قول موجز في ذكرى الثورة السورية

حسين عبد العزيز
نتائج الثورة لا يمكن بأي شكل من الأشكال اختزالها بإسقاط نظام وإحلال آخر محله، وإنما، وهذا هو الأهم، بالحديث عما تحقق منذ سقوط الأسد، وعن المسار المستقبلي المتوقع.
نتائج الثورة لا يمكن بأي شكل من الأشكال اختزالها بإسقاط نظام وإحلال آخر محله، وإنما، وهذا هو الأهم، بالحديث عما تحقق منذ سقوط الأسد، وعن المسار المستقبلي المتوقع.
شارك الخبر
ثمة قول كثير يُحكى ويُكتب عن الثورة السورية، لكنه قول لم يعد له قيمة سياسية بقدر ما له قيمة تاريخية وأكاديمية لدى أهل الاختصاص (مؤرخون، سوسيولوجيون)، فليس مهماً الآن في هذه المرحلة الحديث عن تاريخ الثورة، على مستوى أسبابها أو مسارها، فبسقوط نظام الأسد انتهت كل هذه المفاعيل.

الأهم في هذه المرحلة ـ في وقت يحيي السوريون فيه الذكرى للمرة الثانية منذ سقوط الأسد ـ هو الحديث عن نتائج الثورة التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال اختزالها بإسقاط نظام وإحلال آخر محله، وإنما، وهذا هو الأهم، بالحديث عما تحقق منذ سقوط الأسد، وعن المسار المستقبلي المتوقع.

لا تدل المعطيات السابقة ولا الحالية على أن سورية متجهة نحو التعافي السياسي، وربما يكون هذا التعافي من منظار الشخوص الحاكمة مسألة ترف، فالأولية ليست للسياسي، وإنما للاقتصادي والأمني في الداخل، وإسرائيل في الخارج، وهي سردية الحكم التسلطي أينما كان، وهي سردية تخالف منطق التاريخ الذي علمنا أن مسار التحديث يبدأ من السياسي أولا.
من يختزل نتائج الثورة السورية بسقوط نظام الأسد، فهو يُنهي التاريخ، أو بعبارة هيغلية يعتبر أن المطلق قد تحقق في التاريخ (سقوط الأسد) وأن التاريخ ـ بعبارة فوكوياما ـ قد انتهى، إذ حقق تمامه بإزالة النظام القائم.

نحن هنا أمام موقف لا يندرج ضمن الاعتبارات العلمية والتاريخية، بل يندرج ضمن الاعتبارات الأيديولوجية، وهؤلاء هم الأغلبية المؤيدة لنظام الحكم الحالي في سورية، أما أولئك الذي يعتبر أن سقوط الأسد يمثل نهاية مرحلة ثورية وبداية لأخرى، فهم خارج دائرة الحكم، وخارج القاعدة الشعبية العامة للحكم السوري، إنهم المثقفون الذي عارضوا نظام الأسد بقوة، وعارضوا بالمقابل نظام الحكم الجديد، ليس لأنه إسلامي التوجه، بل بسبب سلوك الحكم الجديدة منذ وصول إلى السلطة.

لا شك أن المراحل الانتقالية للمجتمعات هي أكثر المراحل اضطرابا، ففيها ثمة توتر في التشكيلة الاجتماعية ـ السياسية ـ الاقتصادية، إذا ما استعرنا التعبيرات الماركسية.

لكن المرحلة الانتقالية سُميت بهذا الاسم ليس فقط بحكم واقعتها التاريخية، أي الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، وإنما سميت كذلك لأنها تحمل في ذاتها (في الشخوص الحاكمة) رؤية سياسية لما ينبغي أن يكون عليه مستقبل الدولة، وهذه الرؤية هي في نظرنا هي الأهم من الواقعة التاريخية ذاتها، لأنها تحدد ما إذا كانت المرحلة الانتقالية مجرد حلول نظام محل آخر، أو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى مختلفة تمام الاختلاف عن السابق.

بهذا المعنى يمكن الحديث عن نتائج الثورة، أو ما بعد الثورة، التي ينحصر هدفها في بناء الدولة الحديثة، فهل ما جرى في سورية خلال 16 شهرا يمهد لبناء هذه الدولة؟

لم تمض ساعات قليلة على وصول أحمد الشرع إلى دمشق، حتى بدأت تظهر مظاهر إسلامية في السلوك تشي بطبيعة المرحلة المقبلة، ومع أن هذه المظاهر كانت فردية، أي تعبيرا عن ثقافة فردية، إلا أنها كانت تعكس توجها عاما أيضا، سرعان ما ظهر بوضوح مع تشكيل الحكومة الأولى التي هيمن عليها وجه أيديولوجي واحد وحاد.

