العقل السوري الحدي

حسين عبد العزيز
إن هزيمة إيران العسكرية سيؤدي إلى تراجع تدخلاتها في البلدان العربية، وهذا تطور مهم، لكن بالمقابل سينعكس ذلك سلبا على القضية الفلسطينية.. فيسبوك
إن هزيمة إيران العسكرية سيؤدي إلى تراجع تدخلاتها في البلدان العربية، وهذا تطور مهم، لكن بالمقابل سينعكس ذلك سلبا على القضية الفلسطينية.. فيسبوك
شارك الخبر
قد يحار المرء كثيرا حين يراقب مواقف الشعب السوري إزاء الكثير من القضايا المحلية والإقليمية، فهي مواقف تتحرك بين نوسان المعقول واللامعقول، إنها تتصف بالحدية، فإما أبيض أو أسود، إما معنا أو ضدنا، إما السلطة الجديدة أو ضدها، إما مع إيران أو ضدها في الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.

ليست هذه الحدية سمة السياسة بمعناها العلمي والبراغماتي، وإنما هي تنتمي إلى ما يمكن تسميته البداوة السياسية، أو ما يمكن أن نُسميه مخيال سياسي ناجم عن قناعات معطاة مسبقا في الوعي (ناجزة كالبداهات العقلية)، أو نتيجة كره يتحول إلى شعور فوق التاريخ، فلا يعود ثمة قدرة على التمييز بين الأوضاع والظروف التاريخية المختلفة، وبالتالي تنطلق الأحكام القيمية دون أي وزن للمعطيات الاستراتيجية القائمة، أو المهددة.

الحرب على إيران

هذه النقطة الأخيرة تنطبق على انقسام الشعب السوري الحدي اليوم بين مؤيد مطلق لإسرائيل والولايات المتحدة في حربهما ضد إيران، وبين أولئك المدافعين عن إيران.

لا شك أن كثيرا من السوريين ـ بمن فيهم كاتب هذه الأسطر ـ لديهم موقف حاد من إيران تجاه سياساتها في المنطقة العربية بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص، فالمسألة بالنسبة للثائرين على نظام الأسد ليست مجرد دعم سياسي وعسكري إيراني للأسد، وإنما هي المشاركة الجدية في القضاء على حُلم السوريين في إنهاء الاستبداد الغاشم منذ عقود.

لقد ساهمت إيران وجوديا في قتل الشعب السوري وتوطيد الاستبداد لأكثر من عقد، وساهمت في تشريد السوريين.

لا شك أن كثيرا من السوريين ـ بمن فيهم كاتب هذه الأسطر ـ لديهم موقف حاد من إيران تجاه سياساتها في المنطقة العربية بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص، فالمسألة بالنسبة للثائرين على نظام الأسد ليست مجرد دعم سياسي وعسكري إيراني للأسد، وإنما هي المشاركة الجدية في القضاء على حُلم السوريين في إنهاء الاستبداد الغاشم منذ عقود.
وفق هذه الحقائق، ثمة غضب سوري مُبرر تجاه إيران، لكن بالمقابل هذا لا يبرر الوقوف إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة في حربهما الحالية، ذلك أن هزيمة إيران تعني انتصارا لإسرائيل في المنطقة أولا، وتعني ثانيا، وهذا هو الأهم، خسارة القضية الفلسطينية لأهم الدول الداعمة لها، بغض النظر عن الانقسام العربي الحاصل حيال طبيعة وآليات الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية وتبعاته على الدول العربية، خصوصا لبنان وسورية.

إذا كانت القضية الفلسطينية وما تزال هي قضية العرب الوجودية الأولى، فسيكون طبيعيا أن نتفهم وقوف الفلسطينيين إلى جانب إيران، فهزيمة إيران وانتصار إسرائيل، يعني تلقي القضية الفلسطينية صفعة أخرى ضمن صفعات التاريخ الحديث.

من هنا، يجب التفريق في أي سياق تأتي الحرب الحالية على إيران؟ ومن أجل من؟ وما هو شكل القضية الفلسطينية والمنطقة بعد انتهاء هذه الحرب؟

إن الوقوف إلى جانب إسرائيل ضد إيران يندرج ضمن اللامعقول السياسي، أو بعبارة أخرى استقالة للعقل السياسي والأخلاقي المفترض أنه محكوم بالمصالح العليا للأمة، وليس محكوما بالانفعال والثأر والشماتة، كما هو محكوم أيضاً بالقضية الأخلاقية التي هي قضية احتلال.

