النظر المستقبلي ومشروع التغيير.. مشاتل التغيير" (61)

سيف الدين عبد الفتاح
"فقه السفينة، المستنبط من حديث السفينة، يرسم خريطة الفهم لمفردات هذا الحديث النبوي وشبكة علاقاته التي يؤديها لنا"- Pixabay/GDJ
"فقه السفينة، المستنبط من حديث السفينة، يرسم خريطة الفهم لمفردات هذا الحديث النبوي وشبكة علاقاته التي يؤديها لنا"- Pixabay/GDJ
شارك الخبر
إن التوقف عند مشاتل التفكير بالمستقبل؛ ضمن مثلث التصور المستقبلي الجامع بين السنن ومقتضيات الفقه السفني وتفعيل المدخل المقاصدى في بناء الاستراتيجيات، يمكِّن من صياغة الرؤية المستقبلية للمشروع الحضاري الإسلامي، في إطار الصياغة الشرطية للسيناريوهات والمشاهد، والتفكير في قانون العاقبة الملازم للمدخل السفني وبناء الاستراتيجيات النابع من عشرية المقاصد وتدبر كل متعلقاته ومساحاته (التي تتمثل في المجالات، الحفظ، الأولويات، الموازين، فقه الواقع، المناطات، المآلات، القيم، السياقات، الوسائل والآليات).

فالمدخل السنني يحمل النظر في مكنوناته نظرا استشرافيا وإمكانات مستقبلية في تشكيل الوعي وحركة السعي؛ حيث تنساب السنن ضمن حركات الزمن "الحاضر والماضي والمستقبل" وتربط فيما بينها ربطا محكما ضمن المجالات "الكون والتاريخ والنفس والاجتماع"، لتؤكد بذلك نظرا استشرافيا محكوما بالقوانين والسنن. فالإيمان بالقدر لا يعد قعودا أو انتظارا، بل هو طاقة فاعلة ودائمة للحركة، كما أنه لا يتنافى بالأخذ بالأسباب وتبصر السنن.

حركة مستمرة لمصلحة النظر والفعل المستقبليين؛ لا التوقف الأسير للحدث، فيتحكم به عالم الأحداث، ولا يتحكم هو به وفق منظور التعرف على الأسباب والوعي بالسنة والتقاط العبرة وبما يشكل ذلك منظومة متكاملة للدافعية للحركة نحو المستقبل، والبحث عن مناط الفاعلية فكرا وممارسة لصياغة المستقبل

إن الوقوف عند حوادث القدر خاصة مع صعوبتها ليس إلا عملا قد يؤدى إلى شل الحركة وعجز التفكير، بينما الإيمان بالقدر (خيره وشره) لا يجعل توقف الإنسان أمام هذه الأحداث إلى الحد الذي يقع أسيرا لها وفيها؛ مشلول الفاعلية، وعاجزا عن التفكير والتدبير، بل يطالبه ذلك بالتوقف عند الحدث "تذكرا" و"عبرة" كمقدمه لمواصلة الفعل والفاعلية في التفكير الواعي والسعي الراشد، خاصة أن ما وقع قد وقع بحيث لا يمكن منع الحدوث بعد الوقوع، فإن ذلك من المستحيلات العقلية والبديهية، إلا أن عين العبرة على الحدث تجعل الفرد أو الجماعة أو الأمة في حالة عبور مستمر من الحدث الذي وقع إلى استشراف لمستقبل يتحرك صوب إمكانات التغيير وحركة الفاعلة وإمكانات التدبر لتشكيل حركة المستقبل، من دون منافاة للإيمان بالغيب؛ "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ" (النجم: 39-41).

إنها حركة مستمرة لمصلحة النظر والفعل المستقبليين؛ لا التوقف الأسير للحدث، فيتحكم به عالم الأحداث، ولا يتحكم هو به وفق منظور التعرف على الأسباب والوعي بالسنة والتقاط العبرة وبما يشكل ذلك منظومة متكاملة للدافعية للحركة نحو المستقبل، والبحث عن مناط الفاعلية فكرا وممارسة لصياغة المستقبل.

وفي كل الأحوال لا بد أن يُتعرف على الحركة السننية الحاكمة؛ "قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ" (آل عمران: 165)، فهذا التوجه السنني يتحفظ على توجهات، لقصور تساؤلاتها واقتصارها على جهة بعينها دون الرؤية الكلية الشاملة، من مثل التساؤل الذي قفز بحدة بعد الاحتكاك بالغرب المتفوق بعد نهضته، وبعد هزيمة عالم المسلمين من بعد كبوته فتحرك السؤال: لماذا تخلف وضعف المسلمون وتقدم غيرهم؟ أو التصور الذي يقوم على محاكاة الغرب واللحاق بركبه الحضاري ضمن تصوراته لمستقبل عالم المسلمين، كما يتحفظ هذا التوجه على الاستجابات التي تتمثل في التوجهات الانفعالية والبلاغية، والإغفالية أو الافتعالية، وتلك التوجهات المتمركزة على فكرة المؤامرة مع ما تتركه من آثار على العقل المسلم وطرائق تفكيره وتقدير إمكاناته وقدراته في الممارسة والحركة، وتحاول أن تحيل مكامن قصورها في التفكير والممارسة إلى عوامل خارجية فحسب، دون أن ترى فعل القابليات ضمن علاقة منضبطة بين الداخل والخارج.

