ظهرت
قوات الصاعقة المصرية بشكل غير معتاد في إحدى المدن المتاخمة للعاصمة القديمة، القاهرة، وسط هتافات ضد دولة الاحتلال، قاد إلى سجال واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ودفع بمحللين للتساؤل حول ما بين سطور الحدث الفريد والمثير في توقيته.
وبدأت القصة صباح الخميس الماضي، خلال تدريب بدني "اختراق ضاحية" لفرقة مكونة من 3 سرايا لقوات الصاعقة المصرية بالزي الرياضي العسكري في
مدينة العبور بمحافظة القليوبية شمال شرق القاهرة التي تأسست عام 1982، في وضع غير معتاد.
ومن المتعارف عليه أن إجراء مثل تلك التدريبات يتم في مناطق صحراوية مفتوحة أو في مقر قيادة قوات الصاعقة بمنطقة أنشاص بمحافظة الشرقية.
دلالات المكان والهتاف
وتحمل المدينة التي شهدت التدريب اسم "العبور" الذي يشير إلى عبور
الجيش المصري لممر "قناة السويس"، وتحطيمه "خط بارليف" ظهر 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973، كما يتزامن أيضاً اختراق الضاحية الخميس الماضي مع ذكرى إعلان دولة الكيان المحتل 14 أيار/مايو 1948.
كما أثار حضور قوات الصاعقة بمنطقة مدنية التساؤلات، وجاءت بعض هتافات الأفراد لتثير مشاعر المصريين، حيث تقول بعضها: "
إسرائيل خيال مآتة.. إسرائيل تحت البيادة"، و"6 أكتوبر نصر عظيم.. يوم ما هزمنا إسرائيل"، و"مصر قاعدة ومربعة"، و"يحيا العاشر من رمضان".
رأى الإعلام المصري في تدريب قوات الصاعقة في شوارع مدينة العبور: "رسالة ردع لأي طرف يفكر في اختبار قوة الدولة، وطمأنة للشعب تعكس جاهزية الجيش"، وفق تعبير البرلماني والصحفي
مصطفى بكري، لافتاً إلى أنه يأتي في إطار "تطوير قدراته لمواجهة حرب المدن أو مكافحة الإرهاب".
مخالفة قواعد التصوير
رغم عدم ظهور الكثير من المقاطع المنقولة عن مصورين مصاحبين للقوات المشاركة في اختراق الضاحية، وهتاف أفراد الصاعقة ضد الاحتلال، إلا أن المذيع المقرب من جهات أمنية أحمد موسى أكد على صحتها، واصفاً إياها عبر موقع "إكس" بأنها: "هتاف عظمة على عظمة وجبار".
وبينما قام أفراد عسكريون مصاحبون للتدريب البدني بتصوير الفعالية، لم ينشر المتحدث العسكري أيا من تلك المقاطع والصور عبر صفحته الرسمية، كما يظل لافتا عدم منع الجيش الأهالي في الشرفات وبالشوارع من تصوير قوات الصاعقة خلال اختراق الضاحية رغم أنه أمر ممنوع في العادة.
وطبقاً لـ(قانون رقم 292 لسنة 1956)، لا يُسمح بتصوير المنشآت العسكرية ولا أفراد الجيش، ويُعد ذلك مخالفة أمنية وقانونية، وتبدأ العقوبات بالغرامات المالية، والمصادرة الفورية لأجهزة التصوير، وصولاً إلى الحبس، وحتى المؤبد والإعدام بتهم "التجسس" أو "المساس بأمن الدولة".
مناورة سيناء.. رد فعل الاحتلال
يأتي ظهور قوات الصاعقة في الشارع المصري وفق مشهد نادر الحدوث، وبعد نحو أسبوعين من مناورة الجيش المصري (المشروع التكتيكي بدر 2026) بالذخيرة الحية في سيناء وعلى حدود فلسطين المحتلة في الفترة بين 26 و30 نيسان/أبريل الماضي، والتي أثارت غضب الاحتلال.
ومنذ ذلك الحين، ثارت مخاوف المستوطنين في المستوطنات القريبة من حدود مصر، من تكرار "طوفان الأقصى"، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو ما ظهر جلياً خلال تصريحات "أعضاء منتدى غلاف إسرائيل"، وعضوي الكنيست عميت هاليفي وتسفي سكوت.
