زلازل تركيا السياسية وإعادة رسم المشهد الداخلي

قطب العربي
"انتخابات تثبت القيادة الحالية أو تفرز غيرها، وحال تعثر التوافق فقد نشهد انقساما يلد حزبا جديدا"- جيتي
"انتخابات تثبت القيادة الحالية أو تفرز غيرها، وحال تعثر التوافق فقد نشهد انقساما يلد حزبا جديدا"- جيتي
شارك الخبر
الحكم الذي أصدرته محكمة الاستئناف في العاصمة التركية أنقرة بإبطال انتخابات قيادة حزب الشعب المعارض وما اتخذته من قرارات؛ هو بمثابة زلزال سياسي أصاب الحياة السياسية التركية، ولا تزال أصداؤه وتداعياته قائمة، وقد تستمر لبعض الوقت حتى موعد الانتخابات الرئاسية، سواء جرت في وقت مبكر أو في موعدها الأصلي في العام 2028، وحتى انتخابات البلديات التي ستجري عام 2029.

تنافس الزلازل السياسية تلك الزلزال الطبيعية التي تشتهر بها تركيا، والتي تعرضت خلال العقد الأخير لسلسلة منها أحدثت دمارا واسعا لا تزال آثاره قائمة رغم الجهود الحكومية الكبيرة لمواجهتها وعلاجها، أما الزلازل السياسية فهي لا تتوقف أيضا في بيئة سياسية قلقة لم تصل حد النضج السياسي الكامل رغم عراقتها قياسا بمعظم ما حولها من تجارب.

كان الزلزال الأكبر الذي غيّر المشهد السياسي في تركيا هو الانقلاب على الخلافة وتأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال باشا، هذا الزلزال لا يزال يقسم الأتراك حتى اليوم بين محافظين وعلمانيين، ومن هذين التيارين الكبيرين نشأت العديد من الأحزاب المعبرة عنهما بدرجات مختلفة.

تتوقف تداعيات زلزال الحكم القضائي الجديد على إبطال المؤتمر الانتخابي، ونتائجه والقرارات التالية له، بل إنها فتحت الباب لمزيد من المحاكمات لقادة الحزب، ورؤساء بلديات ينتمون له،

ظلت تركيا تحت حكم الحزب الواحد، وهو حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك عام 1923 حتى زلزال سقوط الحزب عام 1950. توالت الزلازل السياسية بانقلاب 1960 الذي أعدم الرئيس عدنان مندريس، وأعاد ضبط المشهد بطريقة أدت لعودة حزب الشعب للسلطة، ثم انقلاب 1980 بقيادة كنعان إيفرين، وهو الانقلاب الأكثر عنفا ودموية، والذي ألغى الأحزاب السياسية القائمة، وفرض عزلا سياسيا على قادتها، وأصدر عام 1982 دستورا جديدا يؤصل للحكم العسكري، وللغرابة فهو الدستور الذي لا يزال يحكم تركيا مع دخول العديد من التعديلات عليه، ولعل هذا ما يفسر إلحاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على صياغة دستور جديد ليقطع ما تبقى من صلات مع حقبة الحكم العسكري. وقد شهدت تركيا بعد ذلك ما عرف بالانقلاب الأبيض عام 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان، ثم محاولة الانقلاب الفاشل عام 2016.

تخللت زلزال الانقلابات العسكرية زلازل سياسية تمثلت في الانتقال من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية عام 1946، ثم زلزال هزيمة حزب الشعب الجمهوري عام 1950، والتي تمت على يد الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس الذي تبنى سياسات ليبرالية خلافا للسياسات اليسارية التي تبناها حزب الشعب، ثم ما وُصف بانقلاب المذكرة ضد حكومة سليمان ديميريل، والذي سبقته انقسامات داخلية حادة بين جبهات الحزب المختلفة أثرت بدورها على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد، وفتحت الباب لتدخل الجيش.

كانت انتخابات 1977 هي آخر انتخابات فاز فيها حزب الشعب بأكثرية برلمانية (41 في  المئة) مكنته من قيادة حكومة ائتلافية لمدة 3 أعوام قبل وقوع انقلاب 1980 الذي حظر الأحزاب القائمة بما فيها حزب الشعب نفسه. ومن غرائب السياسة التركية أن الانقلابات العسكرية كانت تحظر الأحزاب القائمة وقت وقوعها، لكنها لم تكن تغلق الأبواب لتأسيس أحزاب جديدة، وهو ما سمح للتيارات السياسية بتأسيس أحزاب بديلة لتلك المحظورة، وهو ما فعله اليسار التركي بعد حظر حزب الشعب عبر تأسيس حزب اليسار الديمقراطي عام 1984، وما فعله أربكان بعد حل حزب النظام الوطني بتأسيس أحزاب السلامة، فالرفاه، فالفضيلة.. إلخ.

