الإخوان المسلمون بين تشويه القديم وصناعة البديل: لماذا يتم استهدافهم في سردية سوريا الجديدة؟

أحمد هلال‎
"المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية والاستقطابات الحادة لا تُبنى بإعادة فتح ملفات التخوين والاستعداء، بل بخلق مساحات اعتراف متبادل"- سانا
"المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية والاستقطابات الحادة لا تُبنى بإعادة فتح ملفات التخوين والاستعداء، بل بخلق مساحات اعتراف متبادل"- سانا
شارك الخبر
في خضمّ إعادة تشكيل المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، لا تبدو المعركة الجارية سياسية فقط، بل سردية ورمزية بامتياز: من يملك حق تمثيل المستقبل؟ ومن يجب أن يُدفع إلى هامش التاريخ؟ وفي هذا السياق، يمكن قراءة بعض الكتابات التي تتناول جماعة الإخوان المسلمين بوصفها جزءا من عملية أوسع تهدف إلى إرساء بديل جديد في الوعي العام، لا عبر تقديم مشروعه ومساءلته بقدر ما هو عبر تفكيك صورة الفاعل الإسلامي التاريخي وإغراقه في إرثه الأكثر إشكالية.

اللافت في هذا النوع من الخطاب أنّه لا يكتفي بالنقد السياسي المشروع لتجربة الإخوان المسلمين، بل يعمد إلى انتقاء لحظات الانقسام والصدام والعنف من تاريخ الجماعة المفروض عليها في معركتها مع نظام الأسد، ثم يجعلها العنوان التفسيري شبه الوحيد لمسيرتها الممتدة منذ أربعينيات القرن الماضي. وهكذا تُختزل جماعة شاركت في العمل البرلماني، وأسهمت في النقاش الدستوري، ومرّت بتحولات فكرية وسياسية متعاقبة، في صورة تنظيم مأزوم، ومتردّد، ومثقل بالماضي، وغير قادر على إنتاج نفسه إلا بوصفه عبئا على المرحلة الجديدة. هذه المقاربة لا تُنكر الوقائع، لكنها تنتقي منها ما يخدم بناء انطباع ذهني محدّد: أن الإخوان هم قديمٌ يجب تجاوزه.

الخطورة تكمن في تحويل هذا النقد إلى خطاب استعدائي يشيطن مكوّنا واسعا من مكوّنات النسيج الوطني السوري، له امتداده الاجتماعي والدعوي والتربوي، وله جمهوره وذاكرته وتاريخه

في المقابل، يمرّ الخطاب ذاته بخفة على حقيقة أنّ البديل الجاري تكريسه اليوم ليس محايدا أيديولوجيا ولا منزّها عن الإرث الإسلامي الحركي، بل هو سلطة جديدة ذات خلفية دينية واضحة، تسعى إلى احتكار تمثيل المجال السنّي السوري وإعادة تعريف المرجعية الإسلامية تحت سقف الدولة في ظل حماية إقليمية ودولية متوافق عليها.

غير أنّ هذا البديل يُقدَّم إعلاميا وسياسيا بوصفه عنوان الاستقرار والوحدة، بينما يُعاد تحميل الإخوان وحدهم عبء الإرث التغييري والذاكرة العنيفة، وكأنّ المطلوب ليس قراءة موضوعية للتاريخ، بل صناعة مقارنة غير متكافئة بين جديد منقذ وقديم مأزوم.

المشكلة هنا ليست في نقد الإخوان؛ فكلّ تجربة سياسية طويلة تستحق المراجعة والنقد، ولا سيما تجربة مرّت بمحطات دامية ومؤلمة في الثمانينيات، ثم بمحطات توازنات وتردّد خلال الثورة السورية. لكن الخطورة تكمن في تحويل هذا النقد إلى خطاب استعدائي يشيطن مكوّنا واسعا من مكوّنات النسيج الوطني السوري، له امتداده الاجتماعي والدعوي والتربوي، وله جمهوره وذاكرته وتاريخه.

