السيسي وطنطاوي .. من يقف خلف مذبحة بورسعيد وموقعة الجمل؟

سعد الغيطاني
"تمرّ ذكرى مذبحة بورسعيد وموقعة الجمل، فتعود معها الأسئلة الثقيلة التي لم تُجب عنها الدولة حتى اليوم"- أ ف ب
"تمرّ ذكرى مذبحة بورسعيد وموقعة الجمل، فتعود معها الأسئلة الثقيلة التي لم تُجب عنها الدولة حتى اليوم"- أ ف ب
شارك الخبر
مقدمة:

تمرّ ذكرى مذبحة بورسعيد وموقعة الجمل، فتعود معها الأسئلة الثقيلة التي لم تُجب عنها الدولة حتى اليوم. لم تكن تلك الأحداث مجرد انفلات أمني أو أخطاء فردية، بل لحظات كاشفة لبنية سلطة استخدمت العنف كأداة سياسية لإجهاض الثورة. وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسمان لا يمكن تجاهلهما: عبد الفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية آنذاك، والمشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة. الاتهام هنا سياسي وأخلاقي قبل أن يكون قانونيا: إنهما يتحملان مسؤولية مباشرة عن مناخ القتل، وعن قرارات فتحت الطريق أمام الدم.

مذبحة بورسعيد: الجريمة التي كشفت المستور

في الأول من شباط/ فبراير 2012، تحولت مباراة كرة قدم إلى واحدة من أبشع المجازر في تاريخ مصر الحديث. أكثر من سبعين شابا قُتلوا بأسلحة بيضاء، في استاد يفترض أنه تحت سيطرة أمنية كاملة. أبواب أُغلقت، ومخارج هروب عُطلت، وقوات غابت في لحظة الذروة.

لجأت السلطة طويلا إلى فزاعة "الطرف الثالث" لتبرئة نفسها من الجرائم. لكن الوقائع على الأرض تقول إن الطرف الثالث لم يكن شبحا مجهولا، بل كان منظومة متكاملة داخل الدولة، تملك القرار والسلاح والإعلام

السؤال الجوهري: كيف دخل هذا الكم من الأسلحة؟ ومن أمر بتراخي التفتيش؟ ومن سمح بتحويل المدرجات إلى ساحة ذبح؟ إن مناخ الانفلات لم يكن عشوائيا، بل نتيجة إدارة أمنية وسياسية سمحت بحدوث الجريمة، بل هيأت لها الظروف. وفي ذلك التوقيت، كانت مفاصل الأمن القومي بيد المجلس العسكري، وكانت المخابرات الحربية بقيادة السيسي تملك عين الدولة وأذنها. الصمت، هنا، ليس حيادا بل شراكة غير مباشرة.

موقعة الجمل: قرار الانسحاب الذي فتح أبواب الجحيم

في الثاني من شباط/ فبراير 2011، انسحبت قوات الجيش فجأة من محيط ميدان التحرير، وفتحت ممرات آمنة لمجموعات منظمة من البلطجية يمتطون الجمال والخيول، ليهاجموا المعتصمين السلميين. لم يكن ذلك مشهد فوضى، بل عملية ذات طابع عسكري: توقيت محسوب، ومسارات مفتوحة، وهدف واضح هو كسر الثورة بالقوة الغاشمة.

من يملك قرار سحب القوات؟ ومن يملك سلطة فتح الطرق؟ الإجابة تقود مباشرة إلى المجلس العسكري ورئيسه طنطاوي، وإلى الأجهزة الاستخباراتية وعلى رأسها المخابرات الحربية بقيادة السيسي. إن فتح الميدان أمام هذا الهجوم لا يمكن تفسيره إلا باعتباره قرارا سياسيا أراد توجيه رسالة: الدم هو ثمن الحرية.

الطرف الثالث: من الأسطورة إلى الاتهام المباشر

لجأت السلطة طويلا إلى فزاعة "الطرف الثالث" لتبرئة نفسها من الجرائم. لكن الوقائع على الأرض تقول إن الطرف الثالث لم يكن شبحا مجهولا، بل كان منظومة متكاملة داخل الدولة، تملك القرار والسلاح والإعلام.

في تلك المرحلة، كان المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي للبلاد، وكان السيسي يدير أهم جهاز استخباراتي عسكري. إن أي حديث عن جهل أو عجز يصبح ضربا من العبث. المسؤولية السياسية هنا واضحة: من كان يملك السلطة كان يملك منع الجريمة، وحين لم يمنعها، فهو شريك فيها.

منطق الدولة العميقة: صناعة الخوف بدل إدارة السياسة
بقيت الحقيقة منقوصة، وبقيت المسؤوليات الكبرى بلا مساءلة. إن تجاهل الأدوار السياسية والعسكرية العليا في تلك الجرائم يفرغ العدالة من معناها، ويحوّلها إلى إجراء شكلي. فلا عدالة حقيقية دون محاسبة من أصدر القرار، لا من نفّذه فقط

ما جرى في بورسعيد والتحرير لم يكن استثناء، بل جزءا من عقيدة حكم ترى في الشعوب خطرا يجب ترويضه. حين تعجز السلطة عن احتواء الثورة سياسيا، تلجأ إلى الردع الدموي. وهنا يتجلى دور الدولة العميقة، التي استخدمت أدواتها الأمنية لصناعة صدمة نفسية جماعية، تعيد المجتمع إلى مربع الخوف. بهذا المنطق، يصبح القتل سياسة، والفوضى وسيلة، والضحايا مجرد أرقام في دفتر الردع.

رغم المحاكمات، بقيت الحقيقة منقوصة، وبقيت المسؤوليات الكبرى بلا مساءلة. إن تجاهل الأدوار السياسية والعسكرية العليا في تلك الجرائم يفرغ العدالة من معناها، ويحوّلها إلى إجراء شكلي. فلا عدالة حقيقية دون محاسبة من أصدر القرار، لا من نفّذه فقط.

ختام:

ستظل مذبحة بورسعيد وموقعة الجمل شاهدتين على مرحلة قررت فيها السلطة مواجهة شعبها بالسلاح. الاتهام السياسي والأخلاقي للسيسي وطنطاوي ليس انتقاما، بل دفاع عن حق الضحايا في الحقيقة. فالأوطان لا تُبنى على النسيان، ولا تستقر فوق جماجم أبنائها.

سؤال للقراء: هل يمكن لمصر أن تتصالح مع مستقبلها دون كشف كامل للحقيقة ومحاسبة من كانوا في قمة هرم القرار يوم سالت الدماء؟ أم أن الصمت سيظل هو الجريمة المستمرة؟
التعليقات (0)

خبر عاجل