ليس
كل نهوض يشكل حالة ناهضة، وليس كل نهوض يمثل النهوض الرشيد؛ هذه العبارة الفارقة
تشير ضمن ما تشير إلى إشكالية نراها في غاية الأهمية؛ ألا وهي الفعل العشوائي
والمشروع الحضاري. فالحركة في حد ذاتها لا تعني التقدم بالضرورة؛ ذلك أنه ليس كل
نهوض يشكل حالة ناهضة؛ أي أنه قد تستيقظ أمة أو جماعة في لحظة غضب أو فورة مؤقتة
(رد فعل)، لكنها تفتقد إلى الاستدامة والمؤسسات التي تحول هذا الحماس إلى تيار
مستمر يغير الواقع. وكذلك ليس كل نهوض يمثل النهوض الرشيد؛ فالرشد هنا هو المعيار
القيمي والعقلي الكامن بقدرته وجوهره في مشروع النهوض.
قد
تنهض قوة ما عسكريا أو ماديا لكنها تكون مدمرة أو تفتقر إلى الأخلاق والوعي، بينما
النهوض الرشيد هو الذي يوازن بين القوة والقيمة، وبين الوسيلة والغاية. والنهوض
الحقيقي هو وعي، وسعي وأخلاق، وقيم، وليس مجرد ضجيج أو حركة بلا اتجاه، أو مقصد
سوى التكاثر بالقوة؛ "أَلهاكُمُ التَّكاثُرُ" (التكاثر: 1). هذا التفريق
هو ما يميز بين "النهوض المادي" (الكمي) عن "النهوض الحضاري"
(النوعي) في
فكر النهوض، النهوض الحقيقي ليس مجرد "أرقام صاعدة" أو
"مبانٍ شاهقة"، بل هو "حالة ناهضة" تتمركز حول الإنسان
وتستهدف المقصود الأخلاقي والوجودي.
قد تنهض قوة ما عسكريا أو ماديا لكنها تكون مدمرة أو تفتقر إلى الأخلاق والوعي، بينما النهوض الرشيد هو الذي يوازن بين القوة والقيمة، وبين الوسيلة والغاية. والنهوض الحقيقي هو وعي، وسعي وأخلاق، وقيم، وليس مجرد ضجيج أو حركة بلا اتجاه، أو مقصد سوى التكاثر بالقوة
إن
الفارق بين "النهوض" المنبّت و"الحالة الناهضة"؛ أن النهوض
المنبت (الحدث) قد يكون طفرة مؤقتة ناتجة عن وفرة مالية أو قوة سلطوية (قبض شديد)،
هو نهوض "آلي" يفتقد للروح، وغالبا ما ينهار بمجرد زوال المؤثر الخارجي،
أما الحالة الناهضة: هي تحول المجتمع بكامل عناصره ومقوماته إلى "كيان
متعلم" يمتلك وعيا ذاتيا. هي حالة "توليد مستمر" للقيمة في ميادين
النهوض، حيث يصبح النهوض طريقة حياة وليس مجرد مشروع مؤقت، والنهوض الذي لا يشكل
"حالة ناهضة" غالبا ما يهمش الإنسان لصالح "الآلة" أو
"النظام".
أما
الرؤية في الحالة الناهضة ترى أن الإنسان هو المحرك والمقصود؛ الإنسان في الرؤية
الكلية التوحيدية سيد في الكون لا علية مستخلفا واعيا؛ مقيما لمهمة العمران بمقتضى
حمله للأمانة الحضارية "وَحَمَلَهَا الإِنسانُ" (الأحزاب: 72)؛ الإنسان
كمحرك بالاستثمار الواعي في "المعرفة المتولدة ذاتيا" من جراء الامتثال
لفعل "اقرَأ" (العلق: 1)؛ والإنسان المسؤول "وَقِفوهُم إِنَّهُم مَسئولونَ"
(الصافات: 24)؛ والإنسان كمقصود استخلافا وعمرانا وربط كل "فعل صناعة"
بكرامة الإنسان وترقيه والاستمساك والالتزام بقيمه. ذلك أن النهوض المضاد للفطرة
والعابث بها، الذي يدمر "الأمان النفسي" أو يسحق "التنوع"، هو
نهوض "مشوه" في ميزان النهوض الراشد.
النهوض
الراشد الجامع هو "النهوض المركب" مقابل "النهوض الأحادي"؛
النهوض الأحادي يركز على مسار واحد (اقتصادي مثلا) ويهمل المسار القيمي والشبكي،
مما يؤدي إلى "نمو بلا إنماء حقيقي الذي يستلهم النموذج العمراني". أما
النهوض المركب: فهو الجامع بين "المسار المادي" (القوة والإنتاج)
و"المسار المعنوي" (العدالة والحق والوعي الرشيد والسعي السديد). هو
النهوض الذي يمتلك "سلامة المسار"؛ حيث لا يسحق الإنجاز الإنسان، ولا
يعطل التمني الفاعلية.
