تمرّ
علينا هذه الأيام ذكرى
ثورة 25 يناير 2011، غير أن توصيفها بـ"الذكرى"
لا يبدو دقيقا، فالأصح أنها ذكرى انطلاق شرارة الثورة، إذ إننا لا نزال حتى اللحظة
في قلب المرحلة الثورية، فالثورة لم تتوقف يوما واحدا منذ ذلك التاريخ.
وما يجعل
ثورة يناير معبّرة بحق عن روح هذا الشعب، تلك الجملة الشهيرة التي نطق بها في حسرة
وانكسار أحد قيادات وزارة الداخلية عبر اللاسلكي، مخاطبا قيادته بعد أن شاهد
الحشود المليونية التي ملأت الشوارع، وعجزت معها أجهزة القمع عن فضّ الحراك أو
إجهاض التحرك الشعبي: "الشعب رَكِب يا باشا".
جملة
قصيرة، لكنها تختصر مغزى الصراع، وتجسّد طبيعة العلاقة المختلّة بين الشعب والسلطة. فمن المفترض، في أي نظام طبيعي، أن تكون الكلمة
للشعب، وأن يأتي الحاكم برضاه واختياره، لا بقوة السلاح والبطش. لكن هذه العبارة
كشفت الحقيقة العارية: حين "يركب"
الشعب، فهذا يعني أن السلطة سقطت. وهو
ما يؤكد أن العلاقة بين الطرفين كانت ولا تزال علاقة صدام لا توافق، وهي السمة
الأبرز لكل نظام مستبد يعادي شعبه بدل أن يحكم باسمه.
الحديث عن يناير بوصفها مجرد ذكرى، فيه قدر كبير من التضليل، فالنظام الحالي أكثر استبدادا من نظام مبارك، ويفتقد الشرعية من أساسها بسبب طريقة وصوله إلى السلطة، والانقضاض الدموي على أول تجربة ديمقراطية حقيقية بإرادة شعبية كاملة
يناير
ليست ذكرى.. بل مسار ثوري مفتوح
الحديث عن
يناير بوصفها مجرد ذكرى، فيه قدر كبير من التضليل، فالنظام الحالي أكثر استبدادا
من نظام مبارك، ويفتقد الشرعية من أساسها بسبب طريقة وصوله إلى السلطة، والانقضاض
الدموي على أول تجربة ديمقراطية حقيقية بإرادة شعبية كاملة.
حتى
اليوم، يقبع قرابة 100 ألف معتقل سياسي داخل السجون
المصرية بسبب مواقفهم أو
توجهاتهم السياسية، بينما يعيش نحو 200 ألف مصري خارج البلاد هربا من القمع
والملاحقة الأمنية، في واحدة من أكبر موجات النزوح السياسي في تاريخ مصر الحديث.
وفي
المقابل، لم تتوقف محاولات استعادة مسار الثورة، تلك الثورة التي قامت من أجل
إعادة السيادة والسلطة للشعب.
مقاومة لا
تهدأ.. وجيل جديد في الصدارة
على مدار
السنوات الماضية، ظهرت حركات وشخصيات وتيارات متعددة لمناهضة النظام الحالي،
مدفوعة بتردّي الأوضاع الاقتصادية، وانهيار الحياة السياسية، وقمع حرية الرأي،
وشيطنة كل صوت معارض.
وكان آخر
هذه الموجات وأكثرها حضورا حركة جيل زد (Gen Z) التي لاقت انتشارا واسعا لما تحمله من إبداع شبابي، وفكر متحرر،
وتجرد من الأدلجة الضيقة.
وها هو
استفتاء جيل زد لعزل السيسي، الذي اقترب من حاجز المليون صوت، يحقق نجاحا لافتا
رغم كل محاولات الحجب والتضييق، ويجد صدى واسعا في الأوساط الشبابية والمجتمعية،
بما يعكس تحوّلا عميقا في المزاج العام، خاصة بين الأجيال الجديدة.
الثورة
مستمرة.. ولن تتوقف
ما يحدث
اليوم ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة ثورة يناير، فالثورة لم تنتهِ، ولن تنتهي، حتى
تسترد ما انتُزع بالقوة والقمع: حرية
الشعب المصري وسيادته وحقه في اختيار من يحكمه. ونحن على يقين أننا سنسمع من جديد، عاجلا أو آجلا، النداء ذاته الذي
دوّى قبل خمسة عشر عاما: "الشعب رَكِب يا باشا".
تحية
يناير
وفي 25
يناير، كل التحية للشعب المصري، الذي فرض إرادته، وانتزع كرامته، وأجبر أداة
البطش، ممثلة في وزارة الداخلية، على خلع زيّ القهر وإلقائه أرضا، هربا من قبضة
شعب قرر أن يكون حرّا.
المجد
للثورة.. والنصر لإرادة الشعب.