الأكراد ودروس التاريخ

حسين عبد العزيز
"من شأن هذه التطورات أن تُفسح المجال أمام أكراد سوريا للانخراط في مشروع سياسي"- سانا
"من شأن هذه التطورات أن تُفسح المجال أمام أكراد سوريا للانخراط في مشروع سياسي"- سانا
شارك الخبر
لم يتعرض شعب في التاريخ إلى المؤامرات والخذلان مثلما تعرض له الأكراد في منطقتنا، ويعود ذلك إلى عاملين رئيسين اعتبرا خطرا في نظر الدول الثلاث المركزية (تركيا، العراق، سوريا):

الأول، وحدة وتماسك الشعب الكردي من حيث الهوية والانتماء القومي، على الرغم من اندماجهم تاريخيا في الحضارة العربية، وهذه الوحدة الهُوياتية، لم ينظر لها الأكراد كبديل عن الهوية العربية، وإنما كتنوع داخل الوحدة.

الثاني، الأكراد -وهذا ما يميزهم عن باقي الأقليات الأخرى- متواجدون في معظمهم ضمن منطقة جغرافية واسعة ومتواصلة فيما بينها بين الدول الثلاث، وحتى إيران (شمال غرب البلاد على طول سلسلة جبال زاغروس والحدود العراقية التركية)، ويمتلكون مقومات اقتصادية، مثل غنى مناطقهم بالنفط: حقوق كركوك في العراق، حقول الرميلان في سوريا، حقول باطمان في تركيا.

هذه الوحدة الجغرافية بين الدول الأربع من جهة، والغنى الاقتصادي من جهة أخرى، نُظر إليه كُرديا، كما نُظر إليه من قبل العواصم الأربع، على أنهما مقومات دولة حقيقية، ولهذا السبب، وعلى الرغم من الصراعات الحادة التي وقعت بين الدول الأربع خلال العقود الماضية، إلا أنها اتفقت جميعها على منع نشوء دولة كردية.

تستعرض هذه المادة مأزق الجغرافية التي يعيشها الأكراد تاريخيا وخيانة القوى الإقليمية والدولية لهم، على أمل أن يغير الأكراد سياستهم نحو العمل السياسي داخل الدولة الوطنية، وهو وحده الكفيل -وإن طال- في تحقيق أهدافهم في ظل الاستعصاء الجغرافي والقهر التاريخي.

الأكراد تاريخيا
يغير الأكراد سياستهم نحو العمل السياسي داخل الدولة الوطنية، وهو وحده الكفيل -وإن طال- في تحقيق أهدافهم

تعود جذور الأكراد في منطقة جبال زاغروس إلى الألف الثالثة قبل الميلاد حسب بعض المؤرخين، وقد وصف المؤرخ اليوناني هيرودوت (توفي عام 425 ق. م) الأكراد باسم الكاردوخوي أثناء حديثه عن قوات كارداكيس التي كانت تشكل الطبقة الرئيسية في جيش الملك الإخميني دارا الاول (521-486 ق.م)، ثم ذكرهم المؤرخ إكسينوفون (توفي 354 ق.م) في كتابه "أناباسيس" بأنهم شعب جبلي ومحاربون أشداء، هاجموا الجيش اليوناني أثناء عبوره للمنطقة عام 400 ق.م في خضم الحروب اليونانية-الفارسية، ثم ذكرهم المؤرخ اليوناني سترابون.

ارتبط الأكراد بالإسلام مبكرا، وذُكر الصحابي الكردي جابان أبو ميمون وابنه ميمون كأوائل من نقلوا الإسلام إلى مناطقهم، وكانت لهم مساهمتهم الكبيرة على مستويين رئيسين: الأول ثقافي تمثل بشخصيات علمية مرموقة وضعت بصمتها في الثقافة الإسلامية، أمثال المؤرخين ابن خلكان وأبو حنيفة الدينوري، والفيلسوف شهاب الدين السهروردي، والجغرافي أبو الفداء، والموسيقي زرياب، وابن الأزرق الفارقي، وابن تيمية.. إلخ.

المستوى الثاني عسكري، تمثل بدورهم الاستراتيجي بجعل مناطقهم سدا منيعا ضد البيزنطيين والروس، وأهم مدافع عن الثغور الإسلامية، وقد مثلوا لاحقا الركيزة الأساسية في جيوش الدولة الأيوبية بقيادة الكردي صلاح الدين الأيوبي الذي وحّد المسلمين واستعاد القدس.

