل إنه مرر التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ومرر التنازل عن حقوق مصر في مياه النيل وغاز المتوسط، ومرر العديد من اتفاقيات القروض الدولية الكبرى، وكذا بعض صفقات بيع الأصول المصرية للدول الخليجية دون اعتراض.

تداعيات "نكبة يونيو" كانت عابرة للحدود أيضا، فقد أوقفت مسيرة التطور الديمقراطي في المنطقة كلها، فمن تونس وليبيا غربا، إلى سوريا واليمن شرقا، تكررت المؤامرات على الشعوب الحالمة بالحرية، حتى كادت تنجح في تركيا لولا الوعي الشعبي، وجاهزية النظام لمواجهة المؤامرة فيما عُرف بأحداث جيزي بارك في 2013 أيضا.

خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية لم يعد السجن مقتصرا على الإخوان وأنصارهم، بل طال حتى خصومهم من التيارات والرموز السياسية الليبرالية واليسارية، واكتظت السجون بعشرات آلاف المعتقلين الذي يموت الكثيرون منهم نتيجة الإهمال الطبي، كما يتعرضون لأبشع الانتهاكات التي تستهدف إذلالهم وكسر إرادتهم، وصرفهم عن حلمهم في الحرية والديمقراطية، كما فقد القضاء المصري استقلاله، وأصبح مثارا للسخرية في العالم بأحكامه الهزلية، ومحاكمه الاستثنائية، ومحاكماته الصورية.

اعتذر الكثيرون ممن تعرضوا للخديعة الكبرى، لكن آخرين لا يزالون أسرى حالة كبر و"عنجهية سياسية" تمنعهم من إعلان، ذلك رغم أن الكثيرين منهم مقتنعون في قرارة نفوسهم بخطيئتهم، ومدركون للنتاج الكارثية التي حاقت بمصر والمنطقة بسبب فعلتهم

حال الإعلام لا يخفى على أحد، فمن سقف حرية طاول السماء قبل الانقلاب إلى انغلاق كامل، وهيمنة حكومية على المجال الإعلامي، وفرض الصوت الواحد والرواية الواحدة، وهو ما تسبب في تراجع مصر إلى المرتبة 170 عالميا على مؤشر حرية الصحافة، أي ضمن أسوأ عشر دول في العالم.

في المجال الاقتصادي ورغم محاولات النظام تسويق مشروعاته الإنشائية الكبرى إلا أن هذه المشروعات لا تمثل أولويات تنموية، ومع ذلك فقد ورطت مصر في ديون مليارية دفعت النظام للتسول، وبيع الأصول الاستراتيجية لسداد أقساطها وفوائدها، كما تسببت في زيادة التضخم، وانهيار قيمة الجنيه من 7 جنيهات مقابل الدولار إلى خمسين جنيها وفي بعض المراحل سبعين جنيها للدولار.

ورغم أن المجتمع استطاع التعافي من حالة الانقسام التي صنعتها الثورة المضادة لتنقلب من خلالها على الديمقراطية، إلا أن النظام عاد مؤخرا لإيقاظ تلك الفتنة، لمحاولة استعادة أجزاء من حاضنته التي فقدت ثقتها فيه، ولتحقيق ذلك فإنه يعيد تسويق الأوهام والمخاوف التي نشرها قبل 30 يونيو 2013 مجددا، وينظم حملة كبرى عبر كل قنواته وصحفه لتشوه الإخوان الذين زعم من قبل القضاء عليهم.. لكن الاستجابة له تبدو ضعيفة هذه المرة.

على مدى الأعوام الماضية اعتذر الكثيرون ممن تعرضوا للخديعة الكبرى، لكن آخرين لا يزالون أسرى حالة كبر و"عنجهية سياسية" تمنعهم من إعلان، ذلك رغم أن الكثيرين منهم مقتنعون في قرارة نفوسهم بخطيئتهم، ومدركون للنتاج الكارثية التي حاقت بمصر والمنطقة بسبب فعلتهم.. لقد آن الأوان لهؤلاء أن يعتذروا لوطنهم ولشعبهم ولثورتهم، وأن يعيدوا لثورة يناير طهرها الذي شوهوه بزائدة 30 يونيو الدودية، فلا ثورة إلا ثورة يناير (وقبلها ثورة 1919)، ولا حرية أو ديمقراطية في ظل حكم عسكري استبدادي، ولا تنمية حقيقية أو استقرار دائم لمصر في ظل الخوف والقهر، والمعتقلات.. استقيموا يرحمكم الله.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)