مشكلتي
ليست مع
العلمانية، ولكن مع العلمانيين الجدد، فهم ليسوا أكثر من جماعات وظيفية،
تؤدي دورها في خدمة الاستبداد ومساندته في شتى الساحات، بما فيها أن يتحولوا إلى
أدوات للفرقعة تستهدف سحب الرأي العام بعيدا عن أزماته الحقيقية!
ومن
العبث أن كثيرين لديهم فائض طاقة، مع أنه يصب عليهم البلاء صبا، فينشغلون بهذا
القول وذاك القائل، باعتبارها الحرب على الإسلام، والخوف من هزيمة الدين على أيدي
هؤلاء، وهي حالة تبعث على الكدر؛ ذلك بأن أي نقاش حقيقي مع العلمانيين الجدد من
شأنه أن ينتج الدليل الشارح للطبل الأجوف!
العلمانيون
الجدد يتعاملون بأسلوب الصدمات الكهربائية، فيكفي أن يقول أحدهم قولا يستغربه
البشر، فيكون هذا مدخلا للهجوم بدون نقاش، وهو ما يحقق لهم ما يصبون إليه، وللدقة
كل ما يصبون إليه، فلفت الانتباه إليهم، والانشغال بهم، هو غاية المسعى في نجاح
الدور الوظيفي للاستبداد. والنقاش من شأنه أن يعريهم، لأنهم يفتقدون الفكرة
المتماسكة، ويواجهون مَن زادُهم من الدين هو العاطفة الدينية، فيتحركون لنصرة
دينهم مدفوعين بالخوف، وكأنهم يتعاملون مع فكرة بشرية، وليس مع دين تكفل الله
ببقائه، بحسبانه الدين الخاتم!
والصدمات
الكهربائية لا تمثل فكرا يُستند إليه، ولا يتعامل بها إلا من يعاني الخواء الفكري،
وأثرها يزول حتما بالنقاش الحقيقي للفكرة المعلنة. ولقد عشنا مع دعوة "قانون
العبادة الموحد"، باعتبارها دعوة علمانية، وبدا الآخرون لا يريدون نقاشا،
لأنهم ينطلقون من تصور بليد، يقوم على أن عدد المساجد ومساحتها أكبر عند مقارنتها
بعدد السكان، في حين أن ديرا واحدا أكبر مساحة من مساجد القاهرة الكبرى جميعها.
عندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"، تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة المدنية
ومن
عجب أن ينطلق بعض الحقوقيين، الذين جعلوا من الطائفية مدخلا لنشاطهم الممول من
الخارج، من أن عدم وجود قانون عبادة موحد بين المسلمين والمسيحيين هو لون من ألوان
الطائفية المقيتة، والأعجب هو صمت الكنيسة مع مثل هذه الدعوات، فلا تقول إنها لا
تريد مثل هذا القانون!
وقد
انبريتُ ودعمت فكرة قانون العبادة الموحد، لأن أحدا لا يقول إنه ليس لمصلحة
الكنائس، وإذا استبعدنا ملف الأديرة من الموضوع، فإن معايير الدولة المدنية هي أن
يسري قانون واحد على كل دور العبادة، فإما أن تكون تابعة جميعها لوزارة الأوقاف،
تعين القساوسة كما تعين الأئمة، وإما أن تخلي سبيلها جميعا، فتكون تبعية المساجد،
كما تبعية الكنائس، للمؤسسة الدينية، وهي
الأزهر، في مقابل الكنيسة. ووزارة
الأوقاف ليست هي المعادل الموضوعي في هذه المسألة.
ساعة
الجد، وعندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"،
تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا
بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة
المدنية، ولأنهم يدركون أن الصدمات الكهربائية تأخذ البعض للدفاع عما يعتقدون أنها
امتيازات لصالح المساجد، مع أنها غير حقيقية!
المعركة
مع الأزهر:
وفي
هذه الأيام ينشط هؤلاء النفر، الذين لا هم حركة ولا تيار، ونشاطهم هو من باب
النضال المجاني، الذي لن يتسبب لهم في مشكلات مع أنظمة القمع، لأنه يخدم أهدافها،
دون أن تكون ملزمة بمكافأة هؤلاء الخَدَم، وفي المقابل يضمن هؤلاء حضورا عاما،
وشهرة يريدونها، دون أن يكلف أحدهم نفسه صياغة رأيه بشكل مناسب، أو قراءة كتاب
واحد. والسلطة بحاجة إلى من يقوم بذلك، وهي تريد أن تمرر قانون الأحوال الشخصية
وفق حسابات خارجية، دون المرور على الأزهر الشريف.
