عندما يعيد الردع نفسه: مضيق هرمز واختبار الهيمنة الأمريكية

محمد الصاوي
"يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 20 في المئة من النفط الخام العالمي يوميا"- جيتي
"يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 20 في المئة من النفط الخام العالمي يوميا"- جيتي
شارك الخبر
لا تبدأ التحولات الكبرى في النظام الدولي بإطلاق النار، بل بلحظة يدرك فيها الفاعل الأقوى أن قواعد الردع التي صاغها لم تعد تعمل وحدها. ففي لحظة حاسمة من التاريخ الجيوسياسي الحديث، لم يعد الحديث عن تصعيد محتمل بين الولايات المتحدة وإيران مجرد فرضية تحليلية بعيدة، بل واقع معزز بإشاراتٍ استراتيجية ملموسة على الأرض.

من أهم هذه الإشارات ما يتشكّل الآن في المياه الحيوية التي تربط الخليج العربي بالعالم، حيث أعلنت الأخيرة عن مناورات عسكرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين في بحر عُمان والمحيط الهندي قرب مضيق هرمز، وهو ممر بحري استراتيجي لا يقل أهمية عن قناة السويس أو باب المندب لنقل الطاقة العالمية.

هذا الحدث، في نقائه العسكري والرمزي، لا يمكن اختزاله كـ"تدريب روتيني"، بل هو إعادة تعريف لكيفية تفاعل القوى الصاعدة مع مشاريع الهيمنة التقليدية، ويطرح سؤالا استراتيجيا جوهريا: هل ما نشهده الآن هو مجرد رقصة أعصاب بين واشنطن وطهران، أم أننا أمام نظام عالمي جديد حيث الردع لم يعد محصورا في مرآة القوة الأمريكية وحدها؟

مضيق هرمز وبحر عُمان: لماذا هنا بالذات؟
هل ما نشهده الآن هو مجرد رقصة أعصاب بين واشنطن وطهران، أم أننا أمام نظام عالمي جديد حيث الردع لم يعد محصورا في مرآة القوة الأمريكية وحدها؟

يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 20 في المئة من النفط الخام العالمي يوميا، وفق وكالة أسوشييتد برس الأمريكية، مما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

وفي بحر عُمان المتصل به، ستُجرى مناورات عسكرية تشمل إطلاق نار حقيقي وإغلاق الأجواء فوق منطقة العمليات، وهي خطوة لم تشهدها المنطقة منذ عقود، وتعكس إرادة ليست في "الردع التقليدي" فحسب، بل في فرض قواعد جديدة للردع البحري في مواجهة القوة الأمريكية.

هذا التواجد المتزامن لأساطيل من ثلاث قوى دولية -إيران وروسيا والصين- في نطاق حيوي وحساس كهذا، لا يمكن فصله عن الضغوط الأمريكية المتزايدة على طهران، ورد واشنطن بتحذيرات مباشرة للحرس الثوري الإيراني لتجنّب أي سلوكيات "تهدّد حرية الملاحة البحرية الدولية".

من الردع الأحادي إلى الردع متعدد اللاعبين

على مدى عقود، بنَت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط رؤيتها الاستراتيجية حول مزيج من القوة العسكرية، العقوبات الاقتصادية، والتحالفات الإقليمية لمنع نشوب حروب واسعة. لكن المعادلة الراهنة تظهر تحولا جذريا في موازين الردع:

1. تحوّل الردع البحري من أحادي إلى متعدد الأطراف: مشاركة روسيا والصين -وهما من القوى النووية والدائمة العضوية في مجلس الأمن- في مناورات قرب مضيق هرمز يشكّل عمليا تحديا موازين القوة التقليدية.

2. إيران ليست "دولة معزولة": رغم العقوبات وضغوط سياسات "الضغط الأقصى"، تظهر إيران اليوم في موقع شريك نشط ضمن محيط ردعي أوسع، يعبر حدودها الوطنية ويتجاوز مصالحها الإقليمية إلى شبكة من التحالفات الاستراتيجية.

