ربما يبدو الأمر
غريبا بعض الشيء، لكن ترفع الغرابة إذا دققنا ببعض التحولات الجارية والمسارات
التي تصيب العالم بسرعة قياسية. فالرحِم الذي استولد هذا الكيان عام 48 تتبدل
عناصره باضطراد، وهناك عناصر مهمة جدا تغيرت وهناك عناصر في طريقها إلى التبدل
وهناك عوامل وقفية، وصولا لانتهاء زمن الأحادية الأمريكية الذي جعل المنطقة تخضع
للروية الأمريكية لعقود لا سيما منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وإطلاق السلام الأمريكي.
فأمريكا "المرتاحة" حينها ساعدت بالمباشر في
تدعيم
إسرائيل؛ ليس بالتعاون والدعم السياسي والعسكري فحسب، إنما أيضا باحتلالها
عواصم عربية وضربها لأخرى واستقطابها البقية بالقسر، ناهيك عن آثار استراتيجية
العولمة التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية على مجتمعاتنا وتداعياتها الخطيرة.
فالضامن الذي اعتمدت عليه إسرائيل للاستمرار يدخل في أزمة هيمنة وتعريف لذاته ولأولوياته
ولحضوره العالمي، وبدا ذاك ينعكس تدريجيا في المنطقة وبتسارع.
أولئك الذين راهنوا على أمريكا والتقرب منها فتراهم تراجعوا خطوات إلى الوراء يعيدون النظر نتيجة تراكم شكوكهم بحماية أمريكا لهم وموثوقيتها
ومن المعلوم أن إسرائيل وبقاءها واستمرارها رهن لأمريكا
ولا تملك ذاتيا قدرة الاستمرار مهما ادعت وصرحت بعكس ذلك (منذ عقود وهي تتحدث عن
رغبتها اعتمادها على ذاتها). أما أولئك الذين راهنوا على أمريكا والتقرب منها فتراهم
تراجعوا خطوات إلى الوراء يعيدون النظر نتيجة تراكم شكوكهم بحماية أمريكا لهم
وموثوقيتها.
أما الأمر الثاني فيكمن في تحول التعاطف والمزاج العالمي
والغربي خصوصا من تبني رواية "إسرائيل" إلى
فلسطين، ومن الرؤية
الاستشراقية التي استغرقت في التحيز المعرفي إلى النظر إلى الواقع والتمييز بين
قوى
المقاومة والتحرر وحركات الإرهاب ودوله. صحيح أنه لا زال إلى الآن عبارة عن
مزاج وحراك عفوي، لكن تدريجيا يمكن أن يتحول إلى مواقف سياسية للأحزاب تنعكس في
سياسات الحكومات المقبلة أو الحالية التي تريد أن تكسب انتخابيا. فالرواية اليوم
تقترب أكثر من الواقع، وحفلات العلاقات العامة التي نشطت بها إسرائيل تاريخيا
لشراء منصات ومسارح التأثير المختلفة والإعلام والنخب لم تعد مجدية ولم تعد قادرة
على إيقاف التحول.
ثالث العناوين وربما أحدثها هو دخول المجتمع الصهيوني في
مربع يمين اليمين والإفراط في التطرف وممارسة العنصرية، ونبذ وراء ظهره حتى أوليات
القوانين الإنسانية والتوافقات الأممية والقرارات الدولية والأعراف والمؤسسات، إذ
وصل به الحال إلى أن دفع الكنيست لاستصدار قوانين من قبيل إعدام الأسرى وعدم
الاعتراف بالضفة كجزء من الدولة الفلسطينية، وضم الجولان، ناهيك عن تشديده على
القدس كعاصمة نهائية له.. الخ. هذا الجموح إلى التشدد المرعب والقتل ومزيد منه؛ لا
يمكن أن تحمله المؤسسات الدولية سياسية كانت أم قانونية أم حتى تكتلات وقوى شعبية،
حتى تلك الحليفة أو التي تراعي الكيان، فنتوء هذا النموذج المفرط في الحقد والإرهاب
صار نافرا لحد لم يعد ممكنا تنعيمه أو احتواؤه، لقد أصبح نافرا بما لا يطاق. كما
لا يمكن لتطرف المجتمع أن يحمله الجيش ومؤسسات الكيان الأمنية، إذ تبين هذا الجيش
غير قادر على ترجمة هذا التطرف في خطاب المجتمع على أرض الواقع كما أثبتت الأعوام
الثلاثة الماضية، هو غير قادر على تلبية عنصرية الجمهور الإسرائيلي وكرهه للآخر
ومطالبه التعجيزية بالتخلص من المقاومة واحتقار المسيحي كما المسلم، فالوسائل مهما
ابتدع الجيش منها لكنها في نهاية المطاف تعاني من قيود.
