تعد مشاتل
التغيير الحضارية مشروعا فكريا رصدنا فواعله ومجالاته
وقضاياه وعلاقاته بهدف صياغة رؤية مستقبلية لإحداث نهوض وانبعاث
حضاري في العالم الإسلامي، وقد انصب اهتمام المشروع على نقاط جوهرية أبرزها؛ مشروع
الانبعاث الحضاري، والذي يسعى لتأصيل مرجعية حضارية تعيد صياغة مفاهيم العمران
والحضارة من منظور إسلامي شامل، ويقدم رؤية استراتيجية ومستقبلية تنشغل بأهمية
"النظر المستقبلي" وامتلاك أدوات الوعي لمواجهة التحديات الراهنة، بدلا
من الاستقالة
الفكرية، والعطالة الحضارية، والبطالة العملية والحركية. كما يطرح
المشروع ما يسمى بـ"المشتل العقدي" و"المشتل القيمي" كأصول
لبناء شبكة علاقات حضارية قوية، ويتوج كل ذلك بعملية الاشتباك الحقيقي والفعال مع
القضايا الراهنة ومناقشة المشروع لقضايا حضارية حساسة مثل صدام الحضارات، والإسلاموفوبيا،
وفقه الأولويات، وعلاقة الذات الحضارية بالغرب.
ويقترن كل ذلك بمقصد إعمال الشهود الحضاري الداعي
إلى تفعيل دور الأمة في ميادين الفعل والعمل لتحقيق وسطية الأمة والتمكين لها، في
ظل صناعة المكانة المكافئة لقدرات الأمة وفعالياتها.
يقترن كل ذلك بمقصد إعمال الشهود الحضاري الداعي إلى تفعيل دور الأمة في ميادين الفعل والعمل لتحقيق وسطية الأمة والتمكين لها، في ظل صناعة المكانة المكافئة لقدرات الأمة وفعالياتها
وتقوم مشاتل التغيير الحضاري بأرقى مهمة من بذر
الوعي إلى ضرورة الانبعاث، إذ لا يبدأ التغيير الحضاري بالثورات الكبرى أو
التحولات المادية المفاجئة، بل يبدأ في "مشاتل" صغيرة؛ حيث تُغرس بذور
الأفكار وتُسقى بماء الوعي، في إطار هندسة فكرية لإعادة بناء الذات الحضارية، وهو
بذلك ينظر الى المشاتل كحواضن للقيم؛ ذلك أن المشتل في اللغة هو المكان الذي تُهيأ
فيه النبتة لتصبح قوية قبل زراعتها في الأرض الدائمة، وحضاريا؛ هذه المشاتل هي
المؤسسات الفكرية والتربوية التي تُعيد صياغة "المشتل العقدي والقيمي"،
فبدون قيم راسخة يصبح أي تقدم مادي مجرد بناء هش يفتقر للروح، وكذا مهمة النظر
المستقبلي والاشتباك مع الواقع، ذلك أن التميز في فكرة "مشاتل التغيير"
يكمن في رفضها للانسحاب أو الاستقالة من التاريخ، وهي دعوة لامتلاك أدوات
الاستشراف، والانتقال بذلك من "الفعل" إلى "الشهود"؛ غاية
الأمر أن الهدف النهائي لهذه المشاتل هو الوصول إلى مرحلة "الشهود
الحضاري"، أي أن تتحول الأمة من حالة المنطق الدفاعي أو رد الفعل أو المراوحة
في المكان أو التقليد الأعمى، إلى مرحلة تكون فيها نموذجا ملهما في العمران،
والأخلاق، والعدالة بكل تضميناتها وجوانبها.
و"مشتل التغيير" غير" فكرة الصوبة"؛
فهناك فارق جوهري بينهما، إذ إن "المشتل" يمثل العمق الاستراتيجي، في حين
أن "الصوبة" فيها من المباشرة في غير موعده، وهذا هو الفارق بين بين
التغيير الأصيل والتغيير المصطنع. ويمكن أن نتلمس الفوارق الجوهرية بينهما في
السياق الحضاري في البيئة والسياق والنمو والتفاعل والهدف والمقصد والفعالية
والاشتباك:
1. البيئة والسياق (الخارج مقابل الداخل)
الصوبة الزجاجية: تعتمد على عزل النبتة عن محيطها
الطبيعي، وخلق "مناخ اصطناعي" (حرارة ورطوبة محددة). وعلى مستوى الفكر؛
يمثل هذا التيارات المنعزلة أو "الجماعات المغلقة" التي تعيش في قوقعة
ولا تستطيع الصمود إذا واجهت رياح الواقع.
