عدنا
من جديد لنغمة "امسك إخواني"، وذلك على خلفية
النعي غير المسؤول من جماعة
الإخوان المسلمين (فرع محمود حسين) لأستاذ اللغويات بجامعة المنوفية والخبير بمجمع
اللغة العربية، الدكتور
خالد فهمي، حتى رُفعت دعوات استئصال الإخوان من الجامعات،
والذين يتحركون في المجتمع بأريحية، دون أن يُعرف أحد أنهم إخوان!
معرفتي
بالفقيد الكبير لا تتجاوز الصداقة على "فيسبوك، وهو من الأكاديميين الذين
أحرص على متابعة كتاباتهم، وليس شرطا الكتابة في السياسة، التي يفتي فيها كل من هب
ودب. أتابعهم إذا كتبوا في أحوال الدنيا، ولو دروسا في اللغة -كما يفعل د. مصطفى
رجب- فكتاباتهم تذكرنا بشيء غطت عليه التكنولوجيا الحديثة، عندما استيقظت البشرية
ووجدت من حقها الكتابة والإفتاء في كل مجالات الحياة.
وإذ
كان د. خالد فهمي منفتحا على الجميع، فمن الصعب قولبته سياسيا، وكثير من الشخصيات
هي على هذا النحو، وبعض الشخصيات الأكثر أيديولوجية أدركت بالتجربة أن الإقصاء
لأسباب تنظيمية خطر على المجتمع، فانفتحوا على غيرهم، حتى إذا مس الضر أحدا من
هؤلاء اختلط أمره على العامة، ومن يدافعون عنه من ألوان الطيف السياسي.
الأزمة
قادمة:
بموته
المفاجئ، فقد ذهبتُ للخاص بيننا، ووجدت تحية صوتية بصوته، كما وجدت تهنئة منه في
مناسبات مختلفة، وعلمت بعد ذلك أن كثيرين يشاركونني في هذا الامتياز الذي خصهم به
الدكتور خالد فهمي، وإذ كتبت نعيا، فقد هالني هذا السيل من كلمات الرثاء في صفحات
أناس من الخارج، وبعضهم كتب أنه يعرفه على المستوى الشخصي، فبينهم علاقات تاريخية!
والأمر جائز، فتخصص الرجل في مجال الدراسات اللغوية يجعله على تلامس مع كثيرين،
يعد فقه اللغة ضمن اهتماماتهم المعرفية!
ومع
هذا، فقد استشعرت أن أزمة قادمة، وأن الرثاء لن يفسر على أنه من "الواجبات
الاجتماعية"، أو حتى في إطار "عقدة الإخوان" في عدم الانفتاح على
الآخر، أو الانفتاح الحذر الذي دفعت إليه الضرورة التنظيمية، وهذه المناسبات من
شأنها أن تجعلهم يتجاوزون هذه العقدة، لدرجة أنهم ينعون من ليس منهم، لمجرد أنهم
رأوا أعداد المحبين له!
وقرأت
لحساب ميت، يحلل هذا الاندفاع من الذين يعيشون في الخارج، ولا سيما في تركيا،
ويفسره على أنه نعي من الإخوان لواحد منهم، وكيف لهذا الذي منهم أن يظل بين الناس،
وخارج السجن، ويعمل في الجامعة ويتعامل مع البشر.
وبدا
لي أن هذا المنشور هو كلمة سر الليل، فدعوت الله اللطف فيما جرت به المقادير، وما
هي سوى ساعات حتى نزلت مجموعة الدكتور محمود حسين بنعي ملتبس، فـ"الجماعة
تنعي للأمة الإسلامية والعربية واحدا من أبنائها البررة، اللغوي الجليل الدكتور
خالد فهمي"، وبصياغة مرتبكة، فلا تعرف ما إذا كان "واحدا من أبنائها"
يعود على الأمة العربية والإسلامية، أم أن الجملة تعود إليها، فيصبح "واحدا
من أبنائها"، أي الجماعة!
وبدا
البيان، النعي، كما لو كان رمية بغير رام، دفع للتحريض على "الخلايا النائمة
للإخوان"، والتي لم نعرفها إلا بوفاتها ونعي الجماعة لها. وربما كانت نوايا
هذا الفرع من الإخوان ليست سوى إثبات الحضور، مع الانشقاق الحاصل في الجماعة، أو
توظيف شعبية الفقيد التي تجلت بعد رحيله، لإثبات أنه منهم، وأن شخصياتهم منفتحة
على المجتمع. وكان مما يقلق الإخوان بعد الانقلاب العسكري، أنهم بدوا كمجموعة
حاصرتها النخبة من القوى السياسية والثقافية الأخرى، وهناك من صوّر لهم أنه يستطيع
أن يأتي لهم باليساريين والناصريين، وعندما سمعته يقول هذا القول كان ردي: إنه لن
يؤمن لك من قومك إلا من قد آمن، لكنه تحداني، وربما لا يزال بعد كل هذه السنوات
الطويلة يحاول معهم، مع أنه هو نفسه صار يهاجم الإخوان!
