"الإخوان عائدون.. عادوا لينتقموا"!!

سليم عزوز
"الخارج بشقيه الإقليمي والدولي سيجد نفسه في مشكلة إذا كانت الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان هي شخص الرئيس وحده"- جيتي
"الخارج بشقيه الإقليمي والدولي سيجد نفسه في مشكلة إذا كانت الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان هي شخص الرئيس وحده"- جيتي
شارك الخبر
من يتابع المشهد المصري هذه الأيام، لا بد أن يسأل: ماذا هناك؟!

فيصور الخطاب الإعلامي الآن الأمر كما لو أن الثورة على الأبواب، فيجري التحذير منها، وإعلان خطورتها على استقرار مصر، وكما لو كان الإخوان، كما النوبة، يغنون في أفراحهم: "عائدون"، وهي تعني العودة إلى موطن الأجداد الأصلي قبل التهجير، وأن "عائدون الإخوان" تعني العودة إلى القصر الجمهوري، وهذا الخطاب يوحي كما لو كانت الفرصة مواتية، والعودة أكيدة!

طوال ثلاثة عشر عاماً منذ إسقاط حكم الرئيس محمد مرسي، وتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، لم ينقطع الهجوم عليهم، والتذكير بهم، وحشد الهمم لمواجهتهم، ونعلم أن هناك "مواسم" لذلك، لكن الأمر الآن اختلف، فمع القصف المكثف عليهم، وكأننا نعيش أجواء 30 يونيو/حزيران 2013، يجري الحديث عن احتمال عودتهم للحكم، في تنويعات لهذا اللحن الواحد!

ويبدو أن هناك اتفاقاً في الخطاب الإعلامي المؤيد للمرحلة، على أن الرئيس السيسي هو وحده من يمثل حائط الصد أمام مخططات الجماعة للعودة، وهم يتفقون في ذلك مع خطاب مواجه، يقر بهذا ضمناً، ويستخدمه في التأكيد على أن سياسات الحكم الحالي من شأنها أن تمهد الأرض لعودة محتملة، بل أكيدة.

من داخل المعسكر نفسه:
الاتفاق على أن الإخوان على أبواب البرلمان والقصور الرئاسية في مصر له منطلقات مختلفة، وكل يروج له باعتباره يمثل أقوى دعاية لفكرته، وهي الفكرة التي تنطلق من قاعدة اقتراب الدورة الرئاسية الحالية من الانتهاء نسبياً، فلم يتبق منها سوى أقل من ثلاث سنوات

وأنا هنا لا أضع في اعتباري المعارضة التقليدية، سواء في الداخل أو في الخارج، فنحن إزاء خطابين من داخل معسكر الحكم، والمرء يمكنه أن يقف بسهولة على أن هناك تمرداً داخل هذا المعسكر، ربما يعمل لصالح أطراف دولية أو إقليمية، ترى استحالة استمرار الوضع الحالي، ويضع أصحابه أيديهم على قلوبهم خشية أن يؤدي إلى عودة الإخوان، فهم ينطلقون من العداء للجماعة، ويرون أنه لا بد من مجابهة هذا الخطر، ولو أدى الأمر إلى التخلص من الجنين من أجل بقاء الأم على قيد الحياة!

ولا يمكن اعتبار أصوات محذرة من هذه العودة، مثل عماد جاد وإبراهيم عيسى، معارضة للنظام، أو احتساب أصوات مثل توفيق عكاشة وغيره على الجماعة الإرهابية، أو المعارضة في الداخل والخارج، وإن كنت أدرك أن دوافعهم هي أن مصالحهم الخاصة ليست في بقاء هذا الحكم، إلا أن هناك خطراً أكبر على هذه المصالح إذا عاد الإخوان!

فهذا الاتفاق على أن الإخوان على أبواب البرلمان والقصور الرئاسية في مصر له منطلقات مختلفة، وكل يروج له باعتباره يمثل أقوى دعاية لفكرته، وهي الفكرة التي تنطلق من قاعدة اقتراب الدورة الرئاسية الحالية من الانتهاء نسبياً، فلم يتبق منها سوى أقل من ثلاث سنوات، حيث لا يجوز للرئيس السيسي خوض الانتخابات التالية إلا إذا تم تعديل الدستور، ولا يمكن ترك الأمور حتى السنة الأخيرة، فبدأ الترويج لفكرة التعديل هذه الأيام!

