دافوس والنظام العالمي المرتبك: حين تتكلم النخب بلغة القلق

محمد الصاوي
"أصبح القانون والديمقراطية أدوات تُستخدم انتقائيا، وهو ما يفقد النظام قدرته على تقديم نفسه كمرجعية مستقرة وموحدة"- البيت الأبيض
"أصبح القانون والديمقراطية أدوات تُستخدم انتقائيا، وهو ما يفقد النظام قدرته على تقديم نفسه كمرجعية مستقرة وموحدة"- البيت الأبيض
شارك الخبر
منذ تأسيس منتدى دافوس في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد ملتقى اقتصادي للنخب العالمية، بل مساحة تعكس المزاج العميق للنظام الدولي ذاته.

ففي محطات مفصلية، من نهاية الحرب الباردة إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، كان دافوس مرآة لثقة الغرب بقدرته على قيادة العالم حينا، وقلقه من اهتزاز تلك القيادة حينا آخر. غير أن دافوس اليوم يبدو أقل يقينا من أي وقت مضى، وأقرب إلى منصة اعتراف بأن النظام الذي صاغته النخب الغربية لعقود يواجه لحظة اختبار بنيوية غير مسبوقة.

أردوغان وإعادة تموضع القوى المتوسطة

في هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي انتقد فيها النظام الدولي القائم، معتبرا أن القوى التي روّجت له باعتباره نموذجا للعدالة والاستقرار، باتت اليوم أول من يكتشف اختلالاته بعد فوات الأوان. ولم يكن غياب أردوغان عن دافوس هذا العام حدثا معزولا عن سياقه التاريخي؛ فالرئيس التركي كان قد انسحب من المنتدى عام 2009 عقب مشادة شهيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، وتعهد حينها بعدم العودة. وبين لحظة الانسحاب الرمزي آنذاك، والغياب البارد اليوم، تتبدّى مسافة سياسية تعكس تحوّلا أعمق في علاقة أنقرة بالنظام الذي يمثله دافوس.

كان هذا الوضع جزءا من استراتيجية غير معلنة تقضي بأن يُحتوى الاضطراب في الأطراف، على أمل بقاء المركز آمنا ومستقرا. لكن هذا الافتراض نفسه شكّل نقطة ضعف بنيوية، لأنها تفترض أن الأزمات يمكن أن تبقى حبيسة جغرافيتها دون أن تمتد إلى قلب النظام

وهْم "الجغرافيا المريحة"

على امتداد عقود، استفاد الغرب من ما يمكن تسميته بـ"الجغرافيا المريحة": القدرة على إبقاء الحروب والفوضى خارج حدوده المباشرة، بينما تتركز النزاعات في مناطق أخرى. فهذا العالم يشهد أكثر من 50 نزاعا مسلحا في أفريقيا تمثل نحو 40 في المئة من النزاعات المسجّلة عالميا، مما يؤشر إلى كثافة الصراعات خارج الفضاء الغربي.

كان هذا الوضع جزءا من استراتيجية غير معلنة تقضي بأن يُحتوى الاضطراب في الأطراف، على أمل بقاء المركز آمنا ومستقرا. لكن هذا الافتراض نفسه شكّل نقطة ضعف بنيوية، لأنها تفترض أن الأزمات يمكن أن تبقى حبيسة جغرافيتها دون أن تمتد إلى قلب النظام.

لحظة الارتداد العكسي

ما يميّز المرحلة الراهنة هو انتقال هذا الاضطراب إلى قلب النظام، فالحرب في أوكرانيا لم تعد نزاعا إقليميا فحسب، بل لحظة كسرت وهم تحييد الجغرافيا الأوروبية عن منطق الحرب. ويترافق معها أزمات اقتصادية حادة، إذ بلغ معدّل التضخم في الاتحاد الأوروبي نحو 9.2 في المئة في عام 2022، وهو من أعلى المعدلات المسجّلة في تاريخ الاتحاد، مما أثّر في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

وفي الوقت نفسه، يشهد العالم أعلى عدد من النزاعات المسلحة منذ منتصف القرن العشرين، إذ تم تسجيل 59 نزاعا مسلحا في العام الأخير، نصفها تقريبا في إفريقيا، وفق بيانات دولية تعكس اتساع ساحات الصراع.