المشتل الحضاري: هو مرحلة إعداد وتقوية للنبتة
لتكون جاهزة للزراعة في "الأرض المفتوحة". المشتل يواجه الشمس والريح
لكن بعناية، وهدفه النهائي هو الاشتباك مع التربة الأصلية (المجتمع والعالم) وليس
الانفصال عنها.
2. نوعية النمو (السرعة مقابل المتانة)
فكرة الصوبة: تهدف لإنتاج سريع وشكلي في غير
أوانه، لكنه غالبا ما يكون هشاّ؛ بمجرد خروج النبتة للهواء الطلق معظمها يذبل. هذا
يشبه "التغيير المفروض من الأعلى" أو المستورد الذي لا جذور له.
فكرة المشتل: تركز على صلابة الجذور (الجهاز
القيمي والعقدي). النمو قد يكون أبطأ، لكنه عضوي ومستدام، فالنبتة الخارجة من مشتل
التغيير تمتلك "مناعة" تجعلها تنمو وتزدهر وسط التحديات.
3. الهدف النهائي (الاستهلاك مقابل البقاء)
الصوبة: هدفها غالبا "الاستهلاك"
الفوري، وهي تعتمد كليا على "المزارع" الذي يتحكم في المفاتيح.
المشتل: هدفه "الاستخلاف"؛ أي تمكين
النبتة (الفرد/الفكرة) من الاعتماد على ذاتها والانتشار لتتحول إلى "غابة
حضارية" أو عمران ممتد.
4. الفاعلية والاشتباك
في الصوبة، النبتة مفعول بها، أما في مشتل
التغيير، الفرد هو "فاعل" يتدرب على المقاومة والشهود. المشتل هو
"مختبر للحرية والمسؤولية"، بينما الصوبة هي "سجن للنمو
الموجه".
مجمل الأمر في مقام التمييز الحيوي هذا؛ أن مشاتل
التغيير الحضارية لا تصنع "كائنات زجاجية" تخشى النقد أو الواقع، بل
تصنع "كتلا حيوية" قادرة على غرس قيمها في أصعب التضاريس الثقافية
والسياسية. ومن ثم فإن التمييز الجوهري في مشروع التغيير الحضاري يكمن في الفرق
بين "منطق المشتل" و"عقلية الصوبة الزجاجية". فالكثير من
حركات الإصلاح سقطت في فخ "الصوبة"؛ حيث حاولت بناء جيل أو فكرة داخل
بيئة معزولة ومصطنعة، توفر حماية مفرطة من رياح الواقع وتحولات العصر. النتيجة
كانت إنتاج كائنات فكرية هشة، سرعان ما تذبل وتنهار عند أول اشتباك حقيقي مع شمس
الواقع الحارقة أو رياح العولمة العاتية. أما "مشتل التغيير" فهو
"حاضنة تقوية" وليس "غرفة عزل"؛ هدفه ليس حماية النبتة من
المحيط، بل إعدادها للسيادة فيه. المشتل يصنع "جذورا ضاربة" تمتلك مناعة
ذاتية، بينما الصوبة تصنع "سيقانا خضراء" تفتقر للصلابة البنيوية.