وبعد يوم واحد من واقعة هتافات الصاعقة المصرية بالقاهرة، وبعد نحو أسبوعين من المناورة "بدر 2026"، أطلق جيش الاحتلال، الجمعة، مناورات مفاجئة على الحدود الجنوبية والشرقية،
اضطرابات الإقليم
ويجيء ظهور فرقة الصاعقة المصرية في الشارع المصري في توقيت يشهد فيه إقليم الشرق الأوسط اضطرابات جيوسياسية، مع استمرار اعتداءات الاحتلال على قطاع غزة وجنوب لبنان، فضلاً عن الحرب ضد إيران، التي طالت تداعياتها دول الخليج.
الوضع المضطرب يتزامن مع إعلان الإمارات في 7 مايو/ أيار الجاري عن وجود "مفرزة مقاتلات" مصرية متمركزة على أراضيها، بالتزامن مع زيارة أجراها رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي، وبعد أيام من الإعلان عن وجود أسلحة وقوات للاحتلال في أبوظبي.
الأمر الذي فجر جدلاً وخلافاً في الشارع المصري بشأن توريط الجيش المصري في معركة لا شأن له بها، ويُذكر بإرسال الرئيس جمال عبد الناصر قوات مصرية إلى اليمن عام 1962، ما تسبب في خسائر بشرية وصلت في بعض التقديرات إلى 15 ألف جندي بين قتيل وجريح.
بروباغندا مصنوعة
وفي رؤيته لدلالات مشهد استعراض قوات الصاعقة بالقاهرة، قال الباحث المصري والمتخصص في تحليل البيانات، حسام عبد الكريم: "النظام هو من صنع هذا الحدث (التريند)، حيث تعود منذ 2014، السير على طريق أسلافه من الأنظمة بالاعتماد على البروباغندا أكثر من الحقائق".
وفي حديثه لـ"
عربي21"، أكد أن "اختراق الضاحية دائما ما جرى خارج أسوار الكليات العسكرية؛ لكنه لم يأخذ نفس الزخم، ولطالما أولى نظام حسني مبارك احتفالات (نصر أكتوبر) أهمية، لعلاقته بالدولة العبرية، وكان يدرك خطورة الانجرار للتطبيع الشعبي، لهذا تربى جيل يحمل كراهية للكيان".
وتابع: "لكن مع قدوم السيسي، وقيام شرعيته على دعم الخليج العربي و"إسرائيل"، بدت محاولات التطبيع بالمستوى الرسمي والشعبي، وفي عهده لم نر زخم احتفالات أكتوبر، فيما وجه بوصلة المصريين نحو عداء تيار الإسلام السياسي عبر الإعلام والدراما".
وأردف الباحث المصري: "بالتالي فإن لقطة المسير العسكري موجودة في سياق طبيعي؛ لكن الجديد أنها لاقت زخماً أكبر من حيث عدد الضباط، والتغطية الإعلامية، وتعمد إطلاق هتافات ضد إسرائيل كانت قد اختفت منذ 2014 من اللغة الرسمية المصرية".
رسالة للداخل لا لدولة الاحتلال
وحول انعكاسات هذا المشهد، يعتقد أنه "لا شيء، وهي مجرد بروباغاندا لن تغادر الشاشة التي ظهرت عليها؛ وإسرائيل ليست بحاجة لهكذا مشهد لتتلقى رسالة مصرية منه، فلديها معلومات عن قدرات وتحركات وحتى نوايا مصر، واختبرتها خلال حرب غزة وتأكدت من ضعف الرد وعدم قدرته".
وأكد أنه "رسالة للشعب، خاصة بعد مرور الجيش بأزمة انفضاح وجود مفرزة القوات الجوية بالإمارات، وشبهات وضع مقاتلات مصرية قرب منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية، وبالتالي فإن الجيش والنظام يحتاجان لإصلاح جزء مما فسد بتصدير تلك المشاهد والهتافات ضد إسرائيل".
وخلص للقول: "الواقع الحقيقي يقول إن مصر ما زالت عاجزة عن منع ملف تهجير الفلسطينيين لأراضيها، وغير قادرة على حماية أمنها المائي مع إثيوبيا، ولا وقف مليشيات الدعم السريع بالسودان".