ومن هنا تم الترويج لفكرة الرئيس الضرورة، فلا بد من الرئاسة مدى الحياة، فهذه هي الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان، الذين يعملون تحت الأرض، ويتغلغلون في مفاصل المجتمع كخلايا نائمة، بحسب خطاب الإعلامي أحمد موسى وغيره، وأنهم ينتظرون الفرصة، وقد يذهبون إليها بالثورة التي لن تبقي هذه المرة ولن تذر، حيث ستفتح السجون، ويداهم البلطجية البيوت، بحسب خطاب الإعلامي وعضو البرلمان مصطفى بكري.

ويبدو أن هناك اتجاهاً داخل المعسكر نفسه يرى أنه لا معنى لتعديل الدستور إلا بانتقال الأوضاع من سيئ إلى أسوأ، مما يقوي احتمال عودة الإخوان إلى السياسة والحكم، بالثورة أو بغيرها، ومن هنا يكون عدم تعديل الدستور فرصة للانتقال الآمن للسلطة، وبالاختيار الهادئ للبديل، وربما يعبر عن هذا الاتجاه بعض العناوين الإعلامية، وليس بعيداً عنها ما يردده عيسى وجاد وغيرهما!

ويمكن للمراقب أن يلاحظ بسهولة أن الدعوة إلى عودة المَلَكية هي للرد على هؤلاء، والتلويح لهم: إن لم تقبلوه رئيساً مدى الحياة، فالبديل هو الدعوة إلى تعديل الدستور واستبدال الملكية بالنظام الجمهوري!

الامتيازات والمستثمرون الأجانب:

وهي "معارك مصارين البطن" كما يقولون، لكن ليس مستبعداً أن يكون وراء الخطاب بالاكتفاء بهذا القدر من الرئاسة الحالية دوائر خارجية وإقليمية، فمصلحتها الخاصة أن ترعى انتقال السلطة، مخافة وقوع أخطاء يتعذر تداركها، وعندئذ لن تكون القوانين والاتفاقات ضمانة لاستمرار الامتيازات التي تم الحصول عليها، ليس لأنه قد يأتي حاكم جديد ينزع هذا كله، فعهدنا منذ الانتخابات الرئاسية بعد الثورة أن المتنافسين يثبتون جدارتهم بالموقع بالحفاظ على الأوضاع المستقرة والاتفاقات الدولية!

وقد استفزني، وعبرت عن استفزازي في حينه، أن كل المرشحين أعلنوا التزامهم بمعاهدة السلام مع إسرائيل، ولم يشذ عن هذا أحد، حتى من الذين ترشحوا للشهرة والوجاهة الاجتماعية، ويعلمون أن نسبة فوزهم معدومة، وحتى الذين تأسست مكانتهم السياسية على رفض هذه الاتفاقية!

أُسلّم بما يقولون من أن الثورة ستؤدي إلى تخريب كبير، وأن الفشل في ثورة يناير سيدفع إلى الذهاب بعيداً عن سلوك ثوارها، الذين اكتفوا بتنحي مبارك عن الحكم وذهبوا ينظفون الشوارع ويلمعون الأرصفة، وأُدرك أن ثورة يناير كانت تحت السيطرة، لأن من تصدروا المشهد ينتمون إلى قوى سياسية مختلفة، في القلب منها جماعة الإخوان، فأمكن التحكم في أي سلوك لمنفلت، لكن القادم سيكون في مرحلة تغيب فيها السياسة، وتغيب القوى التي ترشد السلوك. وبرأيي أن مصر لا تحتمل ثورة أخرى!

بيد أنني أدرك كذلك أنني والذين يخوفون الناس لسنا مؤثرين في حركة الجماهير، وإذا حدث، لا قدر الله ولا سمح، ما يحذرون منه، فإن هذه الاستثمارات لن تكون في أمان، وبعض الأراضي انتزعت من الذين كان يُعمل لهم حساب في الماضي، ويعلمون الآن أنهم يخضعون لحكم القوي!

ومن هنا، حتى مصالح الإقليم تكون في تجنيب مصر ويلات أخطار يتعذر تداركها، وقد قرأت منشوراً عن عودة ظاهرة سفر الصحفيين إلى الخارج، كما كان الحال بداية يناير/كانون الثاني 2013، وهو ما لم أتحر أبعاده، أو أتأكد بنفسي من صحته، لكن لا يوجد دخان بدون نار، كما يقولون!

ليس عندي شك في أن الإخوان لا يخططون للعودة، بل لا أبالغ في أن هذه الفكرة لم تكن على بالهم حتى وهم يقودون مسيرات تسد عين الشمس في كل يوم جمعة، إلى أن صدرت تعليماتهم لأنصارهم في 2015 بالتوقف تماماً عن ذلك، وبعد اعتصام ناجح في ميدان المطرية!

الإخوان كانوا يسعون إلى تحسين شروط التفاوض، وما يهمهم هو التنظيم وليس الرئاسة، وقد يحلمون بيوم ينافسون فيه في انتخابات البرلمان، لكنهم لن يفكروا البتة في الرئاسة، إلا عندما تستقر الأحوال ويأتي جيل جديد يتجاوز المحنة الحالية، ولا يكون هذا إلا برحيل الجيل الذي قاد الجماعة إلى ما هي عليه الآن من مطاردات، وسجون، وتكسير عظام!

رسائل للداخل والخارج:

وظني أن الأجهزة المختصة في الدولة المصرية تدرك هذا، وليس ما توصلت إليه أنا سبقاً، أو نتيجة قدرات خارقة، لكن ربط الوضع الحالي بالإخوان، بديلاً أو عدواً، ليس أكثر من رسائل، ولكلٍ قِبلة هو مولّيها!

جانب من هذه الرسائل موجه إلى الداخل، وبعيداً عن النخبة الإعلامية والسياسية، هل لا يزال هناك قطاع كبير في الشارع المصري تقلقه عودة الإخوان؟ للدقة، هل لا يزال معسكر 30 يونيو 2013 كما هو في تماسكه والعداء للجماعة، ويوقن أن هناك رغبة فعلاً في العودة؟!

لست مطلعاً على الأمر بشكل كاف ليمكنني الفصل في هذه "الفجوة البحثية"، والحكم عن بُعد يقول إن الأمور ليست كما كانت، وحتى الذين لا يزالون على الموقف نفسه من جماعة الإخوان، فإنهم يستبعدون عودتها للحكم، وإن كانوا يختلفون في قدرتها على التأثير!

بينما يرى هؤلاء أن كون الرئيس هو حائط الصد الوحيد لمواجهة عودة الإخوان يستوجب استمراره في الحكم، يرى أولئك أن وجود النار تحت الرماد، وجاهزية الإخوان للحضور، يستلزمان الاكتفاء بهذا القدر، والتمكين من الانتقال السلس للسلطة، حتى لا يعود الإخوان لينتقموا

بعض هذه الرسائل موجه أيضاً إلى الخارج، سواء الدولي أو الإقليمي، بالقول إن الخلايا الإخوانية في انتظار الفرصة، وإنها تسيطر على مفاصل الدولة، وإن حائط الصد الوحيد هو الرئيس.

وهو أمر مقلق حقاً؛ إذ إنه بعد هذه السنوات من الاستئصال والإبادة الإعلامية، فإن الخوف من عودة الإخوان قائم، مع الوضع في الحسبان أنهم لو عادوا سينتقمون، والأكثر مدعاة للقلق ألا تتشكل طيلة هذه السنوات طبقة سياسية ومؤسسات قوية، قادرة على أن تكون حائط صد في المواجهة، وأن الأمر متوقف على شخص الرئيس!

ومن هنا انطلق الاتجاه الآخر، ممثلاً في إبراهيم عيسى، من عوامل الطبيعة والقدر (يقصد الموت)، وكيف أنه سيعيد الإخوان، إذن لا بد من بحث طريقة آمنة لانتقال السلطة!

وأعتقد أن الخارج بشقيه الإقليمي والدولي سيجد نفسه في مشكلة إذا كانت الضمانة الوحيدة لعدم عودة الإخوان هي شخص الرئيس وحده، وقد كان مبارك يجيد استخدام الإخوان فزاعة للغرب، ويصور لهم أن البديل له هم الإخوان، بعد أن دمر التجربة الحزبية تماماً، مع أن البديل له حتى العشرية الأولى كان الوفد، وليس الإخوان، فوضع للغرب العربة أمام الحصان، فماذا كانت النتيجة؟!

وبينما يرى هؤلاء أن كون الرئيس هو حائط الصد الوحيد لمواجهة عودة الإخوان يستوجب استمراره في الحكم، يرى أولئك أن وجود النار تحت الرماد، وجاهزية الإخوان للحضور، يستلزمان الاكتفاء بهذا القدر، والتمكين من الانتقال السلس للسلطة، حتى لا يعود الإخوان لينتقموا.

وبين هؤلاء وهؤلاء، أقف في محاولة الفهم، ليس أكثر.

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)