ومن
أهم معالم ومعايير النهوض الراشد "الاستدامة البشرية"؛ ذلك النهوض
الحقيقي الذي يترك خلفه "جيلا ناهضا" وليس "ركاما منجزا". النهوض
الحضاري الراشد هو "هندسة الروح والمادة" معا، الرافض لـ"النهوض
الزائف" الذي يلمع من الخارج ويخلو من الداخل، ويجتهد لبناء "حالة
ناهضة" مستدامة، يكون الإنسان فيها هو المبتدأ والخبر. ومن ثم إن تأصيل مفهوم
"النهوض الراشد" يمثل القمة الأخلاقية والمعرفية في فكر الانبعاث؛ فهو
النهوض الذي لا يكتفي بالقوة (النمو المادي)، بل يضيف إليها "الرشد"
(الحكمة والقصد الأخلاقي)؛ النهوض الراشد هو "حالة جامعة" توازن بين
الامتداد في الأرض (العمارة والتقنية) والارتقاء بالروح (القيم والكرامة
الإنسانية).
ميزان
الرشد والرشاد في النهوض الراشد يؤلف بين ثنائيات ويزاوج فيما بينها في سياق
الثنائيات المتراحمة لا المتصارعة:
* الرشد كميزان بين "القبض"
و"البسط": في النهوض الراشد، لا تُستخدم مكامن القيادة فيه (القبض)
للتسلط، بل لضبط "سلامة المسار". ولا يُستخدم التمكين (البسط) للفوضى،
بل لتفجير طاقات الإبداع. في انتظام مثمر؛ الرشد هنا هو "الوعي بالمقاصد"
الحافظة والحاضنة للفعل والفعالية.
* الرشد في إدارة المزواجة "الموجود"
و"المفقود"، ذلك أن النهوض غير الراشد يهدر "الموجود"
(التراث، الخبرات الصالحة) استلابا وراء "المفقود" فيما يتصوره من تبني "النماذج
المستوردة". النهوض الراشد هو "أصالة الابتكار"؛ يجمع بين كنوز
الماضي التي لا يجب أن تُهدر وأدوات المستقبل التي يجب أن تستثمر في "بنية
مركبة" واحدة، مما يجعله نهوضا مستقلا نابعا لا تابعا من ذات المجتمع.
* الرشد في "صناعة الفعل" (تجاوز الأنانية
في التفكير والتدبير)؛ النهوض الراشد لا يبحث عن نجاح مجال دون مجال على حساب
"مجتمع" ككل، أو "جيل" على حساب "أجيال قادمة"؛ بل
هو نهوض "مسؤول"؛ يقوم على قاعدة تأمين "المستقبل البشري"
وحماية البيئة والقيم من التآكل المادي.
* الرشد كـ"فيوض معرفية" في "الكيان
المتعلم الراشد"؛ النهوض الراشد لا يقدس "الأشخاص"، بل يقدس
"الحقيقة والتعلم"، ويحول روافع النهوض الحضارية إلى "كيانات
متعلمة راشدة"؛ تمتلك الشجاعة لتشريح أخطائها والاعتراف بها في سبيل بلوغ
"المقصود"، الرشد هنا هو "التواضع المعرفي" الذي يولد الحكمة
الجماعية.
* الرشد في بلوغ "المقصود العمراني البشري"
ذلك هو الفارق الجوهري بين النهوض الآلي والنهوض الراشد، ذلك المقصود في النهوض
الراشد هو "الإنسان المكرم"، كل "فعل؛ صناعة"، وكل
"أداة؛ تقنية"، وكل "هيكل؛ تنظيمي" هو خادم لهذا الإنسان.
النهوض الراشد هو الذي يرفع من "إنسانية الإنسان" بقدر ما يرفع من
"كفاءة إنتاجيته في ميادين العمران الحضارية". النهوض الراشد = قدرة
الإنجاز + عمق الوعي × ثبات القيم؛ النهوض الذي يمتلك "البصيرة" ليرى
مآلات الأفعال، و"العزيمة" لتنفيذ الأصوب، و"الرحمة" المزجاة
لاستيعاب التنوع.
النهوض
عامة ليس حالة سكون، بل هو "حركة صاعدة" تتطلب محركا يجمع بين قوة الدفع
ومرونة التوجيه. ومن ثم فهو في حاجة لروافع أساسية لعملياته:
* النهوض كـ"تركيب" بين الأصالة البانية
والمعاصرة النافعة الصالحة؛ أي نهوض ينقطع عن جذوره ينهار (فقدان هوية)، وأي نهوض
ينغلق على ماضيه يتجمد (فقدان صلاحية).
* تجاوز "النهوض السطحي" إلى "النهوض
البنيوي"؛ ذلك أن النهوض السطحي هو مجرد تحسين مظهر (رد فعل)، أما النهوض
الحقيقي فهو صناعة فعل.
