الإمارات تعلن الانسحاب واليمن يكشف ما تصدّع في قلب التحالف.. قراءة فيما قيل وما لم يُقَل

محمد الصاوي
"الساحة اليمنية لم تعد مجرد حرب أهلية أو تحالف ضد الحوثيين، بل حلبة صراع أوسع بين مشروعين استراتيجيين في الخليج"
"الساحة اليمنية لم تعد مجرد حرب أهلية أو تحالف ضد الحوثيين، بل حلبة صراع أوسع بين مشروعين استراتيجيين في الخليج"
شارك الخبر
مقدمة: إعلان يبدو بسيطا.. وتحول أخطر مما يُعلن

حين أعلنت الإمارات العربية المتحدة، أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2025، إنهاء وجودها العسكري في اليمن وسحب ما سمّته "فرق مكافحة الإرهاب"، بدا البيان للوهلة الأولى خطوة تقنية تندرج ضمن إعادة تقييم الانتشار العسكري الخارجي. غير أن قراءة أعمق للسياق الإقليمي، ولتوقيت الإعلان تحديدا، تكشف أن ما جرى لا يمكن فصله عن تحوّل استراتيجي في أدوات النفوذ الإماراتي، ولا عن تصدّع متزايد داخل التحالف السعودي-الإماراتي نفسه.

فالإعلان جاء بعد أيام فقط من ضربات جوية سعودية استهدفت شحنات يُعتقد أنها مرتبطة بقوات مدعومة إماراتيا في جنوب اليمن، في سابقة لم يشهدها التحالف منذ انطلاق الحرب عام 2015.

الأسئلة الجوهرية التي يطرحها هذا الإعلان هي: هل غادرت الإمارات مشهد اليمن فعلا؟ أم أنها تعيد تشكيل أدوات نفوذها بذكاء إستراتيجي بعيدا عن الظهور العسكري؟

1. التحوّل الإستراتيجي في أدوات النفوذ
الانسحاب الإماراتي من الوجود العسكري المباشر لا يعني اختفاء الدور الإماراتي؛ بل يتحوّل دورها إلى دعم بنية نفوذ محلية، سياسية واقتصادية، أكثر ديمومة وأقل تكلفة من الولاءات العسكرية التقليدية

البيان الإماراتي صيغ بعبارات تقنية، لكنه لا يمكن فهمه بمعزل عن الأدوار المتعددة التي لعبتها أبو ظبي في السنوات الماضية. فقد دعمت الإمارات منذ التدخل الأولي في 2015 فصائل محلية، أعمقها المجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، الذي أصبح لاعبا حاسما في جنوب اليمن.

المجلس الانتقالي ليس مجرد فصيل محلي، بل أداة نفوذ غير مباشرة للإمارات في الساحة اليمنية. هذا الفصيل يمتلك:

- قوات مسلّحة كبيرة (Security Belt Forces, Elite Forces) تم تدريبها وتمويلها إماراتيا.

- برنامجا سياسيا يقود إلى الحكم الذاتي أو الانفصال الجنوبي عن اليمن الموحد.

الانسحاب الإماراتي من الوجود العسكري المباشر لا يعني اختفاء الدور الإماراتي؛ بل يتحوّل دورها إلى دعم بنية نفوذ محلية، سياسية واقتصادية، أكثر ديمومة وأقل تكلفة من الولاءات العسكرية التقليدية.

2. انعكاس الخلاف السعودي-الإماراتي على التحالف وتماسكه

الانسحاب الإماراتي لم يحدث في فراغ، فقد شهد الملف اليمني تصعيدا غير مسبوق داخل التحالف العربي نفسه:

- أدّت الضربة الجوية السعودية على شحنات يُعتقد أنها مرتبطة بالإمارات إلى أعلى مستوى تصعيد بين الرياض وأبو ظبي في اليمن حتى الآن.