الواقع أن الإشكالية الإيرانية في المشرق العربي معقدة جداً، فوجود إيران قوية يعني بقاء جهة مستمرة في دعم الفلسطينيين، لكن بالمقابل يعني ذلك، استمرار إيران في تدخلها في العالم العربي بما يفاقم التوترات المحلية في هذه البلدان، والحيلولة دون نشوء دولة موحدة، كما هي الحال في لبنان والعراق.

من ناحية أخرى، فإن هزيمة إيران العسكرية سيؤدي إلى تراجع تدخلاتها في البلدان العربية، وهذا تطور مهم، لكن بالمقابل سينعكس ذلك سلبا على القضية الفلسطينية.

قد يقول البعض، إن الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية لم يؤد إلى نتائج استراتيجية، وهذا صحيح، لكن هذا لا يمنع الاتفاق على أن وجود الدعم الإيراني للقضية الفلسطينية أفضل بكثير من عدم وجوده.

وعليه، المسألة معقدة بعض الشيء، ولكن الثابت في كل ذلك هو ضرورة التمييز في أي سياق يجب أن نتخذ مواقفنا السياسية.

المشروبات الروحية

الانقسام الحدي للعقل السوري حاضر في كل تفصيل من تفاصيل المشهد المحلي، بدءً من الموقف من "قوات سورية الديمقراطية" إلى الموقف مما جرى ويجري في السويداء، إلى الموقف من أحداث الساحل وتداعياتها المستمرة حتى الآن، وأخيراً، إلى قرار محافظ دمشق منع بيع المشروبات الروحية إلا بترخيص من "الدولة" وضمن مناطق جغرافية محددة.

إن الوقوف إلى جانب إسرائيل ضد إيران يندرج ضمن اللامعقول السياسي، أو بعبارة أخرى استقالة للعقل السياسي والأخلاقي المفترض أنه محكوم بالمصالح العليا للأمة، وليس محكوما بالانفعال والثأر والشماتة، كما هو محكوم أيضاً بالقضية الأخلاقية التي هي قضية احتلال.
كان الانقسام حدياً بقسوة، لدرجة أن لغة الخيانة والاستحقار بدت جلية على التيار الداعم لقرار المحافظ، حين وصف المناهضين للقرار بالـ "سكرجية"، والعلمانيين، وهو لفظ يُطلق عادة عند العامة وبعض من يصفون أنفسهم بالخواص، بالكفر، فالعلمانيين وفقاً لذلك هم الكفرة، والكافر في نظر هذه الفئة هو الشخص الذي يفتقر للأخلاق تماماً.

هكذا، تحول قرار غير مدروس، لا من ناحية الشكل ولا من ناحية المضمون، لمحافظ دمشق، إلى صراع هُوياتي وأخلاقي ومناطقي وطائفي، وبدت فيه الأكثرية السنية ـ على الرغم من أن المتظاهرين المنددين بقرار المحافظ هم في غالبيتهم من السُنة ـ وكأنها تشعر بتهديد من المسيحيين الذي ارتبط بهم وحدهم وفق المخيال الاجتماعي، شرب المشروبات الروحية.

حتى الآن ما تزال السلطة الانتقالية في سورية، وكثير من الجمهور السوري غير واع ومدرك لمفاهيم الحقوق الأساسية للإنسان في المستويات الاجتماعية والمدنية والسياسية.

وقد آثرت استخدام لفظ الجمهور وليس الشعب، لأنه لا وجود لشعب سوري، وإنما هناك جمهور فقط، والفارق بينهما كبير، فليس كل اجتماع بشري في بقعة جغرافية محدد ينشأ شعب، فما هو أهم، بأي معنى يجتمعون؟ ولماذا يجتمعون؟ وما غاية هذا الاجتماع؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تفرق بين الجمهور والشعب المنتمي في مجموعه إلى دولة وطنية، تمثل في ذاتها الخير الأسمى للمجتمع وتسعى إلى فرضه بأدواتها التي تمتلكها.

بدون ذلك، سيبقى السوريون في حالة انقسام حدي، حتى حيال أبسط المسائل، وأكثرها وضوحاً.

لقد كان لغياب الدولة في سورية عبر التاريخ أثر رئيس في عدم نشوء وعي وطني جامع يعلو على الانتماءات الفرعية: الدينية والطائفية والإثنية، وينظر للاختلاف ضمن الوحدة الواحدة التي هي محل الإجماع، باعتبارها وحدة (الدولة) المنوط بها حماية المُلكية الفردية والحقوق الفردية.

إن سورية وطن دون دولة، وجمهور دون شعب، وسلطة دون دولة، وانتماءات فرعية دون المواطنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل