قضايا وآراء

هل سقط القناع عن الإمارات؟ وهل اقترب الحساب؟

فرج المجبري
"تتحول الأدوار السرية إلى ملفات موثقة"- جيتي
"تتحول الأدوار السرية إلى ملفات موثقة"- جيتي
شارك الخبر
لم يعد الحديث عن الدور الإماراتي في المنطقة مجرد اختلاف في وجهات نظر أو تباين في التقدير السياسي، بل بات توصيفا لواقع مكشوف، تتقاطع فيه الوقائع الميدانية مع التصريحات الرسمية والتقارير الدولية، لتكشف نمطا تخريبيا ممنهجا يمتد من اليمن إلى ليبيا، ومن القرن الأفريقي إلى المشرق العربي.

البيان الصادر عن التحالف العربي بشأن الطائرة التي أقلّت عيدروس الزبيدي، والتي أكد أنها تُستخدم باستمرار في مناطق الصراع في ليبيا وإثيوبيا والصومال، ليس تفصيلا عابرا ولا زلة لغوية؛ هذه أول مرة يخرج فيها هذا النوع من الاعتراف من جهة يفترض أنها شريكة، لا خصما. الاعتراف هنا ليس اتهاما سياسيا، بل إقرار لوجستي يكشف شبكة حركة، ومسار تدخل، ونمط تشغيل عابر للحدود.

التقارير الأممية، والتحقيقات الصحفية الدولية، وشهادات مسؤولين عسكريين، وحتى تصريحات الحلفاء، كلها ترسم الصورة نفسها: الإمارات لاعب تخريبي مركزي في أزمات المنطقة

ما الذي يعنيه أن طائرة واحدة تظهر في مسارح صراع مختلفة؟ يعني ببساطة أن هناك غرفة عمليات واحدة، وعقيدة تدخل واحدة، وأداة واحدة لإدارة الفوضى.

في اليمن، لم يكن المشروع دعم "الشرعية"، بل تفكيك الدولة من الداخل عبر وكلاء محليين، وتمزيق الجغرافيا، والسيطرة على الموانئ، وتحويل الجنوب إلى كيان وظيفي تابع. وفي ليبيا، لم يكن الهدف الاستقرار، بل إدامة الحرب عبر دعم طرف عسكري خارج أي مسار سياسي، وإفشال كل محاولات بناء سلطة مركزية. وفي السودان، ظهر الدور نفسه: تغذية الصراع، تسليح المليشيات، وتحويل بلد كامل إلى ساحة نزف مفتوحة. أما في الصومال وإثيوبيا، فالمعادلة أوضح: العبث بالتوازنات الهشة في القرن الأفريقي خدمة لمصالح بحرية وأمنية لا علاقة لها باستقرار الدول أو شعوبها.

هذا ليس نفوذا إقليميا مشروعا، بل مشروع فوضى مدروسة.. ليس سياسة خارجية، بل إدارة صراعات.. وليس حماية للأمن، بل تصنيع لانعدام الأمن.

لسنوات، احتمت الإمارات خلف خطاب "الاستقرار" و"مكافحة الإرهاب" و"الاستثمار"، بينما كانت على الأرض تمارس عكس ذلك تماما: تمكين مليشيات، وإضعاف الجيوش الوطنية، وتقويض المسارات السياسية، وإطالة أمد النزاعات حتى تتحول إلى واقع دائم.

اليوم، لم يعد هذا الدور مخفيا؛ التقارير الأممية، والتحقيقات الصحفية الدولية، وشهادات مسؤولين عسكريين، وحتى تصريحات الحلفاء، كلها ترسم الصورة نفسها: الإمارات لاعب تخريبي مركزي في أزمات المنطقة.

السؤال لم يعد: هل للإمارات دور؟ السؤال هو: إلى متى سيُسمح لهذا الدور بالاستمرار دون مساءلة؟

هل سقط القناع؟ نعم، سقط بالكامل، ولم يعد الخطاب اللامع قادرا على تغطية هذا الكم من الخراب. وهل اقترب الحساب؟ الحساب في السياسة الدولية لا يأتي فجأة، لكنه حين يبدأ لا يتوقف

التحولات الإقليمية والدولية تشير إلى أن هامش المناورة يضيق؛ السعودية تعيد تموضعها بعيدا عن مغامرات الوكلاء، وتركيا تتحرك بمنطق الدولة لا المليشيا، ومصر تدرك أن العبث بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي تهديد مباشر لأمنها القومي. وحتى القوى الدولية باتت أقل استعدادا لغض الطرف عن نماذج "الفوضى المفيدة".

هنا تحديدا يبدأ الخطر الحقيقي على أبو ظبي: حين تتحول الأدوار السرية إلى ملفات موثقة، وحين يصبح التدخل نمطا مثبتا لا حادثة منفردة، وحين تتراكم الأدلة بدل الاكتفاء بالاتهامات.

هل سقط القناع؟ نعم، سقط بالكامل، ولم يعد الخطاب اللامع قادرا على تغطية هذا الكم من الخراب. وهل اقترب الحساب؟ الحساب في السياسة الدولية لا يأتي فجأة، لكنه حين يبدأ لا يتوقف. يبدأ بالعزلة، يمر بتآكل النفوذ، وينتهي -في بعض الحالات- أمام قاعات المحاكم.

أما السؤال الذي كان حتى وقت قريب يُعد من المحرمات، هل يمكن أن نرى قادة الإمارات في قفص محكمة الجنايات الدولية؟ اليوم لم يعد هذا السؤال ضربا من الخيال، بل احتمالا مؤجلا، يتغذى على كل وثيقة، وكل شحنة سلاح، وكل طائرة عابرة للصراعات، وكل حرب أُشعلت ثم تُركت لتلتهم شعوبها.

والتاريخ علمنا حقيقة واحدة لا تتغير: من يبني نفوذه على أنقاض الدول.. ينهار نفوذه يوم تُفتح الملفات.
التعليقات (0)

خبر عاجل