هل تحمي القواعد الأمريكية الخليج؟.. مستقبل الأمن الإقليمي والعلاقة مع إيران

أحمد هلال‎
"بقيت القواعد الأمريكية محصنة، بينما تعرضت دول الخليج نفسها لأحداث لم تمنعها القوة الأمريكية"- القيادة المركزية
"بقيت القواعد الأمريكية محصنة، بينما تعرضت دول الخليج نفسها لأحداث لم تمنعها القوة الأمريكية"- القيادة المركزية
شارك الخبر
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يظل الأمن في منطقة الخليج العربي أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية. السؤال المركزي الذي يطرحه الواقع اليوم: هل الحماية تأتي من الخارج، عبر قواعد وقوى عظمى، أم تُبنى من الداخل، عبر تنسيق إقليمي قائم على المصالح المشتركة؟ وهل تمثل القواعد العسكرية الأجنبية ضمانة للاستقرار، أم عبئا يفرض تبعية سياسية ويجعل المنطقة طرفا في صراعات لا تخدم مصالحها؟

لقد ظل الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لعقود جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، قائما على فكرة الردع وحماية تدفق الطاقة وضبط التوازن مع القوى الإقليمية. هذا النموذج بدا لفترة طويلة مستقرا، لكنه بدأ يتعرض لاختبارات حقيقية كشفت حدود هذه الحماية.

الأحداث الأخيرة، وعلى رأسها الهجمات التي شهدتها دول الخليج على الرغم من وجود قواعد أمريكية على أراضيها، أبرزت أن هذا الوجود لا يضمن حماية مطلقة، وأن القرار العسكري غالبا ما يظل رهين المصالح الأمريكية، وليس التزاماتها تجاه الحلفاء.

يصبح واضحا أن العلاقة الحالية بين الخليج والولايات المتحدة لا تقوم على حماية مضمونة، بل على تبعية جزئية يفرضها التفوق العسكري الأمريكي وضرورة التنسيق الاستراتيجي

إن القواعد العسكرية الأمريكية، على الرغم من حجمها وقدرتها الردعية، لا تعمل وفق منطق حماية الدول المضيفة فقط، بل وفق استراتيجية تحقق مصالح واشنطن أولا. وهذا ما يفسر عدم تحركها في بعض الحوادث المباشرة، كما في حالات الاستهداف الإقليمي التي وقعت مؤخرا، حيث بقيت القواعد الأمريكية محصنة، بينما تعرضت دول الخليج نفسها لأحداث لم تمنعها القوة الأمريكية.

ومن هذا المنطلق، يصبح واضحا أن العلاقة الحالية بين الخليج والولايات المتحدة لا تقوم على حماية مضمونة، بل على تبعية جزئية يفرضها التفوق العسكري الأمريكي وضرورة التنسيق الاستراتيجي.

وفي سياق هذه التحولات، برزت مواقف أوروبية لافتة خلال الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. فقد رفضت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا استخدام قواعدها العسكرية كنقطة انطلاق للهجوم على إيران أو حماية السفن في مضيق هرمز، مكتفية برفض سياسي رمزي دون انخراط في دعم عسكري مباشر. هذا الموقف يعكس قدرة أوروبا على إعادة تعريف التزاماتها وفق مصالحها الخاصة، ويطرح درسا مهما لدول الخليج: الاستقلالية في القرار الأمني ممكنة، والعلاقة مع القوى الكبرى يمكن أن تكون شراكة قائمة على مصالح مشتركة، لا تبعية أو انخراطا تلقائيا في صراعات قد لا تخدم الأمن الإقليمي.

في هذا الإطار، تتضح الحاجة الملحة لدول الخليج لإعادة التفكير في مفهوم الحماية نفسها، والانتقال من نموذج الاعتماد الكلي على قوة خارجية، إلى نموذج أكثر استقلالية.

الفكرة المطروحة اليوم، والتي تحظى بجدية في بعض الأوساط السياسية، هي بناء نظام أمني إقليمي بديل أو موازٍ، يقوم على تنسيق مباشر بين الدول نفسها، سواء عبر شراكات مع قوى إقليمية مثل تركيا ومصر، أو من خلال إعادة صياغة العلاقة مع إيران على أساس التفاهم والمصالح المشتركة. هذا النهج لا يعني تخليا عن العلاقات مع الولايات المتحدة، بل إعادة تعريفها بحيث تصبح علاقة مصالح متبادلة، لا تبعية.

إيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ليست كيانا يمكن تجاهله أو عزله عن معادلات الخليج، فهي جزء من النسيج السياسي والاقتصادي للمنطقة، ومعظم القضايا الإقليمية الرئيسية -في العراق، اليمن، سوريا، ولبنان- تتأثر مباشرة بوجودها ونفوذها.