وذلك أن الخارج لا يمكِّن له إلا بمقدار ما يمكِّن له ضعف الداخل ووهنه، فهذا التمكين لا يجد شرطه إلا في استجابات الداخل وضعف إرادته وقدرته في تعظيم إمكاناته وتحويلها إلى تمكين ومكانة. أما التوجهات التي مارست نهاية التاريخ على طريقة بعض المسلمين، فهي في غالبها تعلقت بمنطق الغيب وتأولت معاني البشارة والنذارة على غير أدوارها ووظائفها في تشكيل العقل المسلم، بما تهدف إليه من حالة "لتزييف السنن" وربما تعطيلها بالكلية، فوُضع هؤلاء ضمن تأويلاتهم في حالة المتنبئين بالمستقبل، محددين أزمانا وأحداثا بشكل يغلف القعود لمن يريد أن يفعل أو الانتظار لمن يريد ألا يفعل مبررا له انتظاره؛ هذا العقل المتنبئ الذي اختلط فيه الغيب بالأسطورة تأويلا من المتنبئ ضمن مناهج شديدة الإشكال، وكأنه يبشر بأحداث يتلقاها من هو في حالة الوهن أو الكسل العقلي أو المرتكن إلى سلوك يشير إلى اللافعالية من غير جهد واجتهاد. والآية العمدة في مقام تأسيس دراسات مستقبلية: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (الحشر:18)، إنها آية لافتة إلى ذلك المنظور السنني والمقاصدي في آن واحد.

إذن يبدو المستقبل، ورؤية السيناريوهات أو المشاهد وتطوراتها يعبر عن القاعدة السننية المحكومة بالشروط الكلية، والحدود والخيارات، والسقوف؛ وتداخل المتغيرات يعبر عن صعوبة تشغيل السيناريوهات، فالمتغيرات تفعل فعلها بحكم فاعلياتها وأوزانها وتأثيراتها وتفاعلاتها؛ لا يكون ذلك اختيارا من الباحث، بل هي عملية مفتوحة، تعبر عن ضرورة ملاحظة التغيرات ورصدها والمتغيرات وتحريكها، والعوامل وتفاعلها.

يأتي الضلع الثاني مرتبطا بفقه وثقافة السفينة وبناء المجتمعات وحركة مستقبلها إنما يستند مَثَلِ "السفينة" الذي تضمنه حديث السفينة للنبي (عليه الصلاة والسلام): "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُواْ عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصاَبَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فيِ أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المْاَءِ مَرُّواْ عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا خَرْقا فيِ نَصِيبِنَا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تركُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْديِهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعا" (رواه البخاري).

الحديث إذن -بنصه ومشابهاته ومقايساته- يشير إلى جملة من المعطيات والمفاهيم، ويكون بحق منظومة رؤية متكاملة وشبكة من المواقف والأحكام والتقييمات لا يمكن التغاضي عنها، فضلا عن بلوغ الغايات الاجتماعية والتربوية والحضارية، والمستقبلية. مفردات المثل النبوي ليست مجرد مفردات لغوية مصمتة، ولكنها مجموعة من الكلمات الحية يراد بها التأثير، فهو إثارة فكرة، وبيان وتدبر مغزى، على ما يقول مصطفى صادق الرافعي عن البيان النبوي.

"فقه السفينة"، المستنبط من حديث السفينة، يرسم خريطة الفهم لمفردات هذا الحديث النبوي وشبكة علاقاته التي يؤديها لنا؛ القوم، الاستهام، السفينة، الأدنى والأعلى وحديث الدرجات، المرور الارتفاقي، الحاجات الأساسية (الماء) وأصول المعاش والتعايش، التفكير الأخرق والمخروق، قوانين التملك (موضعنا) وقوانين العاقبة، وهم انتفاء الإيذاء والغفلة عن السُّنن: (ولم نؤذ من فوقنا)، ثقافة الخرق والهلاك، وثقافة التنبه والنجاة؛ مفردات يؤديها الحديث ضمن شبكة تشير إلى تكافل مدخل السُّنن في تفسير بعض ما يدلي به إلينا حديث السفينة. كما يشير الأمر إلى العمليات الواجبة في التفكير والتدبير والتسيير كعمليات لا يمكن التهاون بها أو التهوين، منها تشير إلى مغزى "الرابطة السفنية" التي تشير بدورها إلى عمليات الفعل والتفاعل والتفعيل والفاعلية، وتشير كذلك إلى مدخل السنن وكذلك مدخل الحفظ المستمر الدافع إلى استشراف المستقبل والتعامل معه، مستصحبة قانون العاقبة المؤسس للمعنى السنني وتدبير يرتبط بالمستقبل وعيا وسعيا.