تآكل الشرعية قبل اختلال القوة

تتجاوز أزمة النظام الدولي اليوم اختلالات ميزان القوة إلى تآكل الشرعية التي بنى عليها الغرب قواعده المعيارية. ازدواجية تطبيق القانون الدولي وحقوق الإنسان تعمل على إضعاف الأساس القيمي للنظام، ويكشف عن حدود هذه المبادئ حين تتعارض مع المصالح الكبرى. وأصبح القانون والديمقراطية أدوات تُستخدم انتقائيا، وهو ما يفقد النظام قدرته على تقديم نفسه كمرجعية مستقرة وموحدة.

أردوغان: صوت دولة أم مرآة نظام؟

من هذا المنظور، لا يمكن اختزال خطاب أردوغان في إطار صراع قومي تركي أو مجرد رد فعل أيديولوجي، بل كتعبير عن تراكمات استراتيجية تجعل نقد النظام الدولي جزءا من النقاش العالمي، حتى في قلب النظام نفسه. إن هذا النقد لا ينشأ من فراغ، بل من لحظة ضعف مركزي في قدرة وأخلاقيات النظام الغربي على إدارة النظام الدولي.

تعددية الأقطاب أم سيولة ما قبل النظام؟

كثيرا ما يُستخدم مفهوم "تعددية الأقطاب" لوصف المشهد الراهن، غير أن هذا الاستخدام غالبا ما يخلط بين التعددية بوصفها وصفا لتوزّع القوة، والتعددية بوصفها نظاما مؤسسيا مستقرا تحكمه قواعد متوافق عليها.

فالعالم اليوم لا يعيش تعددية أقطاب مكتملة، بل مرحلة سيولة استراتيجية تتآكل فيها قواعد النظام القديم دون أن تتبلور بعد أسس نظام بديل قادر على الضبط والاستقرار.

ما يجري اليوم يذكّر بلحظات ما بعد 1919 حين انهار وهْم "السلام الدائم"، وبـ1945 حين أُعيد تشكيل العالم على أنقاض نظام فقد شرعيته قبل أن يفقد قوته

من الهيمنة إلى التمدد المفرط

في جوهر المشهد، يبدو الغرب عالقا في ما يسميه الواقعيون "توسّعا مفرط في الالتزامات" (hegemonic overstretch)، يقابله انكماش متسارع في القدرة على الضبط والإقناع.

لا يعني ما سبق أن الغرب على وشك الانهيار، لكنّه يعني بوضوح أنه يفقد امتياز القيادة المنفردة للنظام الدولي. لم يعد الاستقرار الذي قُدم على أنه نتيجة طبيعية لهيمنة غربية ممكنا دون إعادة قراءة شاملة لموازين القوة، وللقرار السياسي الدولي نفسه.

ما يجري اليوم يذكّر بلحظات ما بعد 1919 حين انهار وهْم "السلام الدائم"، وبـ1945 حين أُعيد تشكيل العالم على أنقاض نظام فقد شرعيته قبل أن يفقد قوته.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل سيتعلّم النظام الدولي من أزمته الراهنة.. أم أن ما نشهده ليس سوى مقدّمة لاضطرابات أوسع، ستدفع كلفتها هذه المرة عواصم المركز لا أطرافه؟

___________
المراجع

Al Jazeera, Africa armed conflicts represent around 40% of global conflicts- 23 October 2025.
Annahar, Number of armed conflicts highest since 1946- 10 June 2024.
Eurostat, Annual inflation more than tripled in the EU in 2022- 9 March 2023.
Eurostat, Annual inflation down to 9.2% in the euro area- 18 January 2023.
Peace Research Institute Oslo (PRIO), Conflict Trends: A Global Overview, (1946–2024)- 2025.
التعليقات (0)