خطف فنزويلا: كيف تحوّل النفط والذهب إلى مبرر لاغتيال دولة كاملة

سعد الغيطاني
"الثروة، بدل أن تكون عنصر قوة، تحولت إلى سبب مباشر لاستهدافها"- جيتي
"الثروة، بدل أن تكون عنصر قوة، تحولت إلى سبب مباشر لاستهدافها"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة: الجريمة التي ترتدي بدلة دبلوماسية

ما جرى في فنزويلا خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في أزمة حكم أو فشل اقتصادي داخلي، بل هو نموذج فجّ لعملية خطف سياسي واقتصادي مكتملة الأركان. دولة ذات سيادة وموارد هائلة وُضعت تحت الحصار، لا لإصلاحها، بل لكسرها وإخضاعها. في قلب هذا المشهد تقف الإدارة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، مستندة إلى إرث سياسي نظّرت له عقول مثل كوندوليزا رايس، حيث تُستخدم الديمقراطية كشعار، بينما الهدف الحقيقي هو السيطرة على النفط والذهب.

فنزويلا.. دولة غنية أُريد لها أن تجوع

فنزويلا ليست بلدا فقيرا، بل واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية. تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد عالميا، إضافة إلى مخزون ضخم من الذهب والمعادن الاستراتيجية.
فنزويلا، في هذا المنطق، كانت "صفقة فاسدة" تجب إعادة السيطرة عليها، سواء بالعقوبات أو بالتهديد العسكري أو بدعم بدائل سياسية مصنوعة في الخارج
هذه الثروة، بدل أن تكون عنصر قوة، تحولت إلى سبب مباشر لاستهدافها، لأن امتلاك الموارد خارج المظلة الأمريكية يُعد خروجا عن الطاعة الدولية.

دونالد ترامب لم يُخفِ يوما رؤيته للعالم بوصفه سوقا مفتوحة، الدول عنده ليست كيانات ذات سيادة، بل ملفات استثمارية. وفنزويلا، في هذا المنطق، كانت "صفقة فاسدة" تجب إعادة السيطرة عليها، سواء بالعقوبات أو بالتهديد العسكري أو بدعم بدائل سياسية مصنوعة في الخارج.

والخطاب الذي برّر استهداف فنزويلا لم يولد مع ترامب، بل تأسس قبل ذلك بسنوات. كوندوليزا رايس مثّلت مدرسة سياسية ترى أن الفوضى ليست نتيجة جانبية، بل أداة لإعادة تشكيل الدول. تحت هذا المنطق، يصبح تدمير الاقتصاد وتمزيق المجتمع مرحلة ضرورية قبل "إعادة البناء"، الذي غالبا لا يخدم إلا الشركات الكبرى.

العقوبات: سلاح إبادة بطيئة

العقوبات الأمريكية لم تكن موجهة ضد السلطة فقط، بل ضربت جوهر حياة الناس. شُلّ النظام المصرفي، انهارت العملة، اختفى الدواء، ثم استُخدم هذا الخراب كدليل على فشل الدولة. إنها حلقة جهنمية: تُصنع الأزمة أولا، ثم تُستغل سياسيا.

أحد أخطر أوجه الأزمة كان تجميد الذهب الفنزويلي في البنوك الغربية؛ لم يعد النهب يتم عبر الجيوش، بل عبر قرارات مصرفية تُمنع بها دولة من التصرف في ثروتها، ثم تُمنح هذه الأموال لجهات تدّعي تمثيل الشعب دون تفويض حقيقي.

المعارضة المصنّعة والشرعية المستوردة
ما يحدث في فنزويلا ليس استثناء، بل امتداد لتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية. فمن تشيلي إلى نيكاراغوا تتغير الأدوات، لكن الهدف واحد: منع أي نموذج استقلالي خارج الهيمنة الأمريكية

تم تقديم شخصيات سياسية بلا قاعدة شعبية على أنها "الممثل الشرعي"، فقط لأنها تحظى برضا واشنطن. هكذا يُختطف القرار الوطني من الداخل، ويُفرض واقع سياسي جديد لا يعكس إرادة الناس، بل مصالح الخارج.

لعب الإعلام الغربي دورا محوريا في شيطنة فنزويلا، عبر اختزال المشهد في رواية واحدة: نظام فاشل وشعب عاجز. جرى تغييب السياق الكامل، وتجاهل تأثير الحصار، لتبدو الجريمة وكأنها "تدخل إنساني".

وما يحدث في فنزويلا ليس استثناء، بل امتداد لتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية. فمن تشيلي إلى نيكاراغوا تتغير الأدوات، لكن الهدف واحد: منع أي نموذج استقلالي خارج الهيمنة الأمريكية.

الخاتمة: حين تسقط الأقنعة نهائيا

قضية فنزويلا كشفت بوضوح أن الخطاب الأخلاقي الغربي ليس سوى أداة انتقائية؛ لا ديمقراطية، ولا حقوق إنسان، بل صراع عارٍ على الموارد. ما جرى هو خطف دولة كاملة، لا لإنقاذ شعبها، بل لانتزاع نفطها وذهبها، وفرض وصاية سياسية عليها.

سؤال للقراء

إذا كان هذا هو شكل "الدفاع عن الديمقراطية"، فكم دولة أخرى ستكون الضحية القادمة باسم القيم ذاتها؟
التعليقات (0)

خبر عاجل