امتلك الأكراد تاريخيا شبه استقلال ذاتي في بعض المناطق، ففي مدينة الشدادي جنوبي محافظة الحسكة في سوريا الآن، أسس محمد بن شداد بن قرطق إمارة عام 951، قبل أن تسقط على يد الجورجيين عام 1174، ثم إمارة بني حسنوية التي أسسها الأمير حسن وند بن حسين برزيكاني عام 959 بين غربي إيران والجزيرة العليا، ثم الإمارة المروانية التي استولى عليها السلاجقة عام 1096.

في مرحلة المماليك والسلطنة العثمانية بعدها، كان للأكراد حضورهم القوي، فكانت قلعة الأكراد/ قلعة الحصن التي بناها الأكراد الذين جلبهم الإدريسيون لحماية خطوط التجارة غرب مدينة حمص في القرن الحادي عشر، لكن وجود الأكراد في المناطق الجبلية في شمال غرب سوريا أقدم من ذلك كثيرا، فبحسب المؤرخين بدأ الأكراد الانتقال من مناطقهم الرئيسة شرق نهر دجلة إلى الغرب السوري في القرن العاشر.

وإلى جانب قلعة الأكراد/ الحصن، أقيمت قلعة القُصير الواقعة على الهضبة التي تحمل الاسم نفسه، في جنوب أنطاكية، لزعيم كردي من هكاري، بعيد دحر الصليبين من المنطقة.

بعودته إلى الوثائق العثمانية، وجد ستيفان وينتر أن كلمة كردستان كانت تشير إلى إيالة ديار بكر والألوية التابعة لها تحت سيطرة عائلات كردية، وكانت تشمل ثلاثة أنواع من الإدارة تعكس مختلف مستويات الاستقلال الذاتي للسكان المحليين، فكان فيها مناطق ذات حكم ذاتي، تعترف بسلطة الباب العالي، لكنها لا تؤدي له لا ضرائب ولا خدمة عسكرية، وكان فيها حوالي عشرين لواء عسكريا تقليديا (لواء أو سنجق) وكان الباب العالي هو من يعين حاكمه، وكانت فيها أيضا إمارات متوارثة (أكراد بكليكي).

حاولت السلطنة العثمانية منذ بدايتها القضاء أو إضعاف الإمارات الكردية، وكانت معركة جالديران بين الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية عام 1514 عنوانا لهذا التوجه، فقد اتفق الطرفان على عدم إقامة كيان كردي مستقل، ثم الاتفاق عام 1555 على تقسيم منطقة كردستان بين الإمبراطوريتين.

ومع استمرار السلطنة في منع الأكراد إقامة إمارات ذات حكم ذاتي، عمد الأكراد إلى الانتفاض ضد الدولة العلية، فكانت انتفاضة بدرخان في إمارة بوطان عام 1847، وانتفاضة يزدان شير عام 1855، وانتفاضة عبيد الله النهري عام 1880.

الأكراد ونشوء الدولة الحديثة

مع انهيار السلطنة العثمانية وحلول الدولة الكمالية في تركيا، ثم قدوم الانتداب الأوروبي إلى البلدان العربية، اختلف الواقع السياسي في المشرق العربي اختلافا جذريا عن السابق، وبطبيعة الحال انعكس ذلك على الأكراد أيضا.

في السنوات الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية، وبسبب التدخلات الأوروبية في السلطنة بحجة حماية الأقليات، أخذت السلطنة تتقرب من الأقليات، بمن فيهم الأكراد، وفي هذا الصدد، قامت السلطنة بتشكيل هيئة وزارية لدراسة القضية الكردية، واتفقت على منح كردستان الاستقلال الذاتي، شرط البقاء في الجامعة العثمانية.

وبحكم موقعه العسكري وقوته في الدولة، قام مصطفى كمال (أتاتورك) بالاتصال بالأكراد للوقوف مع الدولة ضد المؤامرات الخارجية، وكان من نتيجة ذلك أن قاتل الأكراد إلى جانب السلطنة ضد الدول الغربية والأرمن.