لقد
جربت السلطة في السابق وسيلة التطاول على شيخ الأزهر، فيقوم مذيع هنا ومذيع هناك
بإهانته، وعندما يصدر حكم قضائي بإدانة من أهان الرجل، متجاوزا حدود النقد المباح،
تتدخل السلطة وتلغي الحكم! إلى أن حدث ذات مرة أن فعلها واحد من مقدمي برامج التوك
شو، وإذا بتحرك الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، في معركة دفاع عن الشيخ،
عندئذ أدركوا أن ممارسة أسلوب التطاول لن تمر بسلام، فتطوع العلمانيون الجدد
للقيام بالمهمة، لكي يتم تمرير قانون الأحوال الشخصية وفق المقاييس الخارجية!
من
قبل قالوا: لا بد من قانون موحد للأحوال الشخصية، ليضع البعض أيديهم على قلوبهم
مخافة أن يحدث هذا، وهؤلاء الذين يسارعون في الخوف هم من يكونون سببا في نجاح مهمة
المتعاملين بالصدمات الكهربائية، مع أن المنطق هنا هو أن يُطلب منهم موافقة
الكنائس الثلاث على ذلك، ولن توافق عليه كنيسة واحدة، وفي مثل هذه الحالات يترك
ممثلو الديانات الأخرى العلمانيين الجدد، دون وقفهم بإعلان أنهم لا يوافقون على أن
يكون قانون الأحوال الشخصية موحدا، فهم بالكاد، وبعد سنوات طويلة، تمكنوا من إعداد
قانون يحوز موافقة الكنائس، وكانت هذه الموافقة مشكلة عويصة تواجه البابا شنودة!
سلطة
التشريع.. الأزهر أم البرلمان:
لقد
أعدت الكنائس قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، ووضع العلمانيون الجدد أحذيتهم في
أفواههم، فلا كلمة عن مدنية الدولة، ولا حديث عن أن هذا من ملامح الدولة الدينية
كما يتخيلونها، ولم يقل أحد منهم إن سلطة التشريع في الدولة المدنية للبرلمان،
وليس للبطريرك، لكن عندما فوجئنا بقانون للأحوال الشخصية للمسلمين تم سلقه بليل،
نفروا خفافا وثقالا، يتحدثون عن أن الدولة المدنية الحديثة لا تبيح دورا لرجال
الدين في أي شأن من شؤون الحكم، ومن بينها التشريع الذي هو سلطة البرلمان.
ونقف
أمام جهَلة لا يميز أحدهم بين إعداد القانون وإقراره، فاندفعوا يقولون إن التشريع
من سلطة مجلس النواب، في حين أن الحديث هنا عن مشروع قانون أعدته لجنة حكومية
باطلة، انتهى دورها بموجب قرار تشكيلها، ولكنهم يمارسون التضليل.
العلمانيون
الجدد يعبدون عناوين اسمها مؤسسات الدولة، مع افتقاد الشجاعة في أن القيمة ما دامت
للمؤسسات، فلا بد من الوقوف ضد العبث بها وتفريغها من المضمون، والأصل أن البرلمان
يعبر عن الشعب بانتخابات نزيهة، فهل ضُبط أحدهم متلبسا يوما بإدانة تزوير إرادة
المواطنين، وتشكيل مجلس نواب سابق التجهيز؟! ألم يصلهم نبأ ذلك؟!
إن
قانون الأحوال الشخصية، في جانب كبير منه، هو دين، والدين شأن للأزهر بنص الدستور،
ولا أريد للحوار أن يكون قانونيا، فهم يجهلون القانون، كجهلهم بالعلمانية ونشأتها
الأوروبية، التي جاءت للوقوف ضد تسلط الكنيسة وحمايتها للاستبداد، فكانت دعوة إلى
الحرية، فأين هؤلاء من معارك الحرية، وهم لا يعرفون إلا موضوعا واحدا، وهو إبعاد
الأزهر عن شؤون الدولة والحياة؟ ولا أقول إبعاد الإسلام، لأن الحاصل الآن ليس هو
الفصل بين الدين والحكم، ولكن الإشكالية في أن النظام الحاكم هو من يريد احتكار
الإسلام، باعتباره أعلم من الجميع به!