العنوان الرابع هو ظهور جبهة المقاومة ثم صمودها الأسطوري
والتاريخي. عام 1948 أي عام
النكبة، تهاوت الجيوش العربية وتم التهجير في أسابيع
قليلة أمام عصابات الهاغاناه وغيرها، أما اليوم ورغم المشاركة الأمريكية المباشرة
في الحرب إلى جانب إسرائيل فلم تسقط أي ساحة بيدهم وثبت الجميع، والبعض حقق إنجازا
كبيرا في المواجهة كما الحال مع الجمهورية الإسلامية في إيران.
إذا اليوم نحن أمام جبهة مقاومة فعلية قوية قادرة وفرضت
معادلة كبرى وأفشلت أهداف العدو رغم الأكلاف والأثمان مقارنة بالنكبة التي حلت في أسابيع
قليلة. ونحن اليوم أمام مجتمعات غير مسبوقة في وعيها وإرادتها ونضجها والتزامها
وقناعتها بأهدافها وحقها، أي نحن أمام انبعاث مجتمعي في ساحات المقاومة من غزة إلى
طهران.
نحن أمام جبهة مقاومة فعلية قوية قادرة وفرضت معادلة كبرى وأفشلت أهداف العدو رغم الأكلاف والأثمان مقارنة بالنكبة التي حلت في أسابيع قليلة
فالمجتمعات تسبق نخبها بل حتى تسبق النخبة الدينية أحيانا والنخبة السياسية،
وهي اوعى لذاتها وأهداف عدوها وأكثر ثقة بمشروعها والتضحية لأجله دونما تردد،
ولديها أمل قوي بانتصار حقها وتحررها، وهذا خلاف هيئتنا عام 1948.
للمستقبل، ولإتمام الشروط اللازمة للعودة نحتاج أولا
لتعزيز التقارب الإسلامي- الإسلامي وهذا الأهم في هذه اللحظة، فالصهاينة اليوم
خشيتهم كبيرة من هذه المسألة ويعتبرون أنهم خسروا هذه النقطة التي وظّفوها ضدنا
بقوة. ونحتاج أيضا لتقوية خطابنا وتقديمه للعالم كي يتحول مزاجه إلى موقف سياسي،
وهذه مسؤولية إعلامنا ونخبنا وأهل البيان، وتحتاج استراتيجية عاجلة. كما نحتاج
لنمنع أي محاولة لإضعاف التحول الجاري، كالأداء المشين الذي نراه في البحرين
والإمارات وسلطة لبنان، فالأولى تسحب جنسيات وتعتقل بتعسف وجنون، والثانية تلتصق أكثر
بالصهيوني والثالثة تلتف لتفتح طريقا موازيا مع ترامب ونتنياهو بعيدا عن غالبية
مجتمعها وعن المسار العام الذي تتموضع فيه غالبية شعوبنا العربية والإسلامية؛ من
طهران إلى القاهرة إلى إسلام آباد إلى أنقرة والدوحة وبغداد كما يحدث اليوم، فهذا
الفعل يرقى لمستوى الخطيئة الكبرى التي لا يجب القبول بها ومن الضروري التصدي له.
وأخيرا وليس آخرا، هناك استمرار الفعل وإبداع المقاومة
وعدم التوقف وتحويل كلفة الاحتلال إلى أمر لا يطاق على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية،
فالاستنزاف وإكمال العمل دون توقف والإبداع في إيلام المحتل شرط ضروري.
ختاما، إن مقدمات العالم الجديد بدأت ومسار
العودة بدأ
معها، لكن سرعة تحقيق ذلك رهن أخذنا بالأسباب الآنفة بقوة وتتميم الخطوات والشروط.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.