بعد هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وافقت إسطنبول على معاهدة سيفر عام 1920، التي قررت في جانبها الكردي منح المناطق الكردية حكما ذاتيا، الأمر الذي رفضه أتاتورك الذي نجح مرة ثانية في إقناع الأكراد القبول بدولة تركية تكون للشعبين التركي والكردي، وهو ما تم التوافق عليه في مؤتمر لوزان عام 1923.

لكن أيديولوجيا أتاتورك القائمة على الدولة-الأمة لا تسمح بنشوء كيان كردي مستقل، فعمد بعد انتهاء التهديد الخارجي وإقامة الدولة الأتاتوركية عام 1923، ليس بالتنصل من وعوده فحسب، بل استخدام العنف الدموي ضد الأكراد، فسحق انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925، ثم انتفاضة جبل آغري بين عامي 1927 و1930.

واستمرت السياسة التركية حيال الأكراد خلال الحكومات المتعاقبة حتى نهاية القرن العشرين، قبل أن يصل حزب "العدالة والتنمية" إلى سدة الحكم، والعمل على إيجاد حلول ممكنة للقضية الكردية.

في العراق، قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها، وأثناء التمرد الكردي الذي قام به عبد السلام بارزاني، حاول الإنكليز الدخول على الخط لدعم الأكراد، لكن بسبب رفض الأكراد التفاوض مع الإنكليز، تواطأ الأخيرون مع العثمانيين بعد الحرب العالمية الأولى للقضاء على التمرد الكردي بقيادة أشخاص من آل بارزاني. بعد ذلك، حمل الملا مصطفى بارزاني لواء الثورة الكردية من السليمانية شمالي العراق، لكنه اضطرر للهرب عام 1943، ليبدأ حركته الثورية الثانية.

وفي إيران وبدعم من الاتحاد السوفييتي أقام الكرد عام 1945 أول جمهورية كردية في منطقة مهاباد في إيران، وخدم الملا البارزاني كرئيس لأركان الجيش في الجمهورية التي لم تدم طويلا، فبعد 11 شهرا من نشوئها تم وأدها من قبل الحكومة الإيرانية وذلك بعد انسحاب القوات السوفييتية من شمالي إيران.

أخذ التحرك الكردي بعدا آخر في ستينيات القرن الماضي، فنظم الأكراد أول تمرد عسكري عام 1961 ضد حكومة بغداد بدعم من تركيا وإيران وإسرائيل بسبب عداوتهم لبغداد، لكن هذه الدول الثلاث تخلت أخيرا عن الأكراد وتركتهم لمصيرهم مع الدولة العراقية بعيد توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1975.

بعد الحرب على العراق عام 1991، بدأ ما يمكن تسميته الربيع الكردي، فقد حصلوا على دعم سياسي وعسكري أمريكي مكنهم من إقامة حكم ذاتي (إقليم كردستان العراق).

في عام 2017، وبسبب الخلاف مع بغداد على عوائد النفط، نظم إقليم كردستان استفتاء للانفصال، حصل على تأييد أكثر من 90 في المئة من أصوات الأكراد، لكن خذلان الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والقوى الإقليمية وتعنت بغداد، أحبط المشروع الانفصالي.

في سوريا كان وضع الأكراد مختلفا عن باقي الدول في المنطقة، خصوصا في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث كان للمناخ السياسي الحر والتجارب الديمقراطية دور رئيس في تهذيب الحركة الكردية وابتعادها عن التمردات العسكرية، فكان التعبير عن الهوية الكردية يتم بلغة سياسية هادئة، وجاء تشكيل جمعية "وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد" عام 1953 تعبيرا عن هذا الاتجاه: من النضال الخارجي إلى النضال الداخلي القائم على إقامة الديمقراطية كطريق يؤدي إلى تحقيق الحقوق القومية الثقافية- الهوياتية، والحقوق السياسية في إطار الدولة السورية.

في ظل مناخ الحريات السياسية هذا، بدأت تتشكل الأحزاب والحركات السياسية الكردية، وكان عام 1957 على موعد مع قيام أول حزب كردي منظم، هو "الحزب الديمقراطي الكردستاني- البارتي" (P.D.K.S) الذي لعب فيه جلال طالباني أولا دورا في تأسيسه بحيث يكون نشاطه مقتصرا على الداخل السوري، وثانيا في كتابة برنامجه: الدفاع عن الهوية القومية لكرد سوريا، والمطالبة بالحقوق الثقافية والإدارية في إطار نظام ديمقراطي.