ولم
تصادف الشجاعة يوما أحدا من هؤلاء، فيقول للحاكم وهو يسعى لاحتكار الفهم الديني:
مكانك! وذلك عندما يتحدث حديثا أقرب إلى زمن الحكم بالحق الإلهي، وبما يتنافى مع
قيم الدولة الحديثة، عندما يقول إن الله هو من سيحاسبه وليس أحدا غيره، ففي الدولة
المدنية الحديثة الشعب هو من يحاسب الحاكم، ويختاره، ويعزله، فلماذا لا يمدون
الحبل على استقامته؟!
بل لم
ينطق أحدهم بكلمة دفاعا عن قيم العلمانية، في مواجهة ترامب، الذي أوشك أن يدعي أنه
"المسيح الحي"، فهذه علمانية انتقائية، فضلا عن أنها ليست العلمانية كما
جاءت في نشأتها الأوروبية!
أساس
العلمانية الحديثة:
لقد
انبعث أشقاها يفرقع "بمب" العيد، فوضع أساس العلمانية، وعلى طريقة
الصدمة الكهربائية، فقال إنها حق كل إنسان في اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو
تركه، وممارسة الشعائر الدينية من عدمها حق، ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين
والقانون، والفصل بين السلطة الدينية والسياسية، وألا تحكم المؤسسة الدينية الدولة
مباشرة، فشرعية الحكم تأتي من القانون والمواطن!
إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟!
إنه
يدرك أن أحدا لن يناقشه مع الصدمة الأولى الخاصة بالحق في التحول الديني، لتحرك
العاطفة الدينية وهي تستدعي حديث الردة، وهو موضوع شرحه يطول، وقد تداخل فيه
السياسي والديني، مع أن الواجب أن نؤيد هذا الحق، وعندئذ سيتوقف العلمانيون الجدد
تماما عن الكلام فيه؛ لأن آخرين سيرفضون ذلك، فمع كل حالة اعتناق للإسلام، يكون
الإعلان أن من فعلت ذلك تم اختطافها!
ولا
يتحدث العلمانيون الجدد عن إعادة من تعتنق الإسلام إلى الكنائس، ولم يدافع أحدهم
عن حق وفاء قسطنطين مثلا في أن تعيش حياتها كما تريد، هل يجهلون فعلا أنه تم
تسليمها للكنيسة بأوامر من زكريا عزمي، لتعيش في الدير، وكأن البطريرك هو رئيس
دولة المسيحيين، وبينه وبين القاهرة اتفاقية تسليم مجرمين؟! لماذا لم يطالب أي
منهم بلجنة تقصي حقائق للوقوف على الحقيقة، احتراما لقيم العلمانية، والحق في
اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو تركه؟!
ولماذا
لا يعلنونها صريحة في مواجهة الموقف والرأي السياسي من المؤسسات الدينية الأخرى،
ولا يشغلهم سوى الأزهر، لأنه ليس على "مزاج السلطة"؟!
انتبه،
إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم
تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح
عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط
أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟! كما أن الحديث عن أن المواطنين ينبغي أن
يكونوا المصدر الثاني للشرعية -بعد القانون- يلزمه الدعوة إلى انتخابات حقيقية،
يختار الشعب حاكمه عبرها!
إن
جوهر العلمانية هو رفض الاستبداد، وقد ثارت على استبداد الكنيسة، ونسق الحكم بالحق الإلهي التي أوجدها حكم رجال
الدين، لكنهم لا يجرؤون على أن تكون الكنيسة جزءا من جملة سلبية!
ولم
نشاهد حكم الكنيسة، كما أننا لا نعيش في دولة يحكمها الأزهر، لكن المنطقة موبوءة
بالاستبداد العسكري، حتى أصبحت الانقلابات العسكرية في القارة السمراء من المعلوم
منها بالضرورة، والعسكر فيها هم حلفاء فرنسا، بلد النور ورعاياها، ولم تمنع
العلمانية المتشددة فرنسا من الوقوف وراء هذه الانقلابات، ومن استمرار الحكم
العضوض، ولا نجد مدعيا للعلمانية من هؤلاء النفر يدين هذا اللون من الاستبداد
لإثبات انتماء أصيل لقيم العلمانية! وهو النصب الذي يمارسه من ليسوا على شيء، في
معارك النضال المجاني، وهم يرفعون لافتات لا يمكن أن تصمد أمام أي مناقشة حقيقية!
إنهم
تنظيم عَبَدة العناوين!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.