وقوم
هذا حالهم، فقد يكونوا غلّبوا مصلحة التنظيم على أمن أسرة خالد فهمي بعد وفاته،
ولم يشغلهم ما يمكن أن يتعرض له آخرون غادروا التنظيم، وعاشوا وسط الناس، ويعيشون
أمان الحد الأدنى، وقد تكون دعوة طائشة من الخارج لثورة، تقضي على هذا الأمان
ويعيشون في قلق، ولو تجاوزت القبضة الأمنية وجودهم!
المباهاة
بالانتماء للإخوان:
من
العبث تصور أن هناك أحدا من الإخوان لا تعرفه الأجهزة الأمنية، فقد كانت الثورة
كاشفة، حيث جعلت التنظيم يكشف أعضاءه للناس، وكل الذين كانوا يقولون لنا قبل
الثورة إنهم ليسوا إخوانا ولكنهم يحبونهم في الله، تبين أنهم "أعضاء مشتغلون"
في الجماعة، و"آخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"!
وعشنا
مرحلة المباهاة بالانتماء للإخوان، مباهاة من كانوا أعضاء في الاتحاد الاشتراكي في
طفولتي، وعلى التلفزيون تطوع أحدهم وأعلن أسماء أعضاء الجماعة بين نجوم الفن
والكرة، ومن كنت أظن أنهم اختلفوا مع الجماعة وتركوها، تبين لي أنهم أعضاء فيها!
وفي
تقديري أن أجهزة الأمن فزعت بهذه الإعلانات، وليس عدوا للأمن أكثر من جهله
بمعلومة، أو أنه يعتقد أنه يملك كل المعلومات، فإذا بالأيام تثبت أنه لم يكن يملك
الكثير، ولعل هذا جزء من استمرار الأزمة كل هذه السنوات بدون حلحلة، فهناك عامل
نفسي في الموضوع!
ما
علينا، فليس هناك إخواني غير معروف بعد الثورة، وعندما يكون الاتهام لغيرهم، ممن
ليسوا أعضاء في الجماعة، بأنهم إخوان، فهي دعاية سياسية، وليس نقصا في المعلومات.
ولم
يحدث أن وقف إعلامي معروف في برنامجه واتهمني بأنني إخوان، ومن فعل هم مذيعون جدد،
اختراع ما بعد الثورة، فهم ليسوا زملاء، ولم يسيروا على رصيف أي مؤسسة إعلامية
ليعرفوا عمن يتكلمون، ومن فعل فهو قد يضع اسمي في قائمة خاصة بالإخوان، وهي دعاية
للإيعاز أن كل المعارضين لهم إخوان.. وفقط!
بيد
أنهم يعرفون الإخوان، ويعرفون غيرهم، ومن العبث كذلك الاعتقاد بأن كاتبا له كتابات
ضد القوم من قبل الثورة، واستبعدوه من الترشيح لانتخابات مجلس الشعب، وأسقطوا
عضويته بصفته في المجلس الأعلى للصحافة، وعينوا خالد صلاح وإبراهيم حجازي وصلاح
منتصر بقرار رئاسي، وغادر
مصر وبينه وبين الرئيس مرسي دعوى قضائية تنظر أمام مجلس
الدولة.. فيعتقدون مع كل هذا أنني إخوان، لكنها الدعاية!
والإخوان
ليسوا بحاجة إلى من يكشفهم، فقد كشفوا عن أنفسهم بعد الثورة، ولا يوجد هناك إحصاء
دقيق عن أعداد السجناء من الإخوان، وهم يتراوحون في تصريحات مختلفة بين 30 و60 ألف
سجين، ومن سافروا للخارج هم في حدود الآلاف لا عشرات الآلاف، وهؤلاء ليسوا هم كل
الإخوان!
الإخوان
بعد الثورة:
بيد
أن التفكير المنطقي ليس غائبا تماما، فكثيرون من الإخوان يعتبرون فترة الثورة
مرحلة استثنائية، وأن الحياة قبلها هي الطبيعي، فلم يجدوا مشكلة في العودة إلى ما
كانوا عليه، وهم ليسوا سببا في أي توتر، وليسوا معنيين بدعوات الخارج والداخل، وإن
كانوا أهدافا للاعتقال في كل طلعة جوية للبعض الذين يتحدون الملل.