- هذا التصعيد دفع الرئيس اليمني المعترف به دوليا لإلغاء اتفاقات الدفاع المشترك مع الإمارات وطلب خروج قواتها.

ما لم يُقل صراحة في البيانات الرسمية هو أن الخلاف بين الرياض وأبو ظبي في اليمن لم يعد تناقلا تكتيكيا، بل تصادما بين مشروعين استراتيجيين مختلفين:

- مشروع سعودي يقوم على وحدة اليمن واستعادة سيادة الدولة المركزية.

- مشروع إماراتي يتجه نحو النفوذ المشروط بسيطرة جنوبية قوية على مفاصل جغرافية حيوية.

3. أهمية الجنوب اليمني في معادلة القوة الإقليمية

جنوب اليمن لم يُعد مجرد مسرح للحرب؛ بل أصبح عنصرا محوريا في حسابات القوى الإقليمية:

- آخر التقارير التحليلية المتاحة ربطت توسع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة بسيطرة شبه كاملة على الجنوب اليمني، بما في ذلك موارد النفط وطرق التصدير الحيوية.

- مثل هذه السيطرة تمنح المجلس -وبتعبير ما لوكلائه مثل الإمارات- دورا إقليميا في مضيق باب المندب وممرات الملاحة الدولية.

أهمية الجنوب اليوم ليست محلية فحسب، بل جغرافية استراتيجية تربط أمن الخليج، حركة التجارة العالمية، والتحولات الكبرى في البحر الأحمر وخليج عدن.

4. تداعيات أوسع على التنافس الاستراتيجي في الخليج

الأحداث ليست محصورة في المشهد اليمني الداخلي؛ فهي تعكس تصادم مصالح بين السعودية والإمارات على مسارات متعددة:

- الخلاف حول الملف اليمني امتد إلى مسارات أخرى مثل السياسة النفطية وقرارات أوبك. وما تُسميه السعودية "الأمن القومي" أصبح أداة للضغط على الإمارات في اليمن.

إعلان الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن ليس خروجا حقيقيا، بل تحوّل استراتيجي في أدوات النفوذ، من القوة العسكرية المباشرة إلى النفوذ الهيكلي عبر فاعلين محليين وشبكات سياسية واقتصادية

بعبارة أخرى، فإن الساحة اليمنية لم تعد مجرد حرب أهلية أو تحالف ضد الحوثيين، بل حلبة صراع أوسع بين مشروعين استراتيجيين في الخليج يعكسان تغيرات في ميزان القوى بعد سنوات من التحالف الوثيق.

خاتمة: قراءة مستقبلية

إن إعلان الإمارات إنهاء وجودها العسكري في اليمن ليس خروجا حقيقيا، بل تحوّل استراتيجي في أدوات النفوذ، من القوة العسكرية المباشرة إلى النفوذ الهيكلي عبر فاعلين محليين وشبكات سياسية واقتصادية.

تداعيات هذا التحوّل ستظل تتكشف في:

- الخريطة المتغيرة للنفوذ في جنوب اليمن.

- تصاعد التنافس السعودي-الإماراتي في الملفات الإقليمية الكبرى.

- دور تحالفات مسارات القوى دون اعتماد كامل على القوة الصلبة التقليدية.

مع اقتراب العام 2026، سيصبح سؤال عما إذا كانت أبو ظبي قد أسست بديلا طويل المدى أكثر تأثيرا في اليمن والمنطقة؛ سؤالا محوريا في فهم استراتيجيات القوة في الشرق الأوسط.
___________
مراجع المقال:

‏Saudi airstrike highlights Saudi-UAE tensions in Yemen — Reuters

‏Saudi-led strikes and UAE defence withdrawal — Al Jazeera

‏ Yemen asks UAE to leave over STC support — ABC News

‏ Saudi national security warning and UAE exit call — The Business Standard

‏ Analysis: Southern Yemen’s power shift and STC expansion — RUSI

‏ Actor profile: Southern Transitional Council — ACLED
التعليقات (0)