ومع أن التشكيل الثاني للحكومة جاء بتغييرات في الشخوص والانتماء الدينية والطائفية، إلا أنها كانت مجرد ديكور لإضفاء الشرعية على حكومة في جوهرها هي انعكاس مباشر لتوجهات الشرع.

انعكس هذا الأمر على كل مفاصل مؤسسات الدولة، إذ خضع اختيار الأشخاص لعاملين رئيسيين: الأول، الانتماء الإسلامي السُني كأيديولوجية ضرورية لنيل الثقة، والثاني، أولئك الذين كانوا في إدلب، بحيث أصبحت الإقامة السابقة في المحافظة بمثابة "كرت ثقة" يمنح صاحبه المؤهلات لتولي المنصب.

جاء الإعلان الدستوري ليوجز كل المعطيات السابقة، فالسلطة أصبحت مركزة بشدة في شخص الحاكم الذي يجمع بين السلطتين الدينية والسياسية، بما يذكرنا بالتاريخ اليهودي القديم، فهو رئيس السلطة التنفيذية، ورئيس الهيئة العليا للقضاء، والمسؤول عن تعيين الوزراء وسياساتهم وإقالتهم، والمسؤول عن المجلس التشريعي غير المنتخب أصلا.

صحيح أن سورية اليوم تعيش حالة ليبرالية واسعة جدا على المستوى السياسي بمعايير المنطقة، إلا أن هذه الليبرالية لا تؤسس لتراكم ثقافي يسبق المرحلة الديمقراطية كما جرى في أوروبا قبل قرون، فالليبرالية السياسية دون مؤسسات دولة مستقلة عن نظام الحكم من جهة، ودون وجود نظام ديمقراطي يؤطرها من جهة أخرى، لا تتحول إلى ليبرالية إيجابية، إذ تظل ليبرالية سلبية،
وبهذا، لم يختلف مجلس الشعب الحالي، من حيث المضمون والأهداف، عن مجلس الشعب خلال عهد الأسدين الأب والابن، بمعنى أن طبيعة النظام السياسي وآليات عمل مؤسسات محكومة من السلطة التنفيذية وليس من السلطة التشريعية، كما هو الحال في الديمقراطيات الليبرالية.

ضمن هذا المسار، كان طبيعيا أن تنتهي الأمور بارتكاب جرائم في الساحل السوري والسويداء، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى القتال، أهو الكمين الذي قام به عناصر من فلول النظام السابق مع مؤيدين لهم في حالة الساحل، أم ردا على اعتداءات عناصر من تيار شيخ عقل الدروز حكمت الهجري على عناصر الأمن التابعة للحكومة المستاءة أصلا من توجهات الإسرائيلية في حالة السويداء.

صحيح أن سورية اليوم تعيش حالة ليبرالية واسعة جدا على المستوى السياسي بمعايير المنطقة، إلا أن هذه الليبرالية لا تؤسس لتراكم ثقافي يسبق المرحلة الديمقراطية كما جرى في أوروبا قبل قرون، فالليبرالية السياسية دون مؤسسات دولة مستقلة عن نظام الحكم من جهة، ودون وجود نظام ديمقراطي يؤطرها من جهة أخرى، لا تتحول إلى ليبرالية إيجابية، إذ تظل ليبرالية سلبية، تقوم على التعبيرات الشعورية واللاشعورية للأشخاص، ومن ثم لا تلبث أن تتحول إلى مهاترات وترهات، كما نشاهدها يوميا على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن ضعف الليبرالية الاجتماعية أولا، وغياب نظام الأحزاب ثانيا، وعدم وجود عمل انتخابي موسمي ثالثا، جعل سورية منذ سقوط الأسد ساحة للتنافس الفردي لا الحزبي، وبين الجانبين فرق هائل على مستوى بناء الدولة.

لا تدل المعطيات السابقة ولا الحالية على أن سورية متجهة نحو التعافي السياسي، وربما يكون هذا التعافي من منظار الشخوص الحاكمة مسألة ترف، فالأولية ليست للسياسي، وإنما للاقتصادي والأمني في الداخل، وإسرائيل في الخارج، وهي سردية الحكم التسلطي أينما كان، وهي سردية تخالف منطق التاريخ الذي علمنا أن مسار التحديث يبدأ من السياسي أولا.
التعليقات (0)