أبدع مالك
بن نبي في معادلته الحضارية -التراب والوقت والإنسان- حينما استبدل إشكاليتي الزمان
والمكان بالتراب والوقت لدلالتهما وفعاليتهما في حياة الإنسان؛ إنها مساحات وأوعية
يملؤها الإنسان بالنشاط والفاعلية. وجوهر العبقرية عنده هي القدرة على "تبيئة"
وإعادة تسكين المفهوم الفلسفي وتحويله إلى أدوات تشغيلية، وكما أشرنا آنفا، فإن ابن
نبي لم يكن مجرد فيلسوف نظري، بل كان "مهندسا للحضارة" وللنهوض الراشد، حين
استبدل المصطلحات المجردة (الزمان والمكان) بمصطلحات (الوقت والتراب)، فإنه نقل القضية
من حيز التأمل الذهني إلى حيز الفاعلية الاجتماعية والمجتمعية وعلى عموم كامل الساحات
الحضارية.
لقد كانت
مفردة التراب بحق نقلة نوعية حضارية من "المكان" الجغرافي المجرد إلى
"التراب" الإنتاجي الفاعل والمتفاعل. المكان في الفلسفة قد يكون فراغا أو
حيزا هندسيا، لكن "التراب" عند ابن نبي هو أبعد من ذلك وأوسع. التراب إذن
ضمن مصفوفة مالك الحضارية المادة الخام التي تنتظر يد الإنسان لتعمرها، التراب هو كذلك
الارتباط بالواقع؛ التراب الذي يوحي بالزراعة، والبناء، والموارد المتاحة التي لا قيمة
لها ما لم يتدخل "الإنسان" لاستصلاحها والاستعمار بها؛ "هُوَ أَنشَأَكُم
مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود: 61). التراب يعني كذلك التخلص
من العجز والتعلل والقعود في حالة من الكسل الحضاري والعطالة في الفعل والبطالة الحضارية؛
وكأن التراب يتكلم فيقول إن النهوض في معناه الراشد قد لا يحتاج لمساحات شاسعة بقدر
ما يحتاج لـ"استغلال" ذرة التراب المتاحة؛ "فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ" (الزلزلة:
7-8).
قد نضيف
أيضا في التصور الترابي تتبع مفردة التراب في القرآن وأهميتها في حياة الإنسان مستصحبة
بمفردة الأرض الحاوية للتراب والإنسان؛ إضافة دقيقة وعميقة، فالبعد القرآني لمفردة
"التراب" يمنح معادلة
مالك بن نبي عمقا وجوديا يتجاوز البعد المادي التقني،
حين نستصحب "الأرض" كوعاء كلي، و"التراب" كجوهر مادي، نجد أننا
أمام "قانون تسخير" متكامل؛ ذلك أن ربط "التراب" كمادة قرآنية
يفتح لنا آفاقا منهجية في فهم هندسة الفعل الإنساني من ثلاثة زوايا:
1. التراب
كأصل (الوحدة الوجودية، أصل الخلق) في القرآن، التراب هو "المبدأ" الذي خُلق
منه الإنسان؛ "خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ". هذا الربط المنهجي يجعل العلاقة
بين الإنسان والتراب (في معادلة
الحضارة) ليست علاقة "مستعمر بمستعمر"، بل
هي علاقة تجانس. الإنسان عندما يعمل في التراب، هو في الحقيقة يتعامل مع أصله. هذا
التصور الترابي يزيل "الاستعلاء" على المادة، ويحول العمل اليدوي أو المادي
إلى فعل "تذكيري" بالأصل.
2. الأرض
كمسرح (الاستخلاف والتمكين)؛ "وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ"، وإذا
كان التراب هو المادة، فإن "الأرض" في القرآن هي الحاوية والمستقر؛ "هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا". الاستعمار هنا بمعناه
القرآني أي طلب العمارة، والأرض هي "المختبر" الذي يُختبر فيه صدق المنهج.
لا يمكن للإنسان أن يحقق "الاستخلاف" وهو منفصل عن الأرض أو متعالٍ على ترابها.
3. الجدلية
بين "الطين" و"النفخة"؛ مالك بن نبي يركز على أن الحضارة التي
هي نتاج تركيب. بالنظر للقرآن، نجد أن الإنسان نفسه هو نتاج تركيب بين "تراب/طين"
و"روح". إذا غلب "التراب" في الإنسان، صار "خلودا إلى الأرض"
وتثاقلا عن الفعل الحضاري، وإذا فُعلت "الروح" (التي يمثلها ابن نبي بالفكرة
الدينية)، انطلق هذا الكائن "الترابي" ليعمر "الأرض" في زمن (وقت)
محدد.
