لم تكن
الحروب في تاريخها عسكرية فقط، بل بالإضافة إلى ذلك هي سياق وتوقيت مناسب وشرعية
معقولة (فيما لم تتوافر المشروعية). تفتقد
أمريكا اليوم أغلب هذه العناصر في مواجهتها المحتملة مع
إيران، فالحرب ليست
حرب
الضرورة بالنسبة للأمريكيين بل ليست حربهم بقدر ما هي حرب نتنياهو. والإجماع
الداخلي على فكرة الحرب غير متوافر كما تظهر كل الاستطلاعات على خلاف حروب كثيرة
خاضتها، كما أن الاستقطاب الداخلي في أوجهه، والغرب لم يعد موجودا كما قال
المستشار الألماني ميريتس، وبات مفككا بين ضفتيه، وأوروبا هي الأخرى غارقة في
البحث عن أمنها بين عدوّين (بوتين وترامب) كما يعبر بعض كبار ساستها وعن مستقبلها
ومستقبل دولها، ولا تمتلك رؤية لما بعد النظام الدولي الذي كانت أساسا في بنائه
ذات يوم؛ هل تعود إلى الأمننة ونظريات التوازن الكلاسيكي أم تبقى على العولمة
والنموذج الاتحادي، مع خطر حرب أوكرانيا المتعاظم وتأثيراته عليها.
ولا تجد أمريكا
أي إجماع أو توافق على خطوتها، لا مما تبقى من مؤسسات دولية ولا من عدد معتد به من
الدول والحكومات، فإذا استثنينا إسرائيل وبريطانيا وأوكرانيا بشكل أساسي، فلا تحظى
هذه الخطوة على حماية أو رغبة فعلية من دول للانخراط فيها عسكريا وتحمّل أعباءها.
لا تجد أمريكا أي إجماع أو توافق على خطوتها، لا مما تبقى من مؤسسات دولية ولا من عدد معتد به من الدول والحكومات
أما الصين
وروسيا اللتان تعتبران دولتين من الحجم العالمي والقاري على السواء، فهما لأول مرة
تستشعران أن الحرب الأمريكية على إيران فيما لو وقعت ورجحت فيها الكفة لأمريكا
ستكون تهديدا فعليا لمستقبل نفوذهما، فإيران اليوم بيضة "القبان الدولي"
ومفتاح توازناته المقبلة وربما يكون هذا هو السبب الرئيس الذي أدى إلى تغيرات في
مقاربتهما ولو الجزئية من خلال ما يحكى عن بعض الدعم والمساعدة اللوجستية والفنية،
فضلا عن الموقف السياسي والجاهزية لأي دور دبلوماسي، بل إن الظروف الموضوعية
تدفعهما للتقاطع أكثر مع إيران في رؤيتها لتحدي الهيمنة على المنطقة (الشرق الأوسط)
التي هي في نهاية المطاف -أي المنطقة- أشبه بالبهو والممر والرئة لكليهما، لا سيما
للصين ومحورية خط الحرير لمستقبلها.
أما دول
الإقليم (نستثني الأردن وما نقل عن سوريا الشرع أنها ستسمح بالإفادة من أجوائها
للعمل ضد إيران) فلم تكن منذ عقود في هذا الموقف العلني الرافض للتعاون مع أمريكا
-بمعزل عن الدوافع وتعددها بين دولة وأخرى- لكن يبقى لموقفها تأثيره المهم في سياق
الحرب المحتملة وشرعيتها وقانونيتها، وتتقدم باكستان وأفغانستان على غيرهما من دول
المنطقة بإعلانهما جاهزيتهما للمساعدة إذا طلبت الحكومة في إيران ذلك، ويتميز
العراق في موقفه؛ حكومة والأهم كشعب وقوى مقاومة ومرجعية دينية، في دعم إيران
واعتبارها حربا على نموذج إسلامي فريد وعلى المرجعية الدينية.
