التمكين في منهج الإخوان المسلمين بين الفكرة والواقع: قراءة في جدل المنهج والبيئة

أحمد هلال‎
"نجحت في بناء حضور فكري واجتماعي، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الحضور إلى نظام مؤسسي مستقر"- الأناضول
"نجحت في بناء حضور فكري واجتماعي، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الحضور إلى نظام مؤسسي مستقر"- الأناضول
شارك الخبر
في النقاشات التي تدور حول تجربة التغيير في العالم العربي، كثيرا ما يُطرح سؤالٌ يبدو بسيطا في ظاهره: لماذا لم تتحول الأفكار الكبرى إلى نتائج ملموسة في بنية الدولة والمجتمع؟ غير أن هذا السؤال، حين يُطبّق على تجربة جماعة الإخوان المسلمين، يكشف عن تعقيد يتجاوز ثنائية النجاح والفشل، ليدخل في منطقة أعمق تتقاطع فيها الفلسفة السياسية مع شروط الواقع.

منذ أن صاغ الإمام حسن البنا ملامح مشروعه، لم يكن التغيير عنده فعلا لحظيا، بل مسارا يبدأ من التعريف قبل أن يصل إلى التنفيذ. هذه البداية ليست تفصيلا تنظيميا، بل تعبير عن رؤية ترى أن الأزمة في جوهرها ليست أزمة سلطة فقط، بل أزمة وعي. ومن هنا، يصبح التعريف عملية إعادة تشكيل إدراك الإنسان للدين، ولموقعه في الحياة، ولعلاقته بالمجتمع والدولة.

لقد نجحت هذه المرحلة، إلى حدٍّ معتبر، في نشر الفكرة خارج حدود التنظيم، بحيث لم تعد شمولية الإسلام مجرد طرح خاص، بل جزءا من الخطاب العام في كثير من المجتمعات. هذا الانتشار لا يُستهان به؛ إذ يشير إلى أن الفكرة استطاعت أن تخترق المجال الثقافي، وأن تطرح نفسها كبديل تصوري. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي انتشار الفكرة ليُنتج تحولا في الواقع؟

الانتشار لا يُستهان به؛ إذ يشير إلى أن الفكرة استطاعت أن تخترق المجال الثقافي، وأن تطرح نفسها كبديل تصوري. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي انتشار الفكرة ليُنتج تحولا في الواقع؟

هنا تبدأ الإشكالية، فالفكرة مهما اتسع حضورها لا تتحول تلقائيا إلى مؤسسات، والوعي مهما تعمّق لا يضمن بذاته بناء نظام سياسي مستقر. هذه الفجوة بين الانتشار والتحول هي ما يجعل تقييم التجربة أمرا معقدا. فمن جهة، لا يمكن إنكار أن التعريف أوجد قاعدة واسعة من التعاطف والتأييد، ومن جهة أخرى، لم تُترجم هذه القاعدة دائما إلى قدرة مؤسسية على إدارة الدولة أو إعادة تشكيلها.

لفهم هذه المفارقة، لا بد من النظر إلى عاملين متداخلين: المنهج من الداخل، والبيئة من الخارج. على مستوى المنهج، يبدو أن الانتقال من حركة دعوية إلى فاعل سياسي مؤسسي لم يكن سهلا، فبناء الإنسان شيء، وبناء الدولة شيء آخر أكثر تعقيدا. الدولة الحديثة ليست مجرد امتداد لفكرة، بل شبكة من المؤسسات والقوانين والتوازنات. وهنا يبرز سؤال حاسم: هل تم تطوير الأدوات اللازمة لتحويل الرؤية العامة إلى سياسات تفصيلية قابلة للتطبيق؟ أم بقيت الفكرة في مستوى كلي، يصعب تنزيله على واقع معقد؟

هذه الإشكالية ليست حكرا على تجربة بعينها، بل تعكس معضلة أوسع في تاريخ الحركات الإصلاحية: الفجوة بين الخطاب القيمي والقدرة التنفيذية. وهي فجوة لا تُردم إلا عبر تراكم الخبرة، وبناء الكفاءات، والانخراط في تجارب تدريجية تسمح بالتعلم من الخطأ، لكن هذا التراكم نفسه لم يكن متاحا دائما.

وهنا يظهر العامل الثاني: البيئة السياسية. ففي كثير من السياقات العربية، لم تكن هناك مساحة كافية لتجارب سياسية تنضج ببطء. القمع، والتضييق، وغياب المنافسة العادلة، كلها عوامل حالت دون تطور طبيعي للحياة السياسية. في مثل هذه البيئات، يصبح التدرج -وهو جوهر فلسفة التمكين- رهانا صعبا، لأنه يفترض وجود هامش من الحرية يسمح بالتراكم، وهو ما كان غائبا في كثير من الأحيان.

هذا ما يجعل قراءة صمويل هنتنغتون ذات أهمية خاصة، ففي تحليله للعلاقة بين المشاركة السياسية وبناء المؤسسات، يشير إلى أن الخلل لا يكمن فقط في غياب الديمقراطية، بل في عدم التوازن بين اتساع الوعي وضعف البنية المؤسسية. غير أن المفارقة في الحالة العربية أن هذا التوازن لم يتحقق أصلا: فلا مؤسسات قوية، ولا مشاركة مستقرة. وبهذا، تُحرم المجتمعات من مسار التعلم التدريجي الذي يُفترض أن يقود إلى نضج سياسي.

التمكين فكرة مفتوحة، لا تختزل في تجربة واحدة ولا تُحسم في مرحلة تاريخية بعينها. إنه مسار يتطلب بيئة تسمح بالتجربة، ومنهجا قادرا على التعلم، وقدرة على التكيف مع واقع متغير

في ظل هذا الواقع، تتخذ السلمية كما برزت في الخطاب المعاصر بعدا استراتيجيا، فهي ليست مجرد خيار أخلاقي، بل محاولة لإعادة تعريف القوة في سياق لم يعد يسمح بالمواجهة المباشرة. فالقوة، في هذا التصور، تُقاس بالقدرة على الصمود، وبناء الوعي، والحفاظ على الحضور في المجال العام، حتى في ظل القيود.

لكن السلمية نفسها تواجه تحديا: كيف تتحول من موقف إلى أداة ضغط فعالة؟ فبدون فضاء عام يسمح بالتعبير والتنظيم، قد تفقد كثيرا من قدرتها التأثيرية. وهنا يعود السؤال القديم بثوب جديد: كيف يمكن إحداث تغيير تراكمي في بيئة تعرقل التراكم؟

ربما يكون الجواب في الاعتراف بأن الأزمة ليست في عنصر واحد، فاختزال الإشكال في فشل المنهج يتجاهل أثر البيئة، كما أن إرجاعه بالكامل إلى الاستبداد يعفي الداخل من مراجعة ضرورية. الحقيقة، كما يبدو، تقع في منطقة التداخل، حيث يتقاطع منهج يراهن على الزمن مع واقع لا يمنح هذا الزمن فرصته الكاملة.

في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل نجحت التجربة أم فشلت؟ بل: ماذا حققت، وما الذي أعاقها، وما الذي يمكن تعلمه؟ لقد نجحت في بناء حضور فكري واجتماعي لا يمكن إنكاره، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذا الحضور إلى نظام مؤسسي مستقر. وهذا لا يلغي القيمة، لكنه يحدد حدودها.

في النهاية، يظل التمكين فكرة مفتوحة، لا تختزل في تجربة واحدة ولا تُحسم في مرحلة تاريخية بعينها. إنه مسار يتطلب بيئة تسمح بالتجربة، ومنهجا قادرا على التعلم، وقدرة على التكيف مع واقع متغير. وبين الفكرة والواقع، تبقى المسافة قائمة لا كدليل على العجز، بل كتذكير بأن التغيير الحقيقي أكثر تعقيدا من أن يُختصر في إجابة واحدة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)