نهاية حكم الرئيس
التونسي قيس سعيد هي مسألة
وقت، فهذا شخص يفتقد مقومات الاستمرار جميعها!
فهو نموذج فريد من الديكتاتوريات، لا يعتمد
في استمراره سوى أنه كان في مواجهة أغلبية تمثلها نخبة أكثر تعاسة منه، فسقطت قبل
أن يسقطها، وعندما أسقطها لم تكن على مستوى اللحظة، حتى باستدعاء سيناريوهات
وتجارب الآخرين، كانت فيها المواجهات دامية، والثمن كبيرًا، فذهب سعيد للفصل
الثاني سريعًا، حيث الاعتقالات، وفرض السيطرة، والبحث في مؤسسات الدولة عمن يمنح
تسلطه شرعية، ويمكنه من إسباغ المشروعية على قراراته بالانتقام، من قضاة لا يظهرون
على الناس، ويخجلون من أن يتعرف ذوو الضحايا عليهم، حرجًا لا خوفًا!
قيس سعيد هو أتعس ديكتاتور يمكن أن تكون قد
رأيته «وعلى مدد الشوف»، لأنه صاحب الانقلاب الأقل فاتورة، وإذا كان هناك في
الإقليم من دفعوه لذلك في البداية، فقد اختفوا سريعًا، دون أن يتحصل على ثمن
انقلابه، فقد كان يعنيهم إفشال التجربة، حتى لا تكون ملهمة لشعوبهم، ومحرضة لهم
على الخروج عليهم، وفي تجارب أخرى، دفعوا المليارات من الدولارات، وصنعوا نخبة على
أعينهم، وأسسوا منابر إعلامية لتعينهم في المهمة، وهي ثقيلة، لكن ماذا دفعوا
لتونس؟!
لا يوجد ديكتاتور الاستبداد هو كل وظيفته، فالديكتاتورية لها مهر يدفع باستمالة طبقة أو أكثر من الشعب، وبشرائح من النخبة، وبإنجازات تذكر فتشكر، ومن تجربة عبد الناصر إلى مرحلة مبارك، ومن زمن الحبيب بورقيبة إلى حكم زين العابدين بن علي، كان الشعب في الاعتبار، مع اختلاف كل تجربة عن الأخرى في مستوى ما قدمت.
لأن الحرام يذهب من أين أتى، فإن المال
المدفوع، في الجانب الأكبر منه، لم يؤد الغرض بصناعة شعبية تلتف حول الحكم، من
الذين لا تعنيهم سوى أحوالهم المعيشية، وكان المال المدفوع يكفي لتحقيق هذا الهدف،
وفي الجانب الآخر، فلم ينجح لهم منبر إعلامي واحد من مئات المنابر التي دعموها!
بيد أن هؤلاء لم يجدوا أنفسهم معنيين بدعم
المواطن التونسي ليحتشد خلف التجربة، ولم تجد الدولة التونسية العميقة نفسها جزءًا
مما حدث، ولم تجد في تجربة قيس سعيد امتدادًا لدولتها، فوقفت تتفرج، تمامًا كما
تتفرج عليه قوى الإقليم المساندة، وهي في مأمن بأنها وضعته على الطريق وتحرك،
وكأنه الرجل الآلي الذي يسير بقوة الدفع الذاتي إلى أن ينتهي الشحن، حتى يبدو لي
في صورة كاريكاتورية، فلو تواجد في مواجهة مظاهرة تندد به، لسار في طريقه، وكأنه
لم يصادف أحدًا. مع خالص احترامي لمقام الرئاسة.
مهر الديكتاتورية الذي لم يدفعه سعيد
لا يوجد ديكتاتور الاستبداد هو كل وظيفته،
فالديكتاتورية لها مهر يدفع باستمالة طبقة أو أكثر من الشعب، وبشرائح من النخبة،
وبإنجازات تذكر فتشكر، ومن تجربة عبد الناصر إلى مرحلة مبارك، ومن زمن الحبيب
بورقيبة إلى حكم زين العابدين بن علي، كان الشعب في الاعتبار، مع اختلاف كل تجربة
عن الأخرى في مستوى ما قدمت.
وقد أعدت قراءة مذكرات كمال الجنزوري، رئيس
وزراء مصر لثلاث سنوات في عهد مبارك، فقد راعني ما ذكره أنه عندما اتصل بالرئيس
ليخبره عن تحايله على شروط صندوق النقد الدولي، أن كل ما كان يشغل مبارك حينذاك
ألا يؤثر هذا على الشعب. وهذا، في مكالمة هاتفية بينهما، يعطيها مصداقية، مستوى
المرارة المرتفع الذي تشعر به في كل سطر لإطاحة مبارك بحكومته بعد سنوات قليلة
بالمقارنة بمن جاءوا قبله أو بعده، وتجربة علي لطفي لها ظروفها وملابساتها.