ولم
تكن أغلبية الإخوان مع خوض الانتخابات الرئاسية، لكنهم اشتغلوا القضية بإخلاص،
لهذه الثقة في تفكير القيادات "التي تعرف أكثر مما نعرف"، وظني أن هذه
الثقة اهتزت الآن إلى حد كبير!
والبعض
يطالب الإخوان بمراجعات، كتلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية، والتحول عندها كان
فكريا، ومشكلة الإخواني ليست في الأفكار، ولكن في التنظيم، فإن العضو إذا انقطع
عنه، لم يكن في سلوكه أو معتقداته ما يختلف عن المواطن العادي!
والدولة
المصرية في طبعات الاستبداد فيها، لم تكن مشغولة بالأفكار بقدر انشغالها بالحركة
والتنظيمات، فكان هناك يسار وإسلاميون ضمن تركيبتها، وكان اليساري يخرج من السجن
ويقسم أنه لن يعود للتنظيم مرة أخرى، لأنه يدرك ماذا يفعل، فلا إعلان الخطأ
والتوبة، ولا إبداء الرغبة في التحول الفكري، فقط يقطع صلته بالتنظيم.. كان هذا
فيما مضى!
والمعنى
أن الخلايا النائمة حديث قديم، فلم يعد هناك إخواني سري، والثورة فضحت المستور،
ولكن الأمر قد يرجع لتصنيفات ولاتجاهات محلية ترى أنه إذا كان من الصعوبة بمكان
اعتقال كل الإخوان، وكل مناصريهم، فإن الاستقرار مقدم على الرغبة في الانتقام، لا سيما
لمن هم غير حركيين، وربما لم يكونوا كذلك في حياتهم السابقة، فلا ضرر إن عادوا
لسيرتهم الأولى.
إن
البعض قد يكون في داخله شعر بعدم أهلية قياداته في الانفراد بالتوجيه، ولو خرج
الإخوان من السجون، فسوف تكون فتنة داخل التنظيم يتعذر تداركها، بدون تدخل من
أطراف خارجية أو أمنية، وقد يكون بالفعل هناك من غادروا في صمت!
قصة
عبد العزيز كامل:
ولا
أعرف إن كان الدكتور خالد فهمي عضوا في جماعة الإخوان، أم أنها فرية ساهم في
تأكيدها البيان الملتبس لجماعة الإخوان (فرع د. محمود حسين)، لكن فكرة أنه خلايا
نائمة، ومن ثم البحث عن أمثاله لاستبعاده من الجماعة، تفتقد للمصداقية، فلم يعد
هناك إخواني لم يعلن عن إخوانيته، لكن هناك من وجد نفسه أكبر من أن يتقوقع داخل
تنظيم، فمد جسور الصلة مع الجميع، وربما يمسي الرجل من الإخوان ويصحو غير ذلك!
وتحضرني
في هذه المناسبة قصة الدكتور عبد العزيز كامل، الذي كان قد اهتدى مبكرا إلى ضرورة
ترك التنظيم، لكنه مع ذلك وجد نفسه سجينا في عهد الملك عندما سجنهم، وسجينا مرتين
في عهد عبد الناصر، وذلك قبل أن يعينه عبد الناصر نفسه وزيرا للأوقاف وشؤون الأزهر
سنة 1968!
خطورة
البيان غير المسؤول لفرع الجماعة هذا، مع التحريض الإعلامي، ستكون سببا في فتنة لا
تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة، ليس جهلا بمن هم إخوان ومن غير ذلك، ومن هو إخوان
حركي، وآخر عاد لعمله وحياته الطبيعية قبل مرحلة الاستثناء (25 كانون الثاني/ يناير
2011 - 30 حزيران/ يونيو 2013)، لكن الحملة الإعلامية ستمثل ضغطا على عصب الأجهزة
الأمنية!
ومن
بين إعلاميي المرحلة من يتعاملون مع الحرب على الإخوان على أنها مسألة حياة أو
موت، ولا بد من استكمال أي جملة بهم، فلك أن تتصور المشهد السياسي في مصر بدون
إخوان، فما الحاجة لترسانة الإعلام هذه، ولكل هؤلاء الإعلاميين الذين هم لا شغلة
ولا مشغلة إلا لتصوير أن الإخوان سينقضون على الحكم بين عشية وضحاها، ليس في مصر
وحدها ولكن في العالم كله.
بدون
الإخوان سيتم تسريحهم، وقد جاء بيان الجماعة -الفرع إياه- عونا لهم، فالخلايا
النائمة تسبح في الحياة المصرية بدون العلم بانتمائها.
رحم
الله الدكتور خالد فهمي.. وغفر له.
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.