اكتمال المثلث يكون بالنظر المقاصدي إذ يتكامل مع النظر السنني والنظر السفني؛ النظر المقاصدي، وطالما انتقلنا إلى دائرة المقاصد والأهداف والغايات الكلية والأصول العامة والتي تشكل "مقاصد كلية كبرى وعامة" يُسعى إليها وتُرتجى، فإننا أمام نظر استشرافي موصول ومتواصل حتى بلوغ المقصد، مع ما يعنيه ذلك من ضرورة النظر إلى الكيفية التي يتوصل بها إلى المقصد في حالة نشدان دائم لمستقبل أفضل يتحرى المقاصد على نحو أكثر فاعليه وتفعيلا في الواقع، وفي الحال وفي الاستقبال، إذ المدخل المقاصدي يرتبط بالتحديات الآنية المستقبلية، ومواجهة التحديات المانعة والتي تمثل منظومة الضرر، ودفع الضرر مقدم على جلب المصلحة. ويشكل تحدي البناء الإيجابي منظومة في إطار التحديات، وكذلك فإن الحفظ في هذا السياق عملية دائمة تمتد إلى المستقبل، والمجالات الكلية يجب أن تكون مجالات التعامل المستقبلي، واعتبار المآلات من أهم الصياغات في الرؤية المستقبلية، وميزان الأولويات هي في جوهرها تأسيس لحركة مستقبلية.

التوقف عند مشاتل التغيير والنظر المستقبلي فيه؛ التزاما وامتثالا للنداء الحركي القرآني "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ"، لم يعد تهربا أو انتظارا أو استقالة وعطالة حضارية للفعل والفاعلية، ولكن قدرات تستثمر، وأدوات وأداء يُتوسل، وشهود يتقدمون إلى ميادين التغيير ومشاتله

إن الاهتمام بالاتجاه السنني في الرؤية المستقبلية وتكامله مع المنظور المقاصدي، فهو اهتمام يصحح مجمل الرؤى في التوجه للمستقبل، ويؤصل رؤى نقدية للاتجاهات القائمة للتفكير بالمستقبل، كما يؤسس لرؤية سننية ومقاصدية لعلوم المستقبل نظن أنها أُهملت ووجب التنبيه إليها والعمل على تأصيل قواعدها وعناصرها وتطبيقها، في إطار يشير إلى فاعليتها ليس فقط التنظيرية بل وكذلك الفاعلية العملية، ويتعلق بإمكانية النظر التقويمي للحالة الإسلامية ومواجهتها للتحديات وأنماط الاستجابة، فضلا عن النظر المستقبلي من خلال السنن وعناصر شرطيتها في التعامل؛ وذلك في سياق النظر الجامع بين المقاصد الكلية "المقومة" والسنن المستشرفة للمستقبل وسنن العاقبة الكامنة في حديث السفينة وتدبره في إطار الوعي بالتحديات، إدراكا وسعيا للتعامل معها من خلال مناهج تفكير ملائمة، ومناهج تدبير لائقة، ومناهج تسيير فاعلة. ويطول بنا المقام لو أردنا أن تعطى نماذج استشراف مستقبل لمجمل التحديات الآنية والمستقبلية، والتي يمكن أن تؤصل معاني "المقاصد" و"السنن" وسفينة الأمة ضمن قراءة الماضي والحاضر والمستقبل لهذا الكيان المحقق لمعنى الخيرية والوسطية والشهود، كصفات وأدوار ومكانة.

إن التوقف عند مشاتل التغيير والنظر المستقبلي فيه؛ التزاما وامتثالا للنداء الحركي القرآني "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ"، لم يعد تهربا أو انتظارا أو استقالة وعطالة حضارية للفعل والفاعلية، ولكن قدرات تستثمر، وأدوات وأداء يُتوسل، وشهود يتقدمون إلى ميادين التغيير ومشاتله.

ونحن في ختام هذه السلسلة من الواجب أن ننبه الى خوض معارك التغيير في مضمار المستقبل متسلحين بوعي رشيد وسعي سديد؛ يبني الاستراتيجيات ويتبنى السياسات ويوفر الأدوات، ويحدد المقاصد ويجدد العمل لبلوغ الغايات.

x.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)