وقد ظللنا حتى نهاية الألفية، لم يكن جيدًا
أن تذكر مبارك بسوء في حافلة نقل عام، لأن العامة قد يرفضون وزيرًا أو حكومة، لكن
مبارك بالنسبة لهم خط أحمر، وهو عندهم يعمل كل ما في وسعه من أجل توفير حياة
معقولة للشعب، ولم يبدأ التحول في المزاج العام إلا بعد الأزمة الاقتصادية، وذيوع
الفساد، وتدليل طبقة رجال الأعمال!
فالديكتاتور يدرك أنه يحتاج إلى الرضا
الشعبي، ولو في حده الأدنى، والتفاف ما تيسر من قطاعات الشعب حوله، وعندما تتوقف
قدرته على استيعاب هذا، ويفتقد القدرة على الإدراك، تكون هذه بداية العد التنازلي
له.
ولم يكن الرئيس قيس سعيد واعيًا لمهر
الديكتاتورية، فكان استبداده مجردًا من أي حوافز، ورأى داعموه نفسيًا أنه يقوم
بالمهمة بدون مساعدة، فتركوه لحاله، اعتمادًا على ضعف معارضيه، وإن افتقد المساندة
الشعبية لشرائح لها وزنها من الشعب التونسي، فضلًا عن اعتماده، بجانب هذا، على ما
يجلبه من جبهات مساندة في دوائر القوة، بحكم وظيفته، وبحكم استمراره في السلطة،
ولهذا فإنها لم تشأ التورط، عندما فوجئت بخروج الجماهير، بفعل قد تحاسب عليه إذا
سقط!
الجيش والسياسة وسيكولوجية الرجل الضعيف
إن من حسنات بورقيبة أنه أبعد الجيش عن
السياسة، وإن كان لسان رشيد بن عمار قد سال للسلطة، ورأى أن الطريق إلى قصر قرطاج
ممهد له، فبعد قليل أدرك أنه أمام سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فمع الحضور الكبير
للشعب بعد سقوط نظام بن علي، تراجع عما في نفسه!
وقد يجد قيس سعيد وحدات، أو أشخاصًا تتماهى
معه، لكن تسييس الجيش ليكون سندًا للحكم يحتاج لسنوات طويلة، وأن يكون الحاكم
شخصية تملأ العين، والحال كما نرى، والجيش إذا اشتد ساعده سياسيًا، فلن يكون في
خدمة الرئيس سعيد، وإنما سيقود الانقلاب عليه. وبضعفه، وقلة حيلته، فلن يجد الجيش
نفسه بحاجة لإطلاق رصاصة واحدة، ولو في الجو!
فمعاونو قيس سعيد أشخاص هنا، وأشخاص في
مؤسسة الشرطة، بحكم تكوينها أن تكون في خدمة الحاكم، أي حاكم، بجانب دائرة قضائية
أو أكثر تدفع الانتهازية عناصرها لأن تكون يده التي يبطش بها!
ولا يمتلك الرئيس قيس سعيد جماهيرية واسعة
أو ضيقة، فهو في موقعه بسبب الحسابات الخاطئة التي رأت فيه شخصًا ضعيفًا يمكن
إنجاحه والسيطرة عليه، وأنه بلا حزب أو وجود سياسي، فسوف يجد الحماية فيهم، وكون
القوم عاشوا في الغرب في سنوات الهجرة القسرية، فقد استلهموا تجارب مستقرة، لا
تصلح للتطبيق في البيئة العربية، على الأقل في الخمسين سنة الأولى من ولادة
الديمقراطية، حتى تنضج وتستوي على أركانها، ولو نظرة إلى عالمنا العربي لكفتهم
التصورات الخيالية عن الرجل الضعيف!
إن النموذج الفريد في الديكتاتوريات دمر تونس، وأجاع شعبها، وفشل في مهمة الخدمات، فانقطاع الكهرباء والمياه عرض مستمر، وصارت القمامة في كل مكان، بعد أن كانت عنوانًا للنظافة والرقي، على نحو ذكرني بالصورة التي رسمها على عجالة الطاهر حداد في كتابه «امرأتنا بين الشريعة والمجتمع»، الصادر سنة