السلمية كخيار منهجي.. قراءة استراتيجية في بنية التفكير لدى جماعة الإخوان المسلمين

محمد زويل
"تعرضت الجماعة لمحطات قاسية من الاعتقالات والحظر والصدامات السياسية. ورغم ذلك حافظت -في معظم مراحلها- على خطاب يؤكد رفض العنف "- جيتي
"تعرضت الجماعة لمحطات قاسية من الاعتقالات والحظر والصدامات السياسية. ورغم ذلك حافظت -في معظم مراحلها- على خطاب يؤكد رفض العنف "- جيتي
شارك الخبر
السلمية في عقل الإخوان السياسي هل هي استراتيجية بقاء أم موقف واقعي؟ وهل هي مبدأ أم تكتيك؟ ولماذا تتمسك الجماعة بالسلمية رغم الكلفة الكبيرة؟ وهل هي سلمية تحت الضغط أم اختبار للمنهج في لحظات الانكسار؟

تُعد مسألة "السلمية" لدى جماعة الإخوان المسلمين من أكثر القضايا إثارة للجدل في حقل التحليل السياسي، حيث تتراوح التفسيرات بين من يراها تكتيكا مرحليا فرضته الظروف، ومن يعتبرها خيارا منهجيا أصيلا متجذرا في بنية الجماعة الفكرية والتنظيمية. هذا المقال يسعى إلى تفكيك هذا الجدل عبر قراءة منهجية، تستند إلى تحليل الخطاب والممارسة والسياق التاريخي، بهدف الإجابة عن سؤال مركزي: هل السلمية لدى الإخوان خيار استراتيجي ثابت أم مجرد أداة ظرفية؟

أولا: السلمية في البناء الفكري للجماعة:
انعكس ذلك في أدبيات مبكرة تؤكد أن التغيير يبدأ من الإنسان قبل السلطة والمجتمع قبل الحكم، وهذا الطرح يُشير إلى أن السلمية ليست فقط وسيلة، بل جزء من فلسفة التغيير التي ترى المجتمع مجالا للإصلاح قبل الدولة وللمجتمع قبل السلطة

منذ التأسيس على يد حسن البنا، طرحت الجماعة تصورا للإصلاح يقوم على رؤية إصلاحية قوامها: التدرج بدل القفز، والتربية بدل الفرض، والمجتمع بدل الدولة كنقطة بداية. وهذا التصور يعكس ما يمكن تسميته بـ"نظرية التغيير من أسفل إلى أعلى" حيث يُنظر إلى: الإنسان= وحدة التغيير والمجتمع = مجال التراكم والدولة = نتيجة لا نقطة انطلاق. وبالتالي، فإن السلمية هنا ليست مجرد خيار أخلاقي، بل هي نتيجة منطقية لفلسفة إصلاحية طويلة المدى، وليست استجابة ظرفية لضغط سياسي.

وقد انعكس ذلك في أدبيات مبكرة تؤكد أن التغيير يبدأ من الإنسان قبل السلطة والمجتمع قبل الحكم، وهذا الطرح يُشير إلى أن السلمية ليست فقط وسيلة، بل جزء من فلسفة التغيير التي ترى المجتمع مجالا للإصلاح قبل الدولة وللمجتمع قبل السلطة. وقد كان هذا الفكر سببا لخروج كثير من الأفراد والمجموعات من الجماعة من بدايتها، ومنها "جماعه شباب محمد" (1939-1940) برئاسة المحامي محمد عطية خميس الذي خرج عن الجماعة وأسس حركته بسبب خلافات جوهرية حول منهجية العمل، حيث اعترض علي سلمية الجماعة والنهج المتدرج، ورغب في تبني القوة والجهاد الفوري كخيار وحيد، وما زال هذا النهج لدى البعض قائما حتى تاريخه.

ثانيا: السلمية كخيار استراتيجي:

من منظور الإدارة الاستراتيجية، يمكن قراءة السلمية باعتبارها:

• استراتيجية بقاء (Survival Strategy) في بيئات قمعية.

• استراتيجية شرعية (Legitimacy Strategy) لكسب القبول المجتمعي.

• استراتيجية تراكم (Accumulation Strategy) لبناء القوة الناعمة.

وبالتالي، فإن السلمية هنا ليست ضعفا، بل اختيار عقلاني يوازن بين الكلفة والعائد ويُجنّب الجماعة سيناريوهات الاستنزاف أو العزل.

ثالثا: اختبار السلمية عبر الأزمات:

تاريخيا، تعرضت الجماعة لمحطات قاسية من الاعتقالات والحظر والصدامات السياسية. ورغم ذلك، حافظت -في معظم مراحلها- على خطاب يؤكد رفض العنف واستعمال القوة في التغيير الداخلي وظلت على التمسك بالعمل السياسي والمجتمعي. وهنا يبرز مؤشر مهم وهو الاستمرار في الخيار رغم ارتفاع الكلفة، وهو ما يدعم فرضية كونه خيارا منهجيا لا مجرد تكتيك.