* إدارة "تدافع القوى" نحو هدف واحد
(البوصلة الحضارية)؛ تماسك الجماعة الوطنية والحفاظ على لحمتها في ظل تفعيل التيار
الأساسي للأمة وتشييد شبكة العلاقات الاجتماعية على أسس متينة ورصينة؛ جامعة
وعميقة. فالنهوض الأشد بمثابة "عقل جامع"؛ لا يقصي طرفا لحساب آخر، بل
تستثمر معامل خبرات الجميع وتضعهم في "خارطة ربط بيني"؛ فتحول الصراع
المعطل والتفرق الماضي والاستقطاب المقيم إلى "تدافع حميد" يصب كله في
مصلحة "المقصود" أي "النهوض الشامل والمتكامل".
* الربط بين "المسار القيمي" و"المسار
المادي"؛ النهوض الذي يركز على المادة يفسد الإنسان، والذي يركز على مجرد
الوعظ يهمل العمران.
* القدرة على "التحول الكبير"؛ النهوض يتطلب
قفزات كبرى في لحظات الأزمات؛ عن طريق تحويل التحديات الكبرى إلى رافعات للنهوض، والتماس
الفرص في المخاطر والمنح في المحن.
"النهوض
الراشد" هو حالة "سيادة حضارية"؛ بناء نابع لا تابع جامع بين القوة
المادية والقصد الأخلاقي، فإن انتقاله من التنظير إلى الواقع يتطلب شبكة من
المستلزمات الفكرية والمعرفية التي تعمل كقواعد ارتكاز لهذا البناء الصاعد.
أولا:
المستلزمات الفكرية والمنهجية (القواعد التأسيسية)
1. فكر "التركيب لا التفكيك"، وهو ما يعني
الإيمان بأن الحلول لا تكمن في اختيار طرف على حساب آخر (ماضي في قبالة حاضر،
ومادة في تضاد مع روح)، بل في القدرة على صهر ما يبدو متناقضا ضمن عقلية التركيب
وإدارة التعقيد وصناعة التجديد، والانتقال من "العقلية الأحادية" إلى
"العقلية المركبة" التي ترى التنوع مادة خام للإبداع.
2. فلسفة "السيادة الذاتية" والذات الحضارية
(الاستقلال الوجودي) والتحرر من عقدة "اللحاق بالآخر" (المغلوب مولع
بتقليد الغالب)، وتبني فكر "النهوض من الداخل". وهو ما يتطلب لزوما
صياغة تعريفات خاصة للتغيير والإصلاح والتقدم، تنبع من النسق القيمي والمقاصدي.
3. فقه "المآلات والسنن" وإدراك أن النهوض
محكوم بسنن لا تحابي أحدا، وأن كل فعل له مآل، تبني "الاستباقية" كمنهج
تفكير؛ لتجنب النهوض الهش الذي ينهار أمام أول أزمة بنيوية.
ثانيا:
المستلزمات المعرفية (الأدوات والقدرات)
1. إرادة وإدارة "المعرفة المتولدة ذاتيا"؛
فالكيان الراشد لا يستورد حلوله الجاهزة، بل "يستنبطها" من احتكاكه
بالواقع، ومن المهم تفعيل "مختبرات التجديد" وتشريح الخبرات الميدانية
لتحويلها إلى "أصول معرفية" سيادية.
2. كفاءة "الربط البيني" (الذكاء الشبكي)؛
ذلك أن المعرفة في النهوض الراشد ليست حبيسة الصوامع، بل هي طاقة متدفقة.
3. منظومة "الرصد والقياس الراشد"؛ المعرفة
التي لا تُقاس لا تُدار، لكن القياس هنا يتجاوز الأرقام إلى "الأثر".
4. بناء "الذاكرة المؤسسية الحية"؛ ذلك أن
النهوض الراشد لا يبدأ من الصفر في كل مرة، بل هو عمل تراكمي حضاري في عالم
المعرفة والخبرة. إن ضرورات توثيق "المسارات الناجحة والفاشلة" وجعلها
متاحة للجميع (الكيان المتعلم)، لضمان عدم تبدد طاقة النهوض مع رحيل الأشخاص
وإحياء لفكرة المراجعة والتجديد.
إن
تلك المستلزمات الفكرية تمنح النهوض "البوصلة"، والمستلزمات المعرفية
تمنحه "المحرك". وبدونهما، يظل النهوض "حالة انفعالية" لا
تلبث أن تنطفئ، أما بهما فيصبح "حالة ناهضة راشدة" تسمو بالإنسان وتعمر
الأكوان.
هذه
رؤية أولية للكيفية التي ننظر بها الى النهوض الراشد ومقام الرشادة فيه؛ لنؤكد على
معالمه وبنياته وبيناته الكبرى. نواصل في هذه السلسلة الاستفادة من مشاتل التغيير
والبناء عليها. بين البنية والبينات، والمعالم والمشاتل، تأتي الثمرة في مولد
النهوض الراشد؛ تلك الكلمة الطيبة.. "أَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا
كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصلُها ثابِتٌ وَفَرعُها فِي السَّماءِ﴾ (إبراهيم:
24).
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.