في عام 1958 حدثت تطورات وجدت فيها السلطات الأمنية السورية أن الحزب بدأ يشكل خطرا، فبدأت باعتقال قياداته، وهذه التطورات هي: وفاة ملك العراق فيصل الثاني الهاشمي وزوال النظام الملكي في العراق، وإعلان الملا مصطفى بارزاني الثورة على النظام العراقي، وعدم تحقيق الحزب أي بلبلة في الداخل التركي، وانضمام أعداد كبيرة من الأكراد في الداخل السوري للحزب.

"البعث" والأكراد

في 23 آب/ أغسطس عام 1962، صدر المرسوم التشريعي رقم 93 عن رئيس الجمهورية آنذاك ناظم القدسي، ونص على إجراء إحصاء سكاني استثنائي في محافظة الحسكة فقط، استنادا إلى قرارات حكومية سابقة. وبموجب هذا الإحصاء، الذي وصف آنذاك بالإحصاء الأسود، تم تجريد حوالي 120 ألف كردي من جنسيتهم في الحسكة، ليصبحوا أجانب بلا حقوق سياسية أو مدنية، ثم تضاعف عددهم لاحقا، ضمن مظلومية تاريخية نفذتها السلطات السورية بحق الأكراد.

استمرت هذه السياسيات مع مجيء استلام حافظ الأسد للسلطة، الذي عمل على تفتيت الوجود الكردي ونزع مكامن القوة فيه، عبر عمليتين: الأولى مخابراتية تتضمن شق صفوف الأحزاب الكردية، لا سيما "الحزب الديمقراطي الكردي"، والثانية عملية تغيير ديمغرافي للمناطق الكردية عبر تطبيق ما سمي آنذاك بـ"الحزام العربي" الذي تضمن نقل عرب إلى مناطق الجزيرة.

مع سيطرة الأسد الأب المُحكمة على مفاصل الدولة والقضاء على الحريات السياسية، أصبحت الأحزاب الكردية مثل غيرها من الأحزاب، مجرد ديكورات، لكن وقوف الأسد إلى جانب "حزب العمال الكردستاني" بزعامة عبد لله أوجلان، وفتح مقر للحزب في سوريا، وجعل الأراضي السورية منطلقا للحزب في حربه ضد تركيا، خفف من حدة الغضب الكردي تجاه النظام السوري، حتى عام 1998، حين اضطر الأسد للتخلي عن أوجلان وطرده من سوريا بفعل التهديدات العسكرية التركية.

كان عام 2004 محطة ملفتة للانتباه حيال الغضب الكردي الذي انفجر في القامشلي أثناء مباراة لكرة القدم، عندما بدأ بعض المشجعين العرب للفريق الضيف (الفتوة) في رفع صور صدام حسين، وهو إجراء أثار غضب الكرد مشجعي الفريق المضيف (الجهاد)، بسبب حملة الأنفال التي شنها صدام ضد كرد العراق.

بدأت المجموعتان في إلقاء الحجارة على بعضهما البعض، ثم أحرق المتظاهرون الكرد المكتب المحلي لحزب "البعث" مما دفع قوات الأمن إلى التدخل، أولا ثم الجيش ثانيا، لتبدأ حملة قمع ضد الأكراد خلفت أكثر من ثلاثين قتيلا كرديا. وبسبب العلاقة القوية بين سوريا وتركيا، رضخ الأسد الابن للمطالب التركية في ملاحقة النشطاء الأكراد، فأمر باعتقال مئات الناشطين الكرد وشدد القبضة الأمنية.

في عام 2010 وقع وزيرا خارجية وسوريا وتركيا على اتفاقية أمنية كتعديل لاتفاقية أضنة، شددت الاتفاقية الجديدة الإجراءات ضد الكرد.

الثورة السورية: فرصة تاريخية

وقف الأكراد كتنظيم سياسي ووحدات عسكرية على الحياد أثناء الثورة السورية عام 2011، ومع انفجار الثورة وتحولها إلى حرب بفعل وحشية النظام، وجد الأكراد فرصة تاريخية لرص صفوفهم وانتظار ما سيأتي به المستقبل. جاءت الفرصة الأولى مع انسحاب قوات نظام الأسد من المناطق ذات الغالبية الكردية، ضمن خطوة هدفت إلى إعادة نشر القوات في جبهات اعتُبرت أكثر أولوية في تلك المرحلة، نظرا لحالة الحياد الكردية.