ومثله
مثل مفردة التراب، كان مفهوم الوقت الذي اختاره مالك كاختيار عبقري في معادلته الحضارية
الذي عبّر في الحقيقة عن تحول فاعل وراشد وعادل من "الزمان" الرياضي إلى
"الوقت" الحضاري، فإذا كان الزمان مفهوما فيزيائيا يمر على الجميع بالتساوي؛
فإن "الوقت" هو في حقيقته هو الوعاء الزمني للعمل؛ هو الزمان حين يُقاس بالإنجاز
لا بالدقائق. وهو في جوهره الثروة المهدورة؛ حيث يرى أن مشكلة العالم الإسلامي ليست
في ضيق الوقت، بل في "عدم الشعور بالوقت"، وتحويله إلى "وقت ميت"
خارج التاريخ. الوقت في معناه ومبناه هو الاستثمار الواجب والمطلوب؛ لأنه هو المادة
التي يُصهر فيها الجهد البشري لإنتاج الثقافة على طريق مسيرة النهوض والعمران.
ضمن تلك
المعادلة يكون التراب مشفوعا بالوقت ومساحاته، فالوقت هو إحساس الإنسان بالزمان؛ هو
حركة العمران في الإنسان باستثمار الزمان الوقت، وهو الضبط الواعي باعتبار الزمان وقدرات
الإنسان على تنظيم فعله ونشاطه. الوقت مساحة إن لم تقطعها قطعتكن الوقت واستحضار الأجل
هي تذكير الإنسان بالأجل المحدود وضرورة استثماره بلا حدود، الوقت هو عمر الإنسان المدود
فاغتنمه (عن عمره فيما أبلاه وعن شبابه فيما أفناه)؛ إنها "فلسفة الزمن"
في العقل الحضاري، حيث ينتقل "الزمان" من كونه فكرة فيزيائية مجردة إلى
"وقت"، هو "عمر" مشحون بالمسؤولية. الوقت كـ"مساحة إن لم
تقطعها قطعتك" يعيدنا إلى جوهر الهندسة الزمانية؛ فالوقت ليس فراغا ننتظره ليمر،
بل هو "مضمار" يجب اجتيازه بالفعل والنشاط.
إن قراءة
في الأبعاد الحضارية في مفردة الوقت وربطها بمعادلة الفعل الحضاري في عمومه (التراب
والوقت والإنسان تؤكد أن جوهره يعد كـ"ضبط واعٍٍ"؛ حينما نصف الوقت بأنه
"الضبط الواعي لنشاط الإنسان"، فإنك تنقله من "الساعة الرملية"
إلى "لوحة التحكم واستثمار الزمن". الضبط الواعي يعني أن الإنسان هو الذي
يقود الزمن ولا ينقاد له، وهذا هو الفرق بين "الإنسان الحضاري" و"الإنسان
البدائي" (الذي يعيش في الزمان دون أن يملكه)، في حين أن الوقت كـ"مساحة
مقطوعة"، "إن لم تقطعها قطعتك"، يضعنا أمام استحقاق "المغالبة"
والمدافعة السننية.
الوقت
في "التراب" (المكان) يميل دوما نحو العشوائية والعبثية؛ إذا لم يتدخل الإنسان
بـ"نشاطه" ليقطع مساحة الوقت وينظمها، فإن الوقت سيبدد جهده ويحوله إلى هباء.
كذلك فإن التأجيل والانتظار والتسويف هو استنزاف للتراب والوقت معا؛ فكل لحظة تمر دون
عمل جاد وفاعل في الأرض هي خسارة لمساحة من السيادة عليها (الإنسان سيد في الكون بفعله
وفاعليته؛ لا سيدا على الكون باستئثاره).
الطرح
النبوي الاستراتيجي، "عن شبابه فيما أفناه"، هو "معيار الجودة الحقيقية
في التعامل مع "العمر- الوقت- الشباب" في الهندسة البشرية والعمرانية، حتى
يصير الوقت كوعاء للفاعلية.