إن "مشاتل التغيير الحضاري"، تدمج الرؤية
الفكرية التي توفر إطارا تحليليا وتفسيرا لعناصر الفاعلية اللازمة لتحويل الأفكار
إلى واقع معاش، بأسلوب يجمع بين الرصانة الأكاديمية والتدفق المعرفي؛ إذ تعد قضية
"التغيير الحضاري" الهاجس الأكبر للمفكرين المصلحين، إلا أن المقاربة
التي نطرحها في هذا المقام عبر مفهوم "مشاتل التغيير" تمثل نقلة نوعية؛
فهي لا تتعامل مع التغيير كحدث انفجاري أو سياسي عابر، بل كعملية "إنبات
ثقافي وقيمي" تتطلب صبرا استراتيجيا ورؤية مستقبلية نافذة تقرن بين الوعي
والسعي وتنظر إلى مفهوم "المشتل" كفلسفة للتغيير ومنظومة فكرية وعملية. فالمشتل
في سياقه الحضاري هو "الحاضنة المعرفية والروحية" التي تُهيئ الإنسان
ليكون قادرا على حمل الأمانة الحضارية، وهو عملية "تجهيز التربة"
(المجتمع) و"اختيار البذور" (الأفكار والقيم) قبل الزرع في الميدان
العام. فالتغيير الذي لا يمر بمرحلة "المشتل" يظل غضا، لا يصمد أمام
رياح الأزمات أو ضغوط التبعية.
ولا تقتصر عملية التغيير على مجرد المشتل وبنائه،
ولكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو الاعتناء بعناصر الفاعلية فيه أي في مشاتل
التغيير؛ لكي تتحول هذه المشاتل من مجرد "نظرية فكرية" إلى "قوة
دافعة رافعة فاعلة". وفي هذا الإطار وجب أن تستند على خمسة عناصر أساسية:
لا تقتصر عملية التغيير على مجرد المشتل وبنائه، ولكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو الاعتناء بعناصر الفاعلية فيه أي في مشاتل التغيير؛ لكي تتحول هذه المشاتل من مجرد "نظرية فكرية" إلى "قوة دافعة رافعة فاعلة"
1. المشتل العقدي والقيمي (تأصيل المرجعية): الفاعلية
تبدأ من الداخل؛ حيث ضرورة التركيز على استعادة "مركزية التوحيد" كقوة
محفزة للتحرر والعمران، فالعقيدة هنا ليست نصوصا جامدة، بل هي "طاقة
فاعلة" تدفع الفرد نحو الإتقان والعدل والمسؤولية الأخلاقية تجاه الكون.
2. النظر المستقبلي (الوعي بالزمان): لا فاعلية
لمن يعيش في الماضي وحده، إن أحد أهم عناصر "المشتل" هو امتلاك
"عقل استشرافي" يقرأ التحولات العالمية (التكنولوجية، الجيوسياسية،
والبيئية) ويصيغ استجابات حضارية استباقية بدلا من الاكتفاء بردود الفعل.
3. صناعة "الكتلة الحرجة" (تأهيل
الإنسان): إن الفاعل الحقيقي في مشاتل التغيير هم "الشباب الواعي"؛
الفاعلية هنا تكمن في قدرة هذه المشاتل على تخريج أجيال تمتلك "الجمع بين
الحسنيين"؛ الأصالة في الانتماء، والمعاصرة في الأدوات والمهارات العلمية
والتقنية.
4. فقه الاشتباك والشهود الحضاري: المشتل ليس
اعتزالا للواقع، بل هو إعداد لـ"الشهود"؛ فالفاعلية تقتضي أن يخرج
المشروع الحضاري من غرف التنظير ليقدم حلولا عملية لمشكلات الفقر، والظلم،
والتلوث، وضياع الهوية، والشهود يعني أن يكون المسلم "رقما صعبا" في
معادلة الإنسانية، يضيف لها أخلاقا وإبداعا.
5. هندسة العلاقات (الشبكية الحضارية): التغيير
الفاعل لا يتم بجهود فردية مبعثرة، بل عبر بناء "جسور تواصل" بين
المشاتل المختلفة (الأكاديمية، التربوية، والإعلامية) لصناعة وبناء تيار جارف نحو
النهوض، يتجاوز القُطرية الضيقة نحو الأفق الحضاري الجامع والرحب.
وعلى رأس كل ذلك فإن الحاجة الماسة والتأسيسية إلى
تحويل هذه "المشاتل" من نصوص ونظريات فلسفية إلى تيار فكري يتبناه
الشباب، ليكون التغيير نابعا من أصالة الجذور وطموح الاستشراف، بعيدا عن ضجيج
الشعارات الجوفاء، وهو ما سنتعرض إليه ضمن الرؤية البنائية لمشاتل التغيير في
مقالنا الختامي القادم.
x.com/Saif_abdelfatah