ومع تأسيس "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) عام 2015 بدعم أمريكي، وهزيمة تنظيم الدولة، نشأت فورة قومية في الوعي الجمعي الكردي، مصحوبة بشعور فائض القوة، فأخذت تُحكم سيطرتها على مناطق نفوذها، ثم العمل على إنشاء مؤسسات حكم، ثم وضع برنامج سياسي لمستقبل الأكراد في "روج أوفا" (منطقة أكراد سوريا).

رفض قادة الأكراد (حزب الاتحاد الديمقراطي، قسد، الإدارة الذاتية) دعم المعارضة المسلحة ودعم النظام في الوقت نفسه، وإن كانوا أميل للنظام كما أظهرت كثير من الأحداث.

ومع دخول حزب "العمال الكردستاني" إلى الساحة السورية، أخذ الدور الكردي ينمو ويتحرك باتجاه تركيا، في تطور عكس رعونة سياسية لدى قادة الحزب الذين لم يدركوا أن الولايات المتحدة ستتخلى عنهم جزئيا. تكرر التخلي الأمريكي عن الأكراد لصالح تركيا في ثلاث عمليات عسكرية نفذتها تركيا في الأراضي السورية بين عامي 2018 و2021.

مع سقوط النظام السوري نهاية عام 2024، ومحاولة الرئيس الجديد أحمد الشرع جمع السلاح السوري ضمن الدولة، رفض الأكراد التخلي عن سلاحهم ما لم يتم تنفيذ شروطهم -التي هي من وجهة نظر كاتب هذه السطور مطالب وطنية محقة- لكنها وفق منطق السلطة تعتبر هذه المطالب تحديا لشرعية السلطة الجديدة.

مرة أخرى لم يتعلم الأكراد عِبر التاريخ ودروسه، فلم يدركوا، رغم تجاربهم التاريخية القاسية، أن الدول الكبرى تتعامل في نهاية المطاف مع الدول، وليس مع المليشيات والقوات غير النظامية مهما كانت أهميتها

عوّل الأكراد على حليفهم الأمريكي الذي لن يسمح -وفق قناعتهم- لدمشق بالقضاء على الوجود العسكري الكردي، غير أن حسابات الأكراد سقطت على صخرة دمشق، وكانت النتيجة سحب الولايات المتحدة دعمها لهم لصالح سوريا الجديدة ممثلة بالشرع.

المستقبل وعبر التاريخ

مرة أخرى لم يتعلم الأكراد عِبر التاريخ ودروسه، فلم يدركوا، رغم تجاربهم التاريخية القاسية، أن الدول الكبرى تتعامل في نهاية المطاف مع الدول، وليس مع المليشيات والقوات غير النظامية مهما كانت أهميتها.

لماذا لم يتعلم الأكراد من تجارهم التاريخية؟ قد يبدو السؤال سهلا، لكن الإجابة عليه صعبة للغاية، فمنطق القوة يفرض نفسه، ويُعمي أصحابه عن رؤية المعادلات الاستراتيجية وموازين القوة، ومتغيرات التاريخ.

وعلى الرغم من الخذلان الذي يعيشه أكراد سوريا اليوم، إلا أن المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، ثم الاتفاق الأخير بين دمشق و"قسد" لا يمكن الاستهانة به، من حيث أنه يشكل مقدمة مهمة للأكراد في سوريا لترك العمل المسلح والانخراط في العمل السياسي، فقد نص المرسوم على عد المواطنين السوريين الكرد جزءا أساسيا وأصيلا من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة، وتضمن الدولة حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية، وتُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان.

من شأن هذه التطورات أن تُفسح المجال أمام أكراد سوريا للانخراط في مشروع سياسي، عبر تشكيل قوة سياسية فوق إثنية وطائفية، تتحالف مع قوى أخرى، من شأنها أن تشكل كتلة سياسية قادرة على التأثير.

إن الخبرة الكردية التاريخية في العمل الحزبي ذات أهمية كبيرة يمكن أن تستفيد منها القوى السياسية الأخرى التي يُنتظر أن تتشكل في سوريا، بحيث تنشأ قوى سياسية معارضة تمارس ضغطا سياسيا وقانونيا على السلطة الحالية من أجل إعادة بناء النظام السياسي لسوريا.
التعليقات (0)