الوقت
وفق هذا التصور هو تنظيم المساحات والساحات الحضارية، و"هندسة الفعل"؛ المكنة
والمكانة والممكن على طريق التمكين. المشكلة الحالية ليست دائما في غياب الرغبة (المحفز)،
بل في "تبدد النشاط". الكثيرون لديهم إحساس بالخطر وضيق الوقت، لكنهم يفرغون
هذه الطاقة في "حركة بلا بركة" (عشوائية). نحن نحتاج لتعليم "فن التنظيم"
ليس كترف إداري، بل كـ"ضرورة شرعية وحضارية". التنظيم هو الذي يحول
"الوقت الميت" إلى "وقت حي"، هو الذي يعلم الإنسان المهني الحضاري
كيف يوزع جهده بين "اللبنة" و"
البناء الكلي" دون أن يطغى أحدهما
على الآخر.
وفي تدبر
مفهوم الوقت فالإنسان في جدلية دائمة في التفكير والتدبير؛ جدلية "الأجل المحدود"
و"الاستثمار بلا حدود". هذه اللمسة الإيمانية (استحضار الأجل) هي المحرك
الأعظم للفاعلية، فالأجل المحدود يعطي صفة "الاستثمار الإيجابي الموزون".
لا يوجد وقت للهدر أو الاستنكاف، لأن الوعاء الزمني ضيق؛ مهما رأيته واسعا ممتدا (اعمل
لدنياك كأنك تعيش أبدا؛ واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا). الاستثمار بلا حدود؛ يعطي صفة
"الأثر الممتد". الإنسان يعمل في "التراب" المحدود وفي "الوقت"
المحدود، لكنه يستهدف "أجرا" وأثرا حضاريا غير محدود. هذا الاستحضار يحول
"الوقت" من مجرد "عمر بيولوجي" يفنى، إلى "رصيد أخروي"
يبقى.
في معاملات
الوقت والأجل والعمر والزمن، التي تعد محركات الفعل الحضاري الإنساني؛ في حاله ومآله
في النظر الدائم لغده ومستقبله "وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا
اللَّهَ" (سورة الحشر؛ 18)؛ كل هذا يشكل "المحرك التأسيسي" للفعل الحضاري
في الرؤية الإسلامية. هذه الآية الكريمة ليست مجرد وعظ، بل هي قاعدة استشرافية تنقل
الإنسان من "اللحظة الراهنة" إلى "الأفق الممتد". بهذا التصور
ينتقل الإنسان من مجرد "إدارة الوقت" إلى "هندسة المآلات"؛ إذ
تتحول هذه المفاهيم إلى طاقة بناء.
"الغد"
كبوصلة للهندسة (النظر الدائم) في معادلة مالك بن نبي الإنسان؛ يربط التراب بالوقت،
لكن في رؤيتك (المستندة للآية) الإنسان يربط "الآن" بـ "الغد".
الغد القريب هو مستقبل الأمة وعمران الأرض (المآل الدنيوي)، الغد البعيد هو ما بعد
الأجل (المآل الأخروي). هذا "النظر الدائم" يمنع الإنسان من السقوط في
"العبثية"، فكل "لبنة" يضعها في "التراب" اليوم، هي
"قُدمت" بعمل قائم قُدم لغدٍ قادم.
- التقوى
كـ"معيار تجدد وجدة وجدوى وجودة" (واتقوا الله)؛ إذ جاء الأمر بالتقوى وسط
الآية كحارس للعمل في سياق "بناء اللبنة" في المعمار الكوني والبنيان وغرس
الفسيلة في حقول الأمة والعمران. التقوى هنا تعني الإتقان؛ لأنك لا تقدم العمل للناس
فقط، بل تقدمه لـ"غد" ستُسأل فيه عن "عمرك فيما أفنيته". التقوى
تحول العمل من مجرد "نشاط مادي" إلى "بنيان قيمي"؛ هي التي تضمن
أن يكون "التراب" الذي استصلحه الإنسان قد استُصلح بطهر ونفع، لا بظلم أو
فساد.
- تكامل
ثنائية "الحال" و"المآل"؛ الحال هو الالتحام بالتراب، والمكابدة
في الوقت، والجهد والمجهود والاجتهاد الحضاري، أما المآل: هو الثمرة المرجوة، والبركة
الممتدة، واللقاء الأخروي؛ "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء ۖ وَأَمَّا
مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" (الرعد:17).
من التأملات
الى الأبنية والبنيات في مشروع مالك الفارق بين النهوض الزائف والنهوض الراشد؛ تكون
الرحلة مستمرة في توقف متدبر لفكر مالك، وقدراته الحركية، ومعانيه ومغازيه النهضوية
والرحلة مع مشروعه لا تزال مستمرة.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.