تأسيس حزب العدالة والتنمية في العام 2001 كان بمثابة زلزال جديد في الحياة السياسية التركية، حيث تمكن الحزب بعد عام واحد من تأسيسه من تشكيل الحكومة وحتى الآن، وهي أطول مدة حكم لحزب سياسي في تركيا بعد حزب الشعب الجمهوري، وإن كان الرئيس أردوغان هو صاحب المدة الأطول في الحكم متجاوزا مؤسس الجمهورية أتاتورك.

في آذار/ مارس من العام 2024 جرت الانتخابات البلدية التي أسفرت عن نتيجة مثلت زلزالا سياسيا جديدا بتصدر حزب الشعب الجمهوري لنتائج تلك الانتخابات لأول مرة منذ العام 1977، وفوزه برئاسة البلديات الثلاث الكبرى؛ العاصمة السياسية أنقرة، والعاصمة الاقتصادية إسطنبول، والعاصمة السياحية إزمير.

لم يهنأ الحزب طويلا بهذا الفوز، إذ سرعان ما اعتقلت السلطات التركية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو مطلع العام الماضي، ووجهت له سلطات التحقيق العديد من اتهامات الفساد رفقة عدد آخر من قادة ومنتسبي حزب الشعب الجمهوري، بعضهم رؤساء بلديات أخرى، وبينما تستمر محاكمة أكرم ورفاقه إذ بمحكمة الاستئناف تصدر حكما مزلزلا يوم الخميس الماضي (21 أيار/ مايو) بناء على شكاوى موثقة من زعيم الحزب السابق وأعضاء الحزب ببطلان المؤتمر الانتخابي للحزب في العام 2023، وما أسفر عنه من نتائج فاز بموجبها أوزغور أوزال بمنصب الرئيس مطيحا بالرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو. وقد أعاد حكم المحكمة كليتشدار أوغلو لرئاسة الحزب مؤقتا، كما أبطل كل القرارات التي أصدرتها قيادات الحزب في الفترة الماضية.

الزلازل السياسية تكسب في النهاية الحياة الحزبية التركية المزيد من الصلابة، ففي كل زلزال تظهر حلول جديدة للمعضلات السياسية، وهو ما يكسب تلك الحياة مناعة في مواجهة القادم من الأعاصير والزلازل، ويعيد تشكيل المشهد الحزبي ليكون أكثر تعبيرا عن القواعد الشعبية، والتغيرات الثقافية والاجتماعية في تركيا

وتسبب الحكم في هزة سياسية، بل واقتصادية واسعة في تركيا إذ انخفض مؤشر البورصة لدرجة دفعت السلطات لوقف التداول مؤقتا، كما تعرضت الليرة لضغوط قاسية واجهتها السلطة بضخ مليارات الدولارات في البنوك التركية لتحافظ على سعر العملة المحلية.

لن تتوقف تداعيات زلزال الحكم القضائي الجديد على إبطال المؤتمر الانتخابي، ونتائجه والقرارات التالية له، بل إنها فتحت الباب لمزيد من المحاكمات لقادة الحزب، ورؤساء بلديات ينتمون له، وقد يشمل ذلك إلغاء نتائج انتخابات المحليات في بعض البلديات التي فاز بها الحزب، كما أن كليتشدار أوغلو العائد لرئاسة الحزب تحرك على الفور لحيازة سلطة التصرف في الحسابات المصرفية للحزب، بينما يعتصم أنصار أوزال في مقر الحزب لمنع خصومهم من دخوله.

الزلزال الجديد أحدث انقساما وسط النخب الحزبية التركية، حيث أعلن عدد من قادة الأحزاب رفضهم للحكم، ودعمهم لقيادة حزب الشعب الحالية ممثلة في أوزغور أوزال؛ باعتبار ذلك دعما للديمقراطية، ومواجهة للعدوان عليها، بينما دعا بعضهم للتوافق داخل الحزب على انتخابات داخلية عاجلة وفق إجراءات صحيحة تنهي الأزمة، وتمنح الحزب الفرصة للاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة التي كان الحزب يبشر فيها بقدرته على الإطاحة بأردوغان حال ترشحه، أو الإطاحة بأي مرشح آخر محسوب عليه. ويبدو أن فرص التوافق الداخلي تتصاعد داخل الحزب باتجاه انتخابات تثبت القيادة الحالية أو تفرز غيرها، وحال تعثر هذا التوافق فقد نشهد انقساما يلد حزبا جديدا.

هذه الزلازل السياسية تكسب في النهاية الحياة الحزبية التركية المزيد من الصلابة، ففي كل زلزال تظهر حلول جديدة للمعضلات السياسية، وهو ما يكسب تلك الحياة مناعة في مواجهة القادم من الأعاصير والزلازل، ويعيد تشكيل المشهد الحزبي ليكون أكثر تعبيرا عن القواعد الشعبية، والتغيرات الثقافية والاجتماعية في تركيا.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)