سادسا:
في سوريا.. فشل قسد وانقلاب الموازين
دعم
الإمارات لـ"قسد" لم يكن دفاعا عن الأكراد، ولا حرصا على الأقليات، بل
كان أداة لضرب وحدة الجغرافيا السورية وأي مسار وطني جامع، واستخدام "قسد"
ورقة ضد تركيا، وضد الحكومة السورية الجديدة؛ فقد سعت الإمارات لتثبيت كيان مسلح
خارج الدولة، بغية شرعنة التقسيم الناعم، لمنع نشوء كيان وطني سوري جامع.
وبعد
أن فشلت الإمارات في مساعيها بعد هزيمة قسد وقبولها بالأمر الواقع، فهي الآن تقف
موقفا باردا غير واضح، وهي لا تحس بالرضى تجاه الوضع الجديد في سوريا، لكنها لا
تظهر عداوة مباشرة، لا سيما منذ لقاء ترامب بالشرع في السعودية؛ لكنها لن تفوت أي
فرصة لضرب النظام الجديد، لو أتيح لها ذلك؛ فالإمارات تعمل تحت إمرة الكيان
الصهيوني وقوى ظلامية أخرى، وصمتها الحالي يأتي بدافع براغماتي، لا بسلوك أخلاقي.
بعد أن فشلت الإمارات في مساعيها بعد هزيمة قسد وقبولها بالأمر الواقع، فهي الآن تقف موقفا باردا غير واضح، وهي لا تحس بالرضى تجاه الوضع الجديد في سوريا، لكنها لا تظهر عداوة مباشرة
لا
يُستبعد أن تكون الإهانات السياسية والانتقادات المتراكمة لأدوار الإمارات في
السودان وليبيا والصومال واليمن وغيرها، قد فرضت عليها تغييرا في أسلوب تعاطيها مع
الملف السوري بعد الفشل الذي منيت به، والسمعة السيئة التي لحقت لها.
إلى
جانب العوامل الإقليمية، لعبت الجبهة الداخلية السورية المتماسكة، وحكمة الرئيس
الشرع، وشخصيته الصلبة، دورا بارزا في تشكيل نهج الإمارات تجاه سوريا، إذ أرغمت
تلك المعطيات القوى الخارجية على التعامل مع النظام بواقعية أكثر من أي وقت مضى،
وجعل كل محاولة لتجاوز الواقع السياسي السوري أمرا صعبا.
لم
يكن التحول الإماراتي مجرد رد فعل للضغوط الخارجية، بل فرضته أيضا المعطيات التي
ذكرناها، والتي جعلت كل محاولة لتجاوز الواقع السياسي السوري أمرا صعبا، واضطرّت
القوى الإقليمية إلى التعامل مع النظام بجدية لا تقبل المراوغة.
ربما
أرادت الإمارات بموقفها البارد تجاه سوريا أن تكسر هيمنة إيران على سوريا، وتفرض
واقعا إقليميا جديدا يجعل النظام لاعبا فاعلا مستقلا، لا مجرد تابع تحت النفوذ
الخارجي، وهو نفسه السبب الذي جعل الإمارات تراجع حساباتها مع سوريا بشار الأسد،
لتعمل على إعادتها إلى الحضن العربي في محاولة لإبعادها عن النفوذ الإيراني.
وباختصار،
الإمارات لا يروقها النظام السوري الحالي، لكنها تستثمر في بقائه باعتباره أهون
الشرور، وأداة توازن، وخيارا أقل كلفة من استمرار الصراع المفتوح، وكونه أمرا واقعا،
لا تستطيع الاقتراب منه؛ فموقفها من سوريا ليس تحولا أخلاقيا، بل ثباتا وظيفيا،
وحسابات وقت..!
هل ستغير الإمارات سياساتها تجاه الإقليم تغييرا استراتيجيا؟ أم ستظل لاعبا خفيفا ينقصه الرزان والحكمة والوعي؟ والحقيقة أن تحالفها مع الكيان المحتل، يدفعنا لسوء الظن
وبناء
على ما تقدم، فالإمارات لا تتدخل لتبني دولا، أو تسهم في استقرارها، بل لتمنع قيام
دول قرارها مستقل، وهي لا تتدخل إلا إذا وجدت هشاشة وثغرة تدخل منها، لذلك، فإنها
تخلت عن دعم "قسد"؛ لانسداد الثغرات، ولأنها أيضا لا ترغب في مزيد من
التنافس والكراهية مع السعودية التي تؤيد النظام الجديد في سوريا..
وجدير
بالذكر أن الإمارات وقفت في البداية إلى جانب ثورة الشعب السوري، ففي 25 أيلول/
سبتمبر 2013، قال وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد: "إن الإمارات
ستواصل دعم السوريين وتطلعاتهم المشروعة لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد"،
وتنبأ حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد بأن الرئيس السوري سيفقد السلطة في نهاية
المطاف. وتعاملت الإمارات مع الأمور كأنها منتهية لصالح الثورة، وذلك قبل أن تتدخل
إيران وروسيا وحزب الله بكل قواتها لصالح النظام البائد.
لكن
الإمارات ظلت في علاقتها مع طرفي الصراع متأرجحة وغير مفهومة، وظلت القنوات
الدبلوماسية بينها وبين النظام السوري مفتوحة ومفضوحة حتى اللحظة الأخيرة من سقوطه.
ودعمت التدخل الروسي والإيراني في سوريا، كما شاركت في تدريب قوات سوريا
الديمقراطية إلى جانب الأمريكان.
إذا
فالإمارات تلعب لعبتها غير النظيفة في الإقليم، ولا ندري ما الذي يحمله القادم.
فهل ستغير الإمارات سياساتها تجاه الإقليم تغييرا استراتيجيا؟ أم ستظل لاعبا خفيفا
ينقصه الرزان والحكمة والوعي؟ والحقيقة أن تحالفها مع الكيان المحتل، يدفعنا لسوء الظن فيها، وعدم
الاطمئنان لتصرفاتها؛ فالعقرب لا يمكن أن تتخلى عن زُبانها، والذئب لا يتخلى عن
غدره..!
أعتقد
أن الإمارات في 2026 ستهدئ اللعب، وستحاول تحسين علاقاتها بالإقليم، إلا أنها لن
تتخلى عن غدرها بأمتها العربية والإسلامية؛ لأن دورها الوظيفي لن يتغير إلا بتغير
النظام القائم..
وللحديث
بقية..