شكلت
تجربة جماعة الإخوان المسلمين واحدة من أبرز الحركات الإسلامية وأعقدها في التاريخ
الحديث. ومع تطور المشهد السياسي العربي، برزت ظاهرة تأسيس "الأذرع
السياسية" التابعة للجماعة، أو لنقل حاجة الجماعة مع تعمق مفهوم القُطرية في
المشهد العربي وتجذره، لتأسيس يافطات سياسية وطنية، تحمل الهوية
الوطنية، خاصة أن
الجماعة متهمة بأنها جزء من تنظيم دولي، وبالتالي ذات أجندات خارجية، وأنها تمتثل
لأوامر وأجندات غير وطنية. وبالفعل هذا الذي حصل، فقامت الجماعة في بعض الأوطان
بتأسيس
أحزاب سياسية وفق قوانين ودساتير بلادها، وهذه التجربة التي راوحت بين
النجاح النسبي والفشل، نتوقف معها في هذه القراءة الهادئة، للوقوف على طبيعة
العلاقة بين "الجماعة الأم" و"الحزب التابع".
وبنظرة
هادئة في هذه التجربة نكتشف فجوات شاسعة، وتناقضات جوهرية بين نشأة كل منهما،
وغاياتهما، وخطابهما؛ مما أفرز حالة من الارتباك السياسي والتنظيمي لا تزال آثارها
ماثلة حتى اليوم.
أولا:
تباين النشأة والسياق التاريخي:
كان الدافع الأساسي هو إيجاد واجهة قانونية للعمل السياسي تحت مظلة دساتير الدول، ولكن بشرط جوهري: ألا تخضع "الجماعة" نفسها لقوانين الأحزاب، إذ لطالما نظرت الجماعة إلى نفسها على أنها كيان دعوي ومجتمعي "أكبر من الأحزاب"، وأسمى من أن يُقيد بوزارات التنمية السياسية أو الداخلية
- نشأة
الجماعة:
جاءت نشأة
جماعة الإخوان المسلمين في بدايات القرن العشرين (1928) كاستجابة مباشرة وحالة رد
فعل لسقوط الخلافة العثمانية، في ذلك الوقت، كانت الخلافة تشكل المظلة الجامعة،
والكيان السياسي للعالم الإسلامي، من هنا، أسس الأستاذ
حسن البنا جماعته لتكون
بديلا يحمل فكر "الأمة"، ويسعى لاستنهاضها بهدف استعادة تلك المظلة
الكبرى. ومن هنا فقد ولدت الجماعة بمشروع أممي عابر للحدود، يرى في نفسه وعاء
شاملا للدين والدولة. وأدبيات الجماعة زاخرة بهذه النماذج، التي تؤكد ما نذهب
إليه، خاصة ما جاء في رسائل الأستاذ حسن البنا، التي نشأ عليها الإخوان، وشكلت
القاعدة الفكرية التي ينطلقون منها.
في خطابه
الطويل الذي ألقاه الأستاذ حسن البنا في "المؤتمر العام الخامس" لجماعة
الإخوان المسلمين، الذي عُقد في القاهرة بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة
(في شهر ذي الحجة عام 1357هـ، الموافق لأواخر كانون الثاني/ يناير وبدايات شباط/ فبراير
عام 1939 م، قال: "والإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر
الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في
أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم
الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في تجهيز النبي صلى الله عليه
وسلم ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة واطمأنوا إلى إنجازها.. من واجب المسلمين أن
يهتموا بالتفكير في أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها ثم ألغيت بتاتا إلى الآن،
والإخوان المسلمون لهذا يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم".
- نشأة
الحزب:
في
المقابل، تأخرت نشأة الأحزاب التابعة للجماعة حتى أواخر القرن العشرين وبدايات
القرن الحادي والعشرين، وباعتقادي كانت خطوة مهمة، فرضتها متغيرات الواقع،
ومتطلباته التي حتمت على الجماعة أن تبحث لنفسها عن مخرج، يضعها أو يصبغها بصبغة
وطنية، ويخرجها من حرج التنظيم العالمي، أو الأجندات الخارجية.
وقد جاء
هذا التأسيس بعد عقود حافلة بالصدامات مع الأنظمة الحاكمة، تكبدت فيها الجماعة
محنتي التنكيل والاعتقال، وحظر النشاط، ومصادرة الممتلكات. وفي بدايات التسعينيات،
قررت بعض فروع الجماعة في الدول العربية خوض تجربة "الترخيص السياسي" من
خلال تأسيس أحزاب سياسية.
