لم يعد الجدل حول مستقبل النظام الدولي شأنا أكاديميا صرفا، بل تحوّل
إلى خطاب عام يرافقه قلق متزايد بشأن استمرارية القواعد التي حكمت العالم منذ نهاية
الحرب الباردة. في هذا السياق، ينتشر توصيف يُعلن "انهيار الإمبراطورية الأمريكية"،
مستندا إلى تراجع
الهيمنة النقدية، وصعود قوى منافسة، وتزايد استخدام الاقتصاد والتكنولوجيا
كأدوات ضغط. غير أن التحليل العلمي يفرض التمييز بين التحوّل البنيوي والانهيار؛ فما
نشهده ليس سقوطا فجائيا لنظام قائم، بل إعادة تشكّل تدريجية لموازين القوة(1).
منذ التسعينيات، تمتّعت الولايات المتحدة بوضع استثنائي جمع بين
التفوق العسكري، والقيادة الاقتصادية، والهيمنة النقدية عبر الدولار، إلا أنّ هذا الوضع
بدأ يتآكل تدريجيا بفعل صعود قوى قادرة على المنافسة، وارتفاع كلفة التدخلات العسكرية،
وتراجع القبول الدولي باستخدام القوة خارج الأطر القانونية(2).
تشير تحليلات مراكز التفكير الغربية إلى أن ما يحدث هو انتقال من أحادية قطبية مريحة
إلى تعددية تنافسية مُرهِقة، حيث تظل الولايات المتحدة القوة الأبرز، ولكن دون قدرة
مطلقة على الإملاء(3).
اكتسبت الأزمة الفنزويلية دلالة تتجاوز حدودها الوطنية، إذ أعادت طرح سؤال السيادة وحدود استخدام القوة
يُعدّ الجدل حول الدولار عنوانا مركزيا لهذا التحوّل. فالرواية القائلة
إن العالم "لم يعد بحاجة إلى الدولار"، خاصة في تجارة الطاقة، تعبّر عن جزء
من الواقع لكنها لا تختزله. صحيح أن دولا كبرى، وفي مقدمتها الصين، تعمل على تنويع
احتياطاتها وتقليص تعرّضها للعقوبات، وأن استخدام العملات المحلية والمقايضات الثنائية
ازداد نسبيا(4)، غير أن الدولار ما يزال يشكّل العمود الفقري للنظام المالي العالمي
من حيث السيولة وعمق الأسواق والثقة المؤسسية، ولا يوجد في الأمد المنظور بديل قادر
على أداء وظائف العملة العالمية مجتمعة(5). الأدق إذن هو الحديث عن تراجع نسبي في احتكار
الدولار نتيجة تسييسه، لا عن نهايته(6).
في هذا السياق، اكتسبت الأزمة الفنزويلية دلالة تتجاوز حدودها الوطنية،
إذ أعادت طرح سؤال السيادة وحدود استخدام القوة. فالتحذيرات الأوروبية من تطبيع كسر
قواعد القانون الدولي لا تنطلق من الدفاع عن أنظمة بعينها، بل من الخشية من تحويل "الاستثناء"
إلى سابقة قابلة للتعميم، بما يهدد استقرار النظام الدولي(7).
في المقابل، لا تتبنى الصين خطاب الانهيار ولا تسعى إلى مواجهة مباشرة
مع النظام القائم. تُظهر الأدبيات القريبة من دوائر القرار في بكين استراتيجية تقوم
على تقليل المخاطر داخل النظام بدل هدمه، من خلال تأمين الطاقة، والتحكم في سلاسل الإمداد،
وبناء بدائل جزئية تحصّن الاقتصاد من الصدمات والعقوبات(8).
ضمن هذا المشهد المتحوّل، يغدو التساؤل حول موقع الدول العربية داخل
النظام الدولي الجديد سؤالا مشروعا وملحّا. ورغم اختلاف الأوضاع الداخلية وتباين المواقع
الجغرافية وما يفرضه كلّ ذلك من استراتيجيات متباينة في التعاطي مع التحولات الجارية،
تبرز تونس بوصفها حالة دالّة لدولة متوسطة الحجم تواجه، بوضوح، تحدّي التموقع الاستراتيجي
في عالم يتّجه نحو تعددية معقّدة.
العالم لا يشهد انهيارا فجائيا لنظام دولي، بل مخاض انتقال نحو توازنات معقّدة. وفي عالم متعدد المراكز، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها، بل بقدرتها على الفهم الاستراتيجي وصناعة الخيارات
فموقعها
الجغرافي يمنحها أهمية كامنة، لكنه لا يضمن دورا فاعلا. الخطر يكمن في التموقع الوظيفي
السلبي أو الارتهان الأحادي، فيما تكمن الفرصة في الاستفادة من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد،
والتحول الطاقي، وهامش المناورة الذي يتيحه التنافس بين القوى الكبرى (9).
خلاصة القول أن العالم لا يشهد انهيارا فجائيا لنظام دولي، بل مخاض
انتقال نحو توازنات معقّدة. وفي عالم متعدد المراكز، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها،
بل بقدرتها على الفهم الاستراتيجي وصناعة الخيارات. بالنسبة لتونس، يصبح بناء رؤية
تموضع واعية شرطا لتحويل التحولات الجيوسياسية من مصدر تهديد إلى رافعة سيادية وتنموية(10).
__________
المراجع
[1] John
Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the
Rebuilding of Order, Princeton University Press.
[2] Council on
Foreign Relations, The End of the American Era?
[3] Brookings
Institution, The Changing Nature of American Power.
[4] IMF, Currency
Composition of Official Foreign Exchange Reserves (COFER).
[5] Federal
Reserve, The Dollar’s International Role, Annual Report.
[6] Barry
Eichengreen, Exorbitant Privilege: The Rise and Fall of the Dollar,
Oxford University Press.
[7] Dominique de
Villepin, tribunes et interventions sur la crise vénézuélienne et l’ordre
international.
[8] Chinese
Academy of Social Sciences, reports on financial security and de-risking
strategies.
[9] OECD, Global
Value Chains and Small Open Economies.
[10] UNDP, Strategic
Foresight and Development in a Multipolar World.