أما حلفاء
إيران في الإقليم من قوى "لا دولتية" فلا زالوا قوة فعلية موثرة تأثيرا
نوعيا رغم ما أصابهم من ضربات في السنوات الثلاث الماضية، وتخشى إسرائيل من
قدراتهم ودورهم المحتمل فيما لو وقعت الحرب، والأهم أن مبررات مشاركتهم قائمة كون
إسرائيل تحتل أرض لبنان وإخراجها واجب على الجميع (ويبدو أن الحكومة ليست في وارد
تحرير الأرض ووقف العدوان بل تسير في الاتجاه المعاكس)، وبالتالي قد يتحينون
الفرصة لتحرير أرضهم والدفاع عن شعبهم.
أما
الشعوب على امتداد العالم فسئمت أمريكا وترامب ونتنياهو وتكبرهم وعسفهم، وهي تقف
اليوم -ولو بالكلمة- خلف الجمهورية الإسلامية لمواجهة رياح الهيمنة الأمريكية.
أما على
صعيد الداخل الإيراني، فإيران في أفضل مرحلة من مراحلها منذ انتصار ثورتها لجهة
التماسك ووحدة الموقف، وهي استفادة من تعجل الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية في
الداخل الإيراني لكشف خيوط ما كان مخططا.
هل سيتحمل العالم كلفة هذه الحرب التي من المؤكد أن إيران ستجر فيها أمريكا وحلفاءها إلى حرب طويلة واستنزاف، وترفع كثيرا من كلفة الحرب عليهم؟ وتعلم
يبقى أمر
بالغ الأهمية، هل سيتحمل العالم كلفة هذه الحرب التي من المؤكد أن إيران ستجر فيها
أمريكا وحلفاءها إلى حرب طويلة واستنزاف، وترفع كثيرا من كلفة الحرب عليهم؟ وتعلم إيران
أن أمريكا غير قادرة على حسم هكذا حرب أو حتى إيقافها أو تحديد خطة الخروج، وتراهن
على إمكانية ارتدادها على ترامب عند أول تعثر وإخفاق (صور قتلى وأسرى أمريكيين
واقتصاد وتضخم وغير ذلك). تعلم إيران أن ثباتها سيؤدي إلى توسع الحرب وتشتد، وقد
تعلن دول مظلة نووية لصالح إيران إذا أقدمت أمريكا أو إسرائيل على التلويح بالسلاح
النووي.
بالعموم، السياقات
مناسبة جدا لإيران وتختزن فرصة كبيرة لها إذا نجحت في إسقاط أهداف أمريكا، وقد
يكتب لإيران الإسلامية أن تكون هي من يسقط الهيمنة العالمية الأمريكية وينزلها عن
عرشها، فالنفس الطويل الذي تعاطت به إيران وصمود حلفائها الأسطوري كان كفيلا
بتغيرات عميقة في تحديد المسرح الدولي وتمييز أطرافه وطبيعة الصراع فيه، بينما لا
تخدم السياقات إدارة ترامب البتة.
يبقى
العنصر العسكري وعنصر التوقيت. فأما عنصر التوقيت باعتباره نصف الحرب ففقد قيمته
بعد أن فقدت أمريكا عامل المباغتة وانكشفت الكثير من مخططاتها التي عملت عليها
لعقود لا سيما الداخلية. أما العنصر العسكري وهو الميزة الوحيدة بيد أمريكا والميزة
الفائقة، فنقول رغم ذلك فإنه لأول مرة في تاريخها الحديث ستخوض إدارة أمريكية حربا
مع دولة فعلية مكتملة العناصر، لها موقعها ولها خطابها العابر ودولة ملهمة لشعوب نظرا
لمنطقها الديني-المقاوم، وهي دولة مجرّبة على الحروب وشعبها عنيد ولديه نفس طويل
وقوة عقيدة غير متوافرة في أي دولة اليوم في العالم، ناهيك عن أن حروب أمريكا
السابقة كانت مع دول ضعيفة وممزقة وغير متماسكة وتعاني من أزمات فعلية. وماذا لو
افترضنا أن يكون لإيران مفاجآتها العسكرية والأمنية؟ وهل ما رأيناه في المجال
الصاروخي الذي دك الكيان وأمنه الاستراتيجي وهز تل أبيب والمدن الكبرى كان نموذجا
مصغرا عما سنراه في الحرب المقبلة إذا وقعت؟