3. رد واشنطن يعكس تراجع المبادرة: التحذيرات العسكرية الأمريكية التي سبقت المناورات تظهر أن واشنطن لم تعد تتحكم بشكل كامل في إيقاع التوترات في المسرح الإقليمي، بل تستجيب -في أحسن الأحوال- لمبادرات خارجية متزامنة.

هذا التحوّل لا يتعلق فقط بالقدرات العسكرية، بل بتفكيك فرضية الهيمنة المطلقة على قواعد الاشتباك في منطقة كانت منذ نهاية الحرب الباردة حصنا منيعا للنفوذ الأمريكي.

الاستقطاب الحاد: عند مفترق طرق عالمي جديد

إذا ما تجاوزنا التفاصيل الإقليمية، فإن ما يحدث في مضيق هرمز هو جزء من صراع أوسع بين قوى عالمية كبرى.

تقرير من المجلس الأطلسي يؤكد أن العلاقات التكتيكية بين روسيا والصين تمثل "أكبر تهديد للمصالح الأمريكية منذ الحرب الباردة". التنافس بين واشنطن وبكين امتد إلى نقاط حيوية متداخلة في آسيا والشرق الأوسط، ولا يقتصر على مصالح اقتصادية أو تجارية فحسب، بل يشمل إعادة رسم شراكات وتحالفات استراتيجية جديدة.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة التحركات قرب مضيق هرمز بمعزل عن تطورات أوسع في المحيط الهندي والمحيط الهادئ، حيث تشارك الصين وروسيا في مناورات بحرية مشتركة ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية المتنامية بينهما.

تحت الظل النووي: عندما يصبح منع الانزلاق أهم من الانتصار

ما يمنح مناورات إيران- روسيا- الصين وزنها الحقيقي ليس عدد القطع البحرية ولا طبيعة الذخائر المستخدمة، بل الظل النووي الذي يُخيّم فوق مسرح العمليات دون أن يُعلَن. فروسيا والصين ليستا قوتين تقليديتين فحسب، بل دولتان نوويتان تمتلكان عقائد ردع راسخة، بينما تقف إيران عند عتبة نووية حسّاسة (Nuclear Threshold State)، قادرة على الاقتراب من القدرة النووية دون عبورها رسميا. هذا الترتيب غير المتكافئ يخلق بيئة ردع معقّدة، لا تقوم على التهديد المباشر، بل على ما يمكن أن يحدث إذا انهارت الخطوط الحمراء.

في منطقة مثل الخليج، حيث تتجاور القواعد الأمريكية، والممرات النفطية، والمدن الساحلية المكتظة، يصبح الخطأ الحسابي أخطر من أي قرار هجومي متعمّد. هنا لا يعمل الردع بمنطق "التصعيد مقابل التصعيد"، بل بمنطق منع الانزلاق، لأن أي احتكاك غير محسوب تحت هذا الظل النووي قد يفتح مسارا لا تملك أي من الأطراف القدرة على إغلاقه. أخطر ما في الظل النووي ليس استخدامه، بل أنه يُقيّد الجميع دون أن يُنقذ أحدا إذا فُقدت السيطرة.

في بيئات الردع المركّب، لا تُقاس القوة بقدرة الفاعل على استخدام السلاح، بل بقدرته على إدارة المخاطرة ومنع الانزلاق غير المقصود، حيث يصبح الاحتمال ذاته أداة ردع أقوى من الفعل العسكري المباشر.

المشهد العربي: بين الخوف من الحرب والتوجس من الفراغ الاستراتيجي

بينما تراقب واشنطن وطهران وحلفاؤهما الردع العربي من زاوية المصالح الجيوسياسية، يعيش العالم العربي مرحلة قلق استراتيجي عميق.