كان
الدافع الأساسي هو إيجاد واجهة قانونية للعمل السياسي تحت مظلة دساتير الدول، ولكن
بشرط جوهري: ألا تخضع "الجماعة" نفسها لقوانين الأحزاب، إذ لطالما نظرت
الجماعة إلى نفسها على أنها كيان دعوي ومجتمعي "أكبر من الأحزاب"، وأسمى
من أن يُقيد بوزارات التنمية السياسية أو الداخلية.
ثانيا:
إشكالية التبعية.. بقيت الأحزاب في جلباب الجماعة:
من
الناحية النظرية، يفترض بالحزب السياسي أن يكون مستقلا، مرنا، ويستوعب كافة
الشرائح، لكن الواقع العملي، كما تجلى بوضوح في تجربتي الأردن ومصر، أثبت عكس ذلك.
- سيطرة
القيادة الأم: بقيت الجماعة تمسك بكل خيوط اللعبة السياسية؛ فمجلس شورى الجماعة هو
المرجعية العليا التي تقرر هوية الأمين العام للحزب، وهو من يملك قرار المشاركة أو
المقاطعة في الانتخابات النيابية، ويفصل في قوائم المرشحين.
- تهميش
الحزب: أدى هذا التداخل إلى تحويل الحزب من كيان سياسي مستقل إلى مجرد
"قسم" من أقسام الجماعة الإدارية، وقد تعاملت قيادات الجماعة تاريخيا
(سواء المحسوبين على تيار الصقور أو الحمائم) بترحيب مع هذه الوصاية، مما أدى إلى
تهميش دور الحزب الحقيقي وتقزيم قيمته السياسية.
- تنفير
المستقلين وتعزيز شكوك الدولة: هذه التبعية المطلقة أطلقت رصاصة الرحمة على طموحات
كثير من الإسلاميين المستقلين، الذين انضموا للحزب أملا في عمل سياسي مؤسسي،
فانسحبوا بعد أن وجدوه فاقدا لقراره. في الوقت ذاته، عزز هذا الواقع قناعة مؤسسات
الدولة بأن الحزب ليس سوى "واجهة" أو "ذراع" تحركه الجماعة من
الخلف.
- تجربة
مكتب الإرشاد: تجلى هذا الخلل بأوضح صوره في مصر؛ فحتى عندما سيطر "حزب
الحرية والعدالة" على البرلمان وشكّل الحكومة ووصل إلى سدة الرئاسة، ظل
القرار النهائي مرتهنا بـ"مكتب الإرشاد" في المقطم، وهي الثغرة التي
استغلتها الأطراف المناوئة للإخوان لإسقاط تجربتهم.
ثالثا:
الغايات والأهداف والوسائل:
هنا تكمن
المفارقة الكبرى التي تسببت في إرهاق الأذرع السياسية " الأحزاب":
- مظلة
الجماعة:
هي "الأمة الإسلامية" بأسرها، غاياتها كبرى، وتعمل وفق وسائل
دعوية وتربوية طويلة الأمد. وعلى سبيل المثال نأخذ مفهوم الوطنية عند الإخوان،
وعند الأستاذ حسن البنا الذي رسم الخطوط العريضة لمنطلقات وأدبيات الجماعة، فبعد
أن تحدث عن الوطنية وبيّن أشكالها وأنواعها، ومكانتها في الإسلام، على معناها
الصحيح، تناول حدود الوطنية كما يفهمها الإخوان المسلمون، بقوله: "نعتبر حدود
الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة
فيها مسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وطن عندنا له حرمته، وقداسته وحبه
والإخلاص له، و الجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا
وإخواننا، نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم".
هذا هو
مفهوم الوطنية الذي نشأ عليه شباب الإخوان، وتربوا على معانيه، قولا وسلوكا،
يحملون هموم المسلمين في كل مواطنهم، على أنهم جزء لا يتجزأ من جسد الأمة.