فحين يُقدَّم فصيلٌ وطني كامل بوصفه عبئا يجب التخلص منه، أو مشكلة ينبغي حلّها لا مكوّنا ينبغي إدماجه، فإننا لا نكون أمام مراجعة صحية للماضي، بل أمام إعادة إنتاج لآليات الإقصاء نفسها التي حكمت سوريا لعقود.

لقد دفعت سوريا ثمنا هائلا بسبب منطق الفاعل الواحد والمرجعية الوحيدة واحتكار الوطنية، وهو المنطق الذي رسّخه النظام الأسدي عبر سحق كل تعددية سياسية أو فكرية أو اجتماعية، ثم تحويل المجتمع إلى كتل متقابلة من الخوف والشك والولاء القسري. ومن المؤسف أن تُستعاد هذه الروح في مرحلة يفترض أنها مرحلة تعافٍ وانتقال، لا مرحلة فرز جديد بين مسموح له بالوجود ومطلوب محوه من الذاكرة.

إنّ المجتمعات الخارجة من الحروب الأهلية والاستقطابات الحادة لا تُبنى بإعادة فتح ملفات التخوين والاستعداء، بل بخلق مساحات اعتراف متبادل، تسمح لكل القوى ذات الامتداد المجتمعي بالمشاركة في صياغة المستقبل ضمن قواعد سياسية مشتركة. أما حين يُستخدم الإعلام والكتابة الفكرية لتثبيت قناعة أنّ طرفا بعينه يجب أن يبقى تحت طائلة الشبهة التاريخية، فإن ذلك يزرع بذور استقطاب جديد مؤجّل، ويمنع نشوء الثقة الضرورية لأي انتقال سياسي مستقر.

الخطاب الاستعدائي ضد الإخوان لا يضر الجماعة وحدها، بل يبعث برسالة سلبية إلى كل التيارات المحافظة والمتدينة في سوريا: أن المجال العام الجديد لن يتسع إلا لمن تقرر السلطة قبوله

ثم إنّ تصوير الإخوان المسلمين كجماعة لا تختزن إلا قابلية العنف يتجاهل حقيقة أن التنظيم، في تطوره التاريخي، كان في جل مراحله دعوة اجتماعية وإصلاحية قبل أن يكون هيكلا سياسيا، وأن التنظيم عنده كان غالبا وسيلة لحفظ الفكرة تحت القمع، لا غاية مستقلة بحد ذاته. كما يتجاهل أنّ الحركات الإسلامية، بحكم انتشارها الاجتماعي، لا تُمحى بمجرد حملات التشويه، بل تدفعها سياسات الإقصاء غالبا إلى مزيد من الانكفاء أو العمل تحت السطح، وهو ما يخلق فجوة جديدة بين الدولة والمجتمع بدل ردمها.

الأخطر من ذلك أنّ الخطاب الاستعدائي ضد الإخوان لا يضر الجماعة وحدها، بل يبعث برسالة سلبية إلى كل التيارات المحافظة والمتدينة في سوريا: أن المجال العام الجديد لن يتسع إلا لمن تقرر السلطة قبوله، وأن المرجعية الدينية ستُدار من أعلى لا من خلال التعدد الطبيعي داخل المجتمع. وهذه رسالة لا تخدم بناء دولة حديثة، بل تعيد إنتاج القلق من الدولة بوصفها جهة هندسة ووصاية لا جهة تنظيم وضمان.

إن سوريا ما بعد الأسد بحاجة إلى تفكيك إرث الاستبداد، لا إلى استبدال طرف مهيمن بآخر، وبحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على استيعاب التنوع السياسي والفكري، لا على صناعة خصوم دائمين. ومن هنا فإن أي خطاب يسعى إلى ترسيخ البديل الجديد عبر تشويه القديم لا يساهم في التعافي، بل يهدد بإعادة تدوير الانقسام في صورة مختلفة.

فالانتقال الآمن لا يتحقق بإقصاء أصحاب الإرث التغييري مهما اختلفنا معهم، بل بإدماجهم في فضاء وطني تنافسي مفتوح، لأن الدول لا تُشفى بتصفية الذاكرة، بل بتحويل الذاكرات المتصارعة إلى شراكة في المستقبل.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)