إذا كان المشتل في
اللغة العربية هو المكان أو المساحة المخصصة لزراعة ورعاية النباتات الصغيرة
(الشتلات) حتى تصبح قوية بما يكفي لنقلها وغرسها في أماكنها الدائمة، فاستلهام
المعنى المجازي للكلمة يجعلها تُستخدم أيضا للتعبير عن مكان "تفريخ" أو
نشوء فكرة أو حركة معينة، مثل قول "هذه المدينة كانت مشتلا للثورة"، ومن
ثم فإنه يمكن أن ننظر في "دور الشباب كقوة تشغيلية لهذه
المشاتل"، خاصة وأن الشباب بوصفهم "المورد الحيوي" في مشاتل
التغيير الحضاري وأهم رافعة حضارية لمشروع الانبعاث وحركة النهوض. إن الانتقال
بمشروع "مشاتل التغيير" من حيز التنظير الفلسفي إلى فضاء التحقق
السوسيولوجي يتوقف بالدرجة الأولى على مدى قدرة الكتلة الشبابية على استيعاب وتمثل
هذه الرؤية، فالشباب في هذا السياق ليسوا مجرد فئة عمرية، بل هم "الفاعل
الحضاري" القادر على كسر حالة الاستنقاع الفكري؛ وهو يتخذ مسالك عدة:
أولا: الانتقال من
الاستهلاك المعرفي وعقلية التكديس التي أشار إليها مالك بن نبي إلى الإنتاج
القيمي
الراشد والعادل والفاعل؛ إذ تراهن "مشاتل التغيير" على تحويل الشباب من
حالة "الاستلاب الثقافي" أو الاستهلاك السلبي للأفكار الوافدة، إلى مربع
التوليد المعرفي؛ حيث يتطلب ذلك تمكين الشباب من أدوات "النقد الحضاري"
التي تتيح لهم التمييز بين المنجز الإنساني الكوني وبين الهيمنة الثقافية، مما
يجعلهم "حراسا للثغور" في المشتل القيمي والعقدي.
"مشاتل التغيير" على تحويل الشباب من حالة "الاستلاب الثقافي" أو الاستهلاك السلبي للأفكار الوافدة، إلى مربع التوليد المعرفي؛ حيث يتطلب ذلك تمكين الشباب من أدوات "النقد الحضاري" التي تتيح لهم التمييز بين المنجز الإنساني الكوني وبين الهيمنة الثقافية
ثانيا: مهارات
الاستشراف وإدارة التعقيد في ظل "السيولة" التي يتسم بها العصر الحديث.
تُعد قدرة الشباب على الاستشراف المستقبلي ركيزة أساسية، فمشاتل التغيير تعمل على
إعداد جيل يمتلك "عقلا استراتيجيا" قادرا على الاشتباك مع تعقيدات
العولمة والتحولات الرقمية بمرجعية حضارية أصيلة، مما يحول دون ذوبان الهوية في
أتون التغيرات المتسارعة.
ثالثا: تفعيل
"الشهود الحضاري" في الميادين الحضارية خاصة التكنولوجية، فلا يكتمل دور
الشباب في هذه المشاتل إلا بتجسيد قيم الاستخلاف والعمران في مجالات
المعرفة
والوعي؛ والعلم والتكنولوجيا. فالشاب هنا هو "الممارس الحضاري" الذي
يقدم حلولا للمشكلات المعاصرة (كالبيئة، والعدالة الاجتماعية، والذكاء الاصطناعي)
من منظور أخلاقي، وهو ما يُعرف بـ"الشهود الحضاري العملي والتقني" الذي
يتجاوز الخطابة إلى الإنجاز المادي المصبوغ بالروحانية.
إجمالا، فإن توطين
أفكار يطرحها مشروع مشاتل التغيير في عقول الشباب يعني تحويل "المشتل"
إلى مختبر حضاري دائم؛ حيث تُختبر الأفكار، وتُصقل المهارات، وتُبنى الإرادات،
تمهيدا لعملية الانبعاث الكبرى التي تنقل الأمة من الانفعال بالتاريخ إلى المشاركة
الفاعلة في صنعه وتأمين المستقبل الناهض. هذا الاستلهام والاستهام في سفينة
التغيير (كمثل قوم استهموا على سفينة) لا بد أن يتعلق بالكيفيات في
بناء خطط عمل
مقترحة (تطبيق مشاتل التغيير على أرض الواقع)، لتحويل هذه الأفكار إلى "واقع
مؤسسي"، يمكن العمل وفق المسارات التالية:
1. المسار المعرفي
(مشتل
الوعي): إنشاء "حلقات تدارس" دورية للشباب تركز على "فقه
التحولات" وقراءة نقدية للمشاريع الحضارية المعاصرة، عبر منصة رقمية تفاعلية
تعرض منظومة مفاهيم مشاتل التغيير وتشابكها في صناعة الوعي الثقيلة؛ بأسلوب "الإنفوغراف"
وفيديوهات قصيرة لتناسب ذائقة الجيل الجديد.