كما "لديها إشكالية في باب المندب والبحر الأحمر ومضيق تيران؛ ولذا يحاول النظام صرف أنظار المصريين بمشاهد دعائية، وحينما يفشل بالميدان يحاول الانتصار بالدراما والبروباغندا".
ماذا قال المصريون؟
وفي ظل تلك التشابكات الإقليمية، أثار ظهور قوات الصاعقة المصرية بمدينة العبور نقاشاً واسعاً حول أهداف الجيش من ذلك الظهور، وتساؤلات من قبيل: هل هي رسالة للاحتلال بعد غضب تل أبيب من مناورة (بدر 2026)، وإثر إرسال المفرزة المصرية للإمارات.
وهنا تباينت آراء المتابعين، فبعضهم قال إنها "رسالة تخويف للشعب"، أو "محاولة للتقرب إلى المصريين بعد الفجوة التي أحدثها السيسي منذ 2013 بين الجيش والشعب"، فيما ربط آخرون بينها وبين حدث آخر شهدته شبه جزيرة سيناء بظهور موكب إبراهيم العرجاني مجدداً بعد غياب.
ورأى الناشط السياسي المعارض خالد السرتي في ظهور قوات الصاعقة بمدينة العبور أن "الجيش يعطي رسالة مبطنة للسيسي: مش (ليست) بلدك وحدك"، مؤكداً أن "هتافات الصاعقة بوضع الاحتلال تحت قدمها، غير معتادة حتى من أيام جمال عبد الناصر".
وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال إن "الحقيقة الصادمة أن الظهور المفاجئ للجيش كان رداً على مظاهرة السيارات المرعبة التي قام بها العرجاني في سيناء، والتي تكرس لاحتلال ميليشيات العرجاني مساحة أكبر من النفوذ على حساب الجيش".
وفي مشهد مهيب، عاد موكب زعيم قبائل سيناء والقبائل العربية ورئيس مجلس إدارة "سيناء جروب" إبراهيم العرجاني للظهور بمواقع التواصل الاجتماعي، خلال استقبال محافظ شمال سيناء الحافل له بمدينة "السلام"، وذلك بعد نحو عامين من اختفاء أي مقاطع لموكبه الفخم.
التكنولوجيا قبل الأفراد
جانبٌ آخر من سجال المصريين يقول إن تفوق الجيوش حالياً ليس بالجاهزية البدنية للأفراد بقدر التسلح بأحدث المُسيّرات والتكنولوجيا العسكرية. وتحت عنوان: "حرب أفراد أم تكنولوجيا؟"ز
تساءل الكاتب والأكاديمي المصري أحمد سالم حول المقصد من مشهد طابور قوات الصاعقة بشوارع مدينة، مع تعمُّد اختيار "العبور"، وهل هو القول بأن مصر لديها جيش قوي وحامٍ؟ وأنها رسالة تطمين للشعب؟.
واستدرك قائلاً عبر صفحته بـ"فيسبوك": لكن حروب هذا الزمان لم تعد حروباً بعدد الأفراد، بل أصبحت حروب التكنولوجيا، والمُسيّرات القادرة على تدمير الدبابات ومركبات المشاة، والطائرات الشبحية، والصواريخ العابرة للدول والقارات والموجهة عن بُعد، وحروب استخبارات ومعلومات.
ترتيب الجيش المصري
تراجع ترتيب الجيش المصري في قائمة تصنيف (Global Firepower) لأقوى الجيوش لعام 2025 أربع درجات دفعة واحدة عن ترتيبه في العام 2024، مسجلاً المركز (19) عالمياً من إجمالي 145 دولة شملها التصنيف.
سبقه في الترتيب الأحدث 3 جيوش في إقليم الشرق الأوسط ومحيطه، وهي: تركيا (9) عالمياً، وإسرائيل (15)، وإيران (16)، وجيشان لدولتين مسلمتين هما باكستان (12)، وإندونيسيا (13) عالمياً، وبذلك يكون تراجع 10 مراتب خلال 4 سنوات؛ حيث كان أفضل تصنيف له عام 2020 التاسع عالمياً.