وبيّن
الأستاذ البنا الفرق بين الإخوان وغيرهم في موضوع الوطنية، بقوله: "ودعاة
الوطنية فقط ليسوا كذلك، فلا يعنيهم إلا أمر تلك البقعة المحدودة الضيقة من رقعة
الأرض، ويظهر ذلك الفارق العملي فيما إذا أرادت أمة من الأمم أن تقوى نفسها على
حساب غيرها، فنحن لا نرضى ذلك على حساب أي قُطر إسلامي، وإنما نطلب القوة لنا
جميعا، ودعاة الوطنية المجردة لا يرون في ذلك بأسا، ومن هنا تتفكك الروابط وتضعف
القوى ويضرب العدو بعضهم ببعض".
وقريب من
هذا النحو تحدث البنا رحمه الله عن القومية، وبيّن مواقف الناس منها، وميّز بينهم
في التعامل معها وفهمهم لها، ثم أكد على أن فهم الإخوان للقومية يرتكز على ما قاله
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها
بالآباء، الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".
- مظلة
الحزب:
هي "حدود الوطن" وقوانينه ودستوره. غاياته تكتيكية ومرحلية تتعلق
بالاقتصاد، والتعليم، والصحة، والتشريع المحلي والإدارة والإصلاح ومحاصرة الفساد
الإداري والمالي.. الخ. إن تحميل الحزب أهداف وغايات الجماعة الأم، يجعله كيانا
مشوها؛ فهو لا يستطيع تحقيق طموحات الجماعة الأممية لأنه مقيد بقانون محلي، ولا
يستطيع الإنجاز كحزب محلي لأنه مكبل برؤى وغايات عابرة للحدود. ومن هنا فإن إدارة
الحزب بالعقلية التي تدار بها الجماعة، تشكل له عقبة كبيرة في طريق تحقيق تطلعاته،
بل تحول بينه وبين الانسجام مع واقعه القطري، الذي يخضع لحدود وقوانين.
رابعا:
الأدبيات والخطاب:
عندما ينتقل خطاب الجماعة وهتافاتها وأدبياتها وشعاراتها الكبرى إلى الحزب السياسي، فإن ذلك يعني عمليا إثقال كاهل الحزب بما لا يحتمل. إن دفع الحزب للعمل خارج المساحة التي يتيحها له أُفقه القانوني والدستوري، يكسر ظهره ويجعله في مواجهة حتمية مع الدولة والمجتمع
بناء على
التباين في النشأة والأهداف، يجب أن يكون هناك تباين جذري في الخطاب، الخطاب
الدعوي يعتمد على الحشد العاطفي، والشعارات المطلقة، والمفاهيم العقائدية، أما
الخطاب الحزبي والسياسي، فيجب أن يعتمد على لغة المصالح، والبرامج العملية،
والحلول القابلة للتطبيق.
عندما
ينتقل خطاب الجماعة وهتافاتها وأدبياتها وشعاراتها الكبرى إلى الحزب السياسي، فإن
ذلك يعني عمليا إثقال كاهل الحزب بما لا يحتمل. إن دفع الحزب للعمل خارج المساحة
التي يتيحها له أُفقه القانوني والدستوري، يكسر ظهره ويجعله في مواجهة حتمية مع
الدولة والمجتمع، وكذلك لا يُطلب من الحزب أن يجيب على الأسئلة الكبيرة التي عادة
ما توجه للجماعة، من نحو ما حدث مؤخرا، حين سئل الأمين العام للحزب في الأردن عن
موقفه من إعلان الجهاد؛ هذا في الحقيقة سؤال لا يوجه لحزب سياسي، وليس مضطرا
المسؤول في هذه الحالة للإجابة عليه أو للشعور بالحرج في الإجابة عليه بالنفي مثلا،
لأن هذا ليس من شأن الأحزاب، ولا مما تتيحه له قوانين الدولة.
خلاصة
القول
إن محاولة
المزاوجة بين "شمولية الجماعة" و"تخصصية الحزب" دون فصل
تنظيمي وإداري وسياسي حقيقي، أثبتت أنها وصفة للتعثر. لا يمكن لحزب سياسي أن ينجح
ويزدهر وهو محكوم بقوانين الدولة التي تنظم العمل الحزبي من جهة، ومقيد بأدبيات
وتطلعات الجماعة من جهة أخرى. لكي يؤدي العمل السياسي الإسلامي دوره المأمول، لا بد
من إدراك الفروق الشاسعة بين استنهاض الأمم لإقامة الخلافة من جديد، وبين إدارة
شؤون الأوطان تحت مظلة الدساتير والقوانين المحلية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.