2. المسار
التربوي (مشتل القيم): تصميم
"مخيمات حضارية" لا تكتفي بالوعظ، بل تدرب على مهارات التفكير والتدبير
والفاعلية والتأثير؛ واستعراض قضايا التغيير المحورية وتحويلها لمؤسسات ميدانية
وسياسات قابلة للتحقق وفق أساليب مبتكرة لـ"حل المشكلات" بمنظور أخلاقي
(مثلا: كيف نواجه الفساد الإداري انطلاقا من قيمة العدل؟) وقضايا أخرى مشابهة.
3. المسار
العملي (مشتل المبادرات): إطلاق
"حاضنة مشروعات مجتمعية" تتبنى مبادرات الشباب التي تخدم
"العمران" (بيئة، تعليم، تكافل)، وتوفر لها الدعم الفني لضمان
استدامتها.
4. المسار التشبيكي
(مشتل العلاقات): بناء "شبكة سفراء التغيير"؛ وحَمَلته الذين يحملون
استراتيجية واضحة، وهم مجموعة من المؤمنين المختصين في مجالات مختلفة يتعرفون على
طبيعة المهمة الحضارية التي يطلعون بها؛ يطبقون "القيم الحضارية" في
مهنهم اليومية، ليكونوا نموذجا للشهود العملي، إذ تشكل مشاتل التغيير الحضاري أهم
إرهاصات استراتيجية الانبعاث الحضاري وعناصر الفاعلية فيه.
علينا أن نكثف جوهر هذه
الأفكار التي ترتبط بعمليات التغيير كعملية إنبات؛ إذ لا يبدأ التغيير الحضاري
بالتحولات المادية المفاجئة، بل يبدأ في "مشاتل" صغيرة، حيث تُغرس بذور
الأفكار وتُسقى بماء الوعي. إن مشروع "مشاتل التغيير" يمثل هندسة فكرية
لإعادة بناء الذات الحضارية، من خلال رؤية تتجاوز الشعارات إلى بناء "الإنسان
الفاعل"، "إنسان الاستخلاف والعمران".
أولا: فلسفة
"المشتل" في مواجهة وهْم "الصوبة"، ذلك أن التمييز الجوهري في
هذا المشروع يكمن في الفرق بين "منطق المشتل" و"عقلية الصوبة
الزجاجية"؛ خارجا من وهْم الصوبة المصطنعة والحابسة؛ إذ حاولت
الكثير من حركات الإصلاح بناء جيل داخل بيئة معزولة ومصطنعة (صوبة)، توفر حماية
مفرطة من واقع العصر. والنتيجة كانت إنتاج كائنات فكرية هشة، تذبل وتنهار عند أول
اشتباك حقيقي مع رياح الواقع العاتية. حقيقة المشتل: هو "حاضنة تقوية"
وليس "غرفة عزل"؛ هدفه إعداد النبتة الحضارية لتكون جاهزة للسيادة في
الأرض المفتوحة. المشتل يصنع "جذورا ضاربة" تمتلك مناعة ذاتية، وقدرة
على الصمود والنمو وسط التحديات الحضارية العاصفة.
ثانيا: عناصر الفاعلية
في مشاتل التغيير؛ كما سبقت الإشارة لكي تتحول هذه المشاتل إلى قوة دافعة، يجب أن
تستند إلى ركائز أساسية، منها المشتل العقدي والقيمي؛ استعادة "مركزية
التوحيد" كطاقة محركة للاستخلاف والعمران، لا كمجرد نصوص جامدة، والنظر
المستقبلي؛ امتلاك "عقل استشرافي" يقرأ التحولات العالمية ويصيغ
استجابات حضارية استباقية، وصناعة الكتلة الحرجة؛ تأهيل جيل يجمع بين أصالة
الانتماء ومعاصرة الأدوات والمهارات العلمية، والشهود الحضاري؛ الانتقال من الوعظ
إلى تقديم حلول عملية لمشكلات الإنسان المعاصر بمرجعية أخلاقية.
ثالثا: أدوات المناعة الحضارية في بيئة غير مواتية: في
ظل هذه السياقات تعتمد المشاتل على ثلاث أدوات عملية لمنح كوادرها وحملتها القدرة
على التأثير وهي التفكير النقدي المزدوج، لنقد الذات (تصفية الرواسب) ونقد الآخر
(تفكيك الهيمنة)، والتمكين التكنولوجي القيمي، وتملّك أدوات العصر (الذكاء
الاصطناعي، الإعلام) كـ"وسائل للعمران"، والمرونة الاستراتيجية
والاستمساك القيمي الأصيل والمكين؛ ليشكل كل هذا القدرة على "التكيف دون
التنازل"، والعمل ببوصلة أخلاقية في أصعب الظروف.