ومن هذا المنطلق، فإن تحويل إيران من خصم محتمل إلى شريك، أو على الأقل جار مستقر، قد يفتح الباب أمام إعادة بناء مفهوم الأمن برمته، بحيث لا يقوم فقط على الردع العسكري الخارجي، بل على التفاهم والتنسيق الإقليمي.

ومن منظور واقعي، يطرح هذا التحول إمكانيات استراتيجية مثيرة: يمكن لإيران أن تُقحم ضمن حسابات الأمن الإقليمي بطريقة تذيب بشكل عملي آثار أفعالها السابقة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغيرها، ليس بمحو ما حدث، بل بوضع إطار سياسي وأمني يسمح بإعادة توازن العلاقات والتعامل مع التاريخ المليء بالتوترات والجرائم، بطريقة تؤدي إلى استقرار المنطقة.

بكلمات أخرى، النظرة الواقعية لا تتجاهل الجرائم أو الانتهاكات، لكنها تُحوّل التركيز من الحسابات الانتقامية إلى استراتيجيات التعايش والتوازن، بما يحقق مصالح دول الخليج ويقلل من فرص اندلاع صراعات جديدة. غير أن هذه الرؤية تواجه تحديات كبيرة، فالتوترات الممتدة في ساحات متعددة، وانعدام الثقة المتراكمة، واختلاف الرؤى حول النفوذ والدور، كلها عوامل تجعل تحقيق هذا التحول صعبا، وإن لم يكن مستحيلا.

بناء الثقة بين الدول يحتاج إلى ترتيبات واضحة، وضمانات متبادلة، وآليات تنفيذية لضمان الالتزام. وهذا يتطلب صبرا استراتيجيا ورؤية بعيدة المدى، بعيدا عن الانفعالات اللحظية والضغوط الخارجية.

كما أن استبدال الوجود الأمريكي بتحالف إقليمي يطرح تحديات أخرى، أهمها الفارق في القدرات العسكرية والتكنولوجية، وطبيعة الالتزامات، ومدى الاستعداد لتحمل أعباء الدفاع المشترك. لهذا، يبدو أن المسار الأكثر واقعية في الوقت الحالي هو تنويع الشراكات الاستراتيجية: تعزيز القدرات الذاتية، والانفتاح على الحوار الإقليمي (تركيا ومصر نموذجا للتشارك الأمني المشترك)، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة، دون التخلي عن أدوات الردع القائمة قبل بناء بدائل حقيقية.

هل الأمن قائم على الحماية الخارجية وحدها، أم على الاستقلال الذاتي والقدرة على ضبط المصالح؟ هل هو ردع عسكري فقط، أم شبكة من التوازنات والمصالح المتبادلة تجعل الحرب خيارا مكلفا للجميع؟

إن جوهر المسألة لا يكمن في اختيار طرف على حساب آخر، بل في إعادة تعريف مفهوم الأمن ذاته. هل الأمن قائم على الحماية الخارجية وحدها، أم على الاستقلال الذاتي والقدرة على ضبط المصالح؟ هل هو ردع عسكري فقط، أم شبكة من التوازنات والمصالح المتبادلة تجعل الحرب خيارا مكلفا للجميع؟

الدرس المستفاد من المواقف الأوروبية الأخيرة، التي رفضت الانخراط في الصراع العسكري المباشر رغم تحالفها مع واشنطن، يوضح إمكانية الاستقلال الاستراتيجي حتى ضمن التحالفات التقليدية. إذا كانت أوروبا قادرة على إعادة تقييم مواقفها وفق مصالحها، فدول الخليج، التي هي أكثر عرضة لأي صراع محتمل، يمكنها تبني نهج مشابه: علاقة شراكة مع القوى الكبرى قائمة على المصالح، لا التبعية أو الالتزام التلقائي.

في النهاية، الطريق نحو نظام أمني مستقر في الخليج يمر عبر ثلاث مراحل متداخلة:

أولا، تخفيف التوترات الإقليمية عبر الحوار وبناء الثقة، خصوصا مع القوى المجاورة مثل إيران؛ ثانيا، تطوير قدرات دفاعية ذاتية تقلل من الاعتماد على الخارج؛ ثالثا، إعادة صياغة العلاقات مع القوى الكبرى على أساس المصالح المتبادلة، لا التبعية المطلقة.

لا توجد إجابات سهلة، ولا نموذج جاهز، فكل خيار يحمل فرصا ومخاطر، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة حاسمة، تتطلب تفكيرا عميقا واستراتيجية مرنة، توازن بين حماية مصالحها، وبناء استقلالها، والتكيف مع موازين القوى العالمية المتغيرة بسرعة.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل