هل انتهى أحمدي نجاد جاسوسًا؟

سليم عزوز
في شتاء عام 2024، الذي تم فيه تجنيد نجاد كما يقولون، وصل نتنياهو إلى قناعة جديدة بأن الوقت قد حان للمراهنة على إسقاط النظام الإيراني بالكامل مهما كانت المخاطر..
في شتاء عام 2024، الذي تم فيه تجنيد نجاد كما يقولون، وصل نتنياهو إلى قناعة جديدة بأن الوقت قد حان للمراهنة على إسقاط النظام الإيراني بالكامل مهما كانت المخاطر..
شارك الخبر
لست معنيًا بتبرئة الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد مما هو منسوب إليه من تجنيده إسرائيليًا، كما لست أسلم بصحة الرواية الإسرائيلية في هذا الصدد، وإن تبنتها صحف أمريكية، فقد آن الأوان للتخلص من عقدة الخواجة، واعتبار أن الصحافة الغربية هي عنوان للنزاهة المهنية!

فهذه السطور هي درس في المهنة، بحثًا عن التمام في «القصة الصحفية»، ولكم وددت أن تعتمد كليات الإعلام مقررًا شفهيًا عن «المعالجة الصحفية» أو «التناول الإعلامي»، يقوم على استدعاء قصة تناولتها الصحف أو وسائل الإعلام الأخرى، في هذا اليوم أو الأسبوع، ثم يدور النقاش حول المعالجة ونواقصها، ومدى تحقق الكمال المهني في المنشور. وظني أن هذا يمثل درسًا عمليًا بعيدًا عن الحفظ والتلقين، والاستغراق في علم لا ينفع، والجهل به لا يضر.

وقد نشرت "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريرًا عن تجنيد الموساد الإسرائيلي للرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، فقد راعني أنه تقرير مقتضب يفتقد إلى التفاصيل التي تدفعنا إلى التسليم بما جاء به، فلما رأيت آخر في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، قلت: هذا أكبر، وبكل تأكيد سيحتوي على معلومات تفصيلية عن عملية التجنيد هذه، فإذا بي أمام معلومات مقتضبة أيضًا لا تسمن ولا تغني من جوع، فالعنوان عن عملية التجنيد، والموضوع عن فكرة إسقاط النظام الإيراني.

تحولات أحمدي نجاد

ليس هناك بشر معصوم من التحولات السياسية والفكرية، فالفتى نجاد، الذي كان من الشباب الذين قاموا بعملية حصار السفارة الأمريكية في بداية الثورة الإيرانية، على نحو مثل أزمة كبيرة للرئاسة ومؤسسات الدولة في أمريكا، ليس غريبًا في دنيا الناس أن ينتهي به الحال معتدلًا، وليس غريبًا أن الرئيس الذي ينتمي إلى تيار الصقور، ويجهر بالعداء لواشنطن وإسرائيل، ويدعو إلى محو الأخيرة من الوجود، وينكر المحرقة، أن ينتهي به المطاف داعيًا إلى التعايش، ونزع فتيل الأزمة، فلا معنى للسلاح النووي إذا كان الثمن هو هذا الحصار الثقيل على بلاده!

كيف يسعى الموساد إلى تجنيد أحمدي نجاد بهدف تنصيبه رئيسًا بديلًا، بينما كان الاتجاه داخله يرى استحالة إسقاط النظام؟ وكما يقول تقرير الصحيفة الإسرائيلية، كانت العقيدة السائدة آنذاك للموساد تقوم على استهداف العلماء النوويين لا القيادات السياسية.
كما لا يمكننا استبعاد البعد الإنساني في الموضوع، وأحمدي نجاد أراد العودة إلى الرئاسة، لكن المؤسسة الدينية استبعدت طلبه، وقد يكون مفهومًا أن ينقلب على تاريخه، انتقامًا لنفسه!
ولا أرى حرص السلطة في إيران على نفي عملية تجنيد الرئيس السابق، والإمعان في إظهاره، وعدم الانتقام منه، ما ينفي الاتهام، فليس في صالح النظام الحاكم أن يعترف باختراقه لهذه الدرجة، وفي الأخير فمجرد اكتشاف العملية يؤدي الغرض، وإحكام السيطرة على نجاد أفضل من التخلص منه أو محاكمته.

وفي المقابل فإن كشف العميل يضعف القصة، وإذا اعتبرنا أن العملية تسربت للإعلام الأمريكي الحر، ممثلًا في "نيويورك تايمز"، فنشرت، فلا يمكن لنا تفهم أن تنشرها صحيفة إسرائيلية في أمر يتعلق بالأمن القومي الإسرائيلي، والإعلام في زمن الحرب تفرض عليه رقابة، ولا سيما أن مثل هذه المعلومات لا يمكن صدورها سوى من الموساد، فأي مصلحة يبتغيها من كشف أوراقه وفضح عميل له؟!

الرواية الإسرائيلية، كما وردت في "نيويورك تايمز" و"هآرتس"، تشير إلى أن التحول في أفكار أحمدي نجاد كان الخيط الذي التقطه الموساد مبكرًا في عملية التعاون معه، فلم يكن التعاون هو المحرض على تبنيه الأفكار الجديدة، بل إن الفارق الزمني بين إعلانها والتفكير في تجنيده كان في حدود سبع سنوات، ومن هنا كان التفكير في عملية التجنيد، بالطلب من حكومة بودابست تكليف جامعة هناك بتنظيم مؤتمر عن المناخ، ودعوة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، لتسهيل عملية تجنيده، بهدف تنصيبه رئيسًا بعد إسقاط النظام الإيراني، والمعنى أن نجل الشاه كان يتحدى الملل وهو يتمدد في الفراغ!

وإذا كان المعلن أن أحمدي نجاد شارك في المؤتمر، بل وسافر مرة أخرى إلى بودابست، فإن المثير في القصة الصحفية، لو اكتملت، هو استطلاع رأي الحكومة هناك، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجامعة، فالرواية تثبت عمالة متقدمة للموساد من جانب حكومة المجر!

ومن الثغرات في الرواية الإسرائيلية أن أحمدي نجاد هو الحاضر الغائب، فليس معلومًا كيف قدم له رئيس الموساد نفسه، وليس معلومًا ما هي حدود التعاون معه، وليس واضحًا أنه وافق على التعاون، وليس ظاهرًا أنه وافق على أن يكون حاكمًا بديلًا لإيران، في مهمة ليس هناك تسليم بنجاحها أصلًا، وهل يمكنه أن يقدم على خطوة كهذه، ليشتري سمكًا في ماء، حتى وإن كان دافعه هو الانتقام من المؤسسة الدينية انتصارًا للنفس؟!

وإذا كانت إسرائيل تدرك صعوبة إسقاط النظام الإيراني، وكانت تقدم ثم تدبر في ذلك، فهل لم يكن أحمدي نجاد يدرك صعوبة الأمر، حتى يقدم على هذه المغامرة؟ وهو قد يكون له شعبية داخل معسكر الصقور، لكنه جديد على الإصلاحيين، وهم تيار عريض، لم يقر بتمثيل الوافد إليه حديثًا لهم، وفي جميع الأحوال فالمعسكران هما جناحا السلطة القائمة، فلا يندفع الإصلاحيون في اتجاه العمالة لعدو النظام، سواء في الداخل أو الخارج، فكيف يمكن تمرير أحمدي نجاد إذا سقط النظام، وما هي شعبيته، وقد تحول، وبعد التحول جاء إلى الحكم على أسنة الرماح الإسرائيلية؟!

ومنذ بداية التفكير في إسقاط النظام، والمشروع يواجه منذ بدايته معارضة قوية داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، كما يقول تقرير «هآرتس»، فرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء شلومي بيندر خلص إلى أن فرص نجاح الخطة تكاد تكون معدومة، كما أعد رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية العميد أوفير مزراحي روزن دراسة شكك فيها في جدوى العملية، وانسحب مستشار الأمن القومي تساحي هانغبي من اجتماعات التخطيط بعدما توصل إلى قناعة بأنها لا تعدو كونها أوهامًا (أنقل من تقرير "هآرتس").

وقبل ثلاثة أيام فقط من موعد التنفيذ بلغت الخلافات ذروتها، عندما أمر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بوقف العملية بالكامل، غير أن نتنياهو أصر على المضي فيها!

أحمدي نجاد.. الحاضر الغائب

أين رأي العميل المفترض أحمدي نجاد في هذه الخطوة، ولماذا لم يدل بدلوه في عملية إسقاط النظام، ليرجح رأي نتنياهو المقدم على الفكرة، أو أن يكون له رأي آخر يستقوي به الذين قالوا إنها لا تعدو كونها أوهامًا؟!

وعملية إسقاط النظام الإيراني تناقش على هذا النحو من الجدية، وليس هناك إشارة إلى أنهم فاتحوا أحمدي نجاد في الدور المرسوم له، أو أنهم طلبوا منه أن يستعد، فكيف تم تغييب العميل الكبير عن موضوع كهذا، فيبدو هو الحاضر دائمًا والغائب دائمًا في الوقت نفسه؟!

اللافت هنا هو الاعتراف بأن سيناريو نتنياهو فشل، وقد قامت الخطة على تنفيذ عمليات نفوذ داخل إيران، وتسليح وتدريب قوات كردية في العراق، وتحريك جماعات تنتمي إلى أقليات أخرى، بهدف زعزعة استقرار النظام!

الرواية الإسرائيلية، كما وردت في "نيويورك تايمز" و"هآرتس"، تشير إلى أن التحول في أفكار أحمدي نجاد كان الخيط الذي التقطه الموساد مبكرًا في عملية التعاون معه، فلم يكن التعاون هو المحرض على تبنيه الأفكار الجديدة، بل إن الفارق الزمني بين إعلانها والتفكير في تجنيده كان في حدود سبع سنوات
إن الرئيس الجديد للموساد تامير باردو رفض فكرة جعل إسقاط النظام الإيراني هدفًا استراتيجيًا، وقال إن الموساد لا يملك الموارد البشرية أو المالية أو الخطط اللازمة لتنفيذ مشروع بهذا الحجم، ليبقَ الهدف محصورًا في البرنامج النووي، وليس تغيير النظام!

فكيف يسعى الموساد إلى تجنيد أحمدي نجاد بهدف تنصيبه رئيسًا بديلًا، بينما كان الاتجاه داخله يرى استحالة إسقاط النظام؟ وكما يقول تقرير الصحيفة الإسرائيلية، كانت العقيدة السائدة آنذاك للموساد تقوم على استهداف العلماء النوويين لا القيادات السياسية.

وقد عاد نتنياهو إلى الملف في سنة 2024، ولم يطلب من الموساد إسقاط النظام، لاستحالة ذلك، ولكن اعتمد هدفًا أقل طموحًا يتمثل في زعزعة استقراره، وبدأ الجهاز إعداد سلسلة من الخطط للتأثير في الرأي العام الإيراني، لكن الثقة داخل الموساد لم تكن كبيرة.

وكما جاء في التقرير: "فقد حذر عدد من كبار ضباط الجهاز من أن هذه الأنشطة تستهلك موارد ضخمة من دون ضمان تحقيق نتائج ملموسة".

وفي شتاء عام 2024، الذي تم فيه تجنيد نجاد كما يقولون، وصل نتنياهو إلى قناعة جديدة بأن الوقت قد حان للمراهنة على إسقاط النظام الإيراني بالكامل مهما كانت المخاطر، وطلب من الموساد قوات مقاتلة على الأرض قادرة على إشعال التمرد، إلا أن هذه الفكرة قوبلت منذ اللحظة الأولى بتحفظات واسعة داخل المؤسسات الأمنية، وكان الوزراء ينظرون إلى بعضهم بعضًا بدهشة، وكان السؤال الذي يدور في أذهانهم: ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟!

وقال أحد المسؤولين الأمنيين: "إيران بحجم نصف أوروبا تقريبًا؛ لديها مؤسسات مستقرة، وأجهزة أمنية ضخمة، ودولة متماسكة، فكيف يمكن إسقاط نظام كهذا بواسطة مليشيات كردية؟ الأمر يشبه محاولة هدم مبنى كامل باستخدام قلم"!

وهي تحفظات لم تؤثر في موقف نتنياهو، ومن تعامل مع نجاد على أنه البديل هو الموساد، فكيف يجنده في مهمة يقر سلفًا بأنها فاشلة؟!

وجاء في تقرير "هآرتس" عن نتنياهو: "أصبح مهووسًا بإسقاط النظام، وكان مقتنعًا بأن مواصلة الضغط العسكري ستؤدي في النهاية إلى انهياره، غير أن الأجهزة الاستخباراتية لم تكن تشارك نتنياهو هذا التفاؤل".

بل إن مسؤولي الاستخبارات لم يسلموا أبدًا بالقدرة على تغيير النظام، "وكانت أكثر مراحل الخطة إثارة للشكوك هي المرحلة الأخيرة المتعلقة بتنصيب محمود أحمدي نجاد، فقد اعتبر مسؤولو الاستخبارات أن محاولة التنبؤ بمن سيسيطر على السلطة وسط انهيار نظام بهذا الحجم أقرب إلى المجازفة منها إلى التخطيط الواقعي".

لا أستبعد شيئًا، لكن الرواية الإسرائيلية الخاصة بتجنيد أحمدي نجاد تفتقد الحبكة الدرامية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)