الرعب هنا ليس نزعة شعبوية، بل تقدير عقلاني للخطر البنيوي:

- أي تصعيد في مضيق هرمز قد يقيّد صادرات الطاقة من السعودية والإمارات والعراق والكويت، مما يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية نتيجة توقف حوالي 18-19 مليون برميل يوميا من النفط التي تمر عبر المضيق.

- الأنظمة العربية، التي تعتمد في استقرارها على الحماية الأمريكية الكبرى، تجد نفسها على مفترق طرق لا تملك فيه ضمانات لردع شامل أو بدائل استراتيجية فاعلة.

- الخوف الشعبي يزداد كلما تحوّل الجغرافيا البحرية في منطقتهم إلى ساحة حرب محتملة، ما قد يُضعف الشرعية الداخلية ويزيد من عدم الاستقرار.

هنا يتقاطع "الرعب العربي" مع فشل الفرضيات الكبرى في السياسة الدولية: فبدل أن تكون المنطقة عنصرا في استقرار النظام الدولي، أصبحت موقعا للتنافس الصارخ بين قوى عظمى. الخطر لم يعد في أن تهاجم الولايات المتحدة إيران، بل في أن تكتشف -متأخرة- أن العالم لم يعد يسمح لها بأن تخوض حروبها وحدها.

والأخطر من ذلك أن العالم العربي يدخل هذا المشهد دون وكالة قرار استراتيجية مستقلة (Strategic Agency)، مكتفيا بدور المتأثر بمسارات الردع لا المشارك في صياغتها، في بيئة دولية لا ترحم الفراغات.

خاتمة استراتيجية: هل فقدت واشنطن قدرة ضبط التصعيد؟

العالم الذي يبحر فيه اليوم حاملات الطائرات الأمريكية بالقرب من مضيق هرمز، وسط مناورات بحرية مشتركة بين إيران وروسيا والصين، ليس عالم ما قبل 1991 أو ما قبل 2003. ما يحدث اليوم هو تكريس لمرحلة الاستقطاب الحاد التي تحدد فيها القوى الكبرى قواعد جديدة للردع، وتوزع فيها الأدوار بين هيمنة تقليدية وصعود متعدد الأقطاب.

حين يتقدّم الردع المتعدد، ويتراجع احتكار القرار، تصبح القوة أقل ضمانا، ويغدو الخطأ الاستراتيجي أكثر حضورا من أي نصر محتمل

إذا ما اعتبرنا أن الردع الاستراتيجي كان دائما آلية لمنع الحرب عبر إبقاء التصعيد في حدود مقبولة، فإن ما يحدث الآن يعكس تفكك هذه الآلية أمام ديناميات عالمية تتحدى الإطار الأمريكي الأحادي:

* روسيا تُظهر قدرتها على العمل من خارج هيمنة واشنطن.

* الصين تُعيد تفسير مشاركتها العسكرية كعنصر استقرار استراتيجي.

* إيران تُحوّل موقعها من دولة مضغوطة إلى لاعب محوري ضمن محور متعدد الأقطاب.

في هذا المشهد المركّب، لم تعد الأزمة بين واشنطن وطهران تُدار ضمن منطق السيطرة الأحادية أو الردع الكلاسيكي، بل داخل فضاء دولي تتداخل فيه قوى نووية، وحسابات عتبة نووية، ومخاوف إقليمية لا تحتمل أي هامش خطأ. إن السؤال لم يعد عمّا إذا كانت الولايات المتحدة قادرة عسكريا على التصعيد، بل عمّا إذا كان النظام الدولي الراهن يسمح بذلك دون كلفة استراتيجية تتجاوز قدرتها على الاحتواء. فحين يتقدّم الردع المتعدد، ويتراجع احتكار القرار، تصبح القوة أقل ضمانا، ويغدو الخطأ الاستراتيجي أكثر حضورا من أي نصر محتمل.

الخطر لم يعد في أن تهاجم الولايات المتحدة إيران، بل في أن تُدرك متأخرة أن الردع لم يعد بيدها وحدها، وأن العالم بات يعاقب الخطأ الاستراتيجي أسرع مما يكافئ القوة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)