رابعا: التحليل الاستراتيجي للسلمية- عقلانية الاختيار:

إذا نقلنا التحليل إلى حقل الإدارة الاستراتيجية، يمكن فهم السلمية عبر ثلاث طبقات:

1- استراتيجية تقليل التكلفة (Cost Minimization): العنف: يرفع كلفة الصراع، ويسرّع الاستنزاف، ويبرر القمع، وقد يئد المشروع، بينما السلمية: تخفّض تكلفة المواجهة، وتطيل زمن التفاعل، تحفظ البنية التنظيمية.

2- استراتيجية الشرعية (Legitimacy Strategy): في بيئات سياسية معقدة، تمثل الشرعية رأس مال سياسيا، وسلاحا ناعما. والسلمية تمنح قبولا شعبيا، ومساحة للحركة، وقدرة على بناء تحالفات.

3- استراتيجية التراكم (Accumulation Strategy): بدل الحسم السريع، تعتمد الجماعة على: التراكم الاجتماعي، والانتشار الدعوي، وبناء الشبكات. وهذا يعكس منطق: القوة البطيئة بدل الانفجار السريع (Slowly but surely).

خامسا: السلمية كجزء من الهوية التنظيمية:

مع الزمن، تحولت السلمية من خيار فكري إلي مكوّن هوياتي، حيث أصبحت معيارا للانتماء ومحددا للسلوك وجزءا من الصورة الذهنية، وهذا التحول يعني أن التخلي عنها ليس قرارا تكتيكيا بل إعادة تعريف للهوية ذاتها.

سادسا: اختبار المنهج- السلمية تحت الضغط:

القيمة الحقيقية لأي منهج تظهر عند: ارتفاع الكلفة وليس انخفاضها، وقد واجهت الجماعة عبر تاريخها موجات قمع واسعة واعتقالات جماعية وإقصاء سياسي، ورغم ذلك، ظل الخطاب العام -في أغلب مراحله- متمسكا برفض العنف الداخلي والتمسك بالإطار السلمي للعمل (وثيقة دعاه لا قضاة).

وهنا تظهر قاعدة تحليلية مهمة: "الثبات تحت الضغط = مؤشر على المنهجية". ولو كانت السلمية تكتيكا لتغيّرت جذريا مع تغير الظروف لكن استمرارها -مع بعض الخسائر- يدعم فرضية كونها خيارا استراتيجيا طويل المدى.

سابعا: السلمية بين النظرية والتطبيق:

رغم ذلك، لا يمكن إغفال وجود تباينات داخلية واختلاف السياقات القُطرية وضغوط الواقع السياسي وهذا يفتح المجال لتحليل أكثر تعقيدا: هل السلمية "مبدأ مطلق" أم "خيار مرن داخل إطار منهجي"؟ والإجابة الأقرب: أنها مبدأ حاكم، لكن تطبيقه يتأثر بالسياق.. وهو ما يفسر اختلاف الممارسات دون إلغاء الأصل الفكري.

ثامنا: قراءة نقدية:

التحليل العلمي يقتضي طرح تساؤلات نقدية:

• هل نجحت السلمية في تحقيق أهدافها؟

• هل أدت إلى احتواء الجماعة أم تحجيمها؟

• هل تحتاج إلى تطوير منهجي في أدواتها؟

التحليل الجاد لا يكتفي بالتوصيف، بل يطرح أسئلة صعبة هل حققت السلمية أهدافها؟ على مستوى الانتشار: نعم، على مستوى التمكين السياسي: محل جدل.
السلمية لدى جماعة الإخوان المسلمين تمثل: خيارا منهجيا متجذرا، واستراتيجية عقلانية لإدارة الصراع، ومكوّنا هوياتيا يصعب التفريط فيه

هل أدت إلى احتواء الجماعة؟ في بعض الحالات: نعم: في أخرى: منحتها شرعية واسعة".

هل تحتاج إلى تطوير؟ بالتأكيد خصوصا في: أدوات التأثير، وإدارة الصراع، وبناء التحالفات.

تاسعا: السلمية في سياق التحولات الجيوسياسية:

في عالم يشهد: صعود الدولة الأمنية، وتعقيد الصراعات، وتداخل المحلي والدولي تصبح السلمية أكثر تعقيدا لكنها أيضا أكثر ضرورة، لماذا؟ لأن البدائل غالبا ما تؤدي إلى التفكك، والعزلة، وفقدان الشرعية.

أخيرا: السلمية كخيار وجودي قابل للتطوير:

يمكن القول إن السلمية لدى جماعة الإخوان المسلمين تمثل: خيارا منهجيا متجذرا، واستراتيجية عقلانية لإدارة الصراع، ومكوّنا هوياتيا يصعب التفريط فيه.

هذه الأسئلة وغيرها لا تنفي المنهج، لكنها تدعو إلى تحديثه وتكييفه مع التحولات الجيوسياسية. ويمكن القول إن السلمية لدى جماعة الإخوان المسلمين ليست مجرد شعار أو تكتيك عابر، بل تمثل جزءا من الهوية، وأداة استراتيجية، وإطارا مرجعيا لإدارة الصراع.. لكن التحدي الحقيقي ليس في الحفاظ على السلمية، بل في تطويرها⁠تطويرا مستمرا في الأدوات والأداء، مع ⁠قراءة واقعية للبيئة ومواءمة متوازنة بين المبدأ والنتائج وفاعلية عالية في التنفيذ لتبقى فاعلة في عالم متغير.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)