رابعا: نموذج تطبيقي
(أكاديمية مشاتل العمران) لتحويل الفكر إلى واقع، نقترح مسارات عمل مؤسسية:
- مسار الجذور: حلقات
بحثية لفك الارتباط بـ"عقلية التبعية" وبناء المناعة الفكرية.
- مسار الأغصان: تدريب
احترافي في مهارات القيادة وريادة الأعمال المجتمعية.
- مسار الثمار: إطلاق
مبادرات ميدانية تعالج مشكلات الفقر، البيئة، أو التعليم، ليكون أثر المشتل ملموسا.
تعتبر فكرة
"التراكم الحضاري" هي المحرك المختبئ خلف "مشاتل التغيير"؛
فالمشتل لا يُنتج نبتة عملاقة في يوم وليلة، بل يعتمد على صيرورة زمنية وبناء
تراكمي صلب، إذ يتقاطع التراكم مع المشاتل في النقاط الجوهرية التالية:
تعتبر فكرة "التراكم الحضاري" هي المحرك المختبئ خلف "مشاتل التغيير"؛ فالمشتل لا يُنتج نبتة عملاقة في يوم وليلة، بل يعتمد على صيرورة زمنية وبناء تراكمي صلب، إذ يتقاطع التراكم مع المشاتل في النقاط الجوهرية
1. التراكم
كـ"مخزون استراتيجي" للمشتل: المشتل لا يبدأ من العدم، بل يستند إلى تراكم الخبرات التاريخية والقيمية
للأمة، التراكم هنا ليس مجرد رص أفكار فوق بعضها، بل هو "استرداد للذاكرة
الحضارية" لتكون هي السماد الذي تتغذي عليه البذور الجديدة في المشتل، وبدون
تراكم يصبح المشتل مجرد تجربة معزولة تنتهي بانتهاء جيلها.
2. من
"التراكم الكمي" إلى "التحول النوعي": قانون التراكم في المشاتل الحضارية يعمل وفق مبدأ
الاستمرارية تولد الطفرة. والتراكم هو العمل اليومي الصغير (تربية، تعليم، بناء قيم،
إتقان مهني)، والتحول هو لحظة خروج النبتة من المشتل إلى الساحة الحضارية لتصبح
"قوة تغيير"، فالمشاتل تُعلم الشباب أن التغيير ليس "ضربة حظ"
أو "ثورة فجائية"، بل هو نتيجة تراكم وعي نقدي وجهد معرفي منظم.
3. التراكم
في مواجهة "القطيعة الحضارية": أكبر خطر يهدد المشاتل هو "القطيعة"، فمشاتل التغيير تعمل على
وصل ما انقطع، بحيث يتراكم جهد "المثقف المشتبك" مع جهد "الشاب
الفاعل" مع "الخبير التكنولوجي". هذا التشبيك يخلق كتلة حرجة قادرة
على إحداث الانبعاث.
4. التراكم "الحضاري":
كيف يصنع المشتل نهضة مستدامة؟ إن "مشاتل التغيير لا تؤمن بالقفز فوق السنن،
بل تؤمن بالتراكم الحضاري؛ حيث تتحول كل قيمة مغروسة وكل عقل مستنير إلى طبقة صلبة
يبنى عليها من بعده، لنتحول من حالة المشاريع المنقطعة إلى حالة البناء الحضاري
الممتد الذي لا يزول بزوال الأفراد".
إن "مشاتل التغيير
الحضاري" هي إعلان عن ميلاد "إنسان جديد"؛ إنسان لا يخشى مواجهة
عواصف الواقع لأنه يمتلك جذورا إيمانية صلبة وأغصان معرفية مرنة. إننا لا نريد
"نباتات زينة" تعيش خلف الزجاج، بل نريد "أشجارا حضارية"
تطاول عنان السماء، ضاربة بجذورها في حقائق الذاكرة الحضارية؛ غارسة في كل أرض تمر
بها بذور العدل والحق، والحرية والإرادة والاختيار، وتزكية الجمال وبناء العمران.
"خطة البناء" تبرز حقائق معركة النفس الطويل التي أشار إليها الأسير
المخطوف عبد الرحمن يوسف القرضاوي؛ والتي تتمثل في جوهر قيمة "الصبر الحضاري
والتراكم" لدى الشباب، وصياغة "ميثاق مشاتل التغيير" كدستور أخلاقي
لهذا الحراك المشتلي.
وآخر دعوانا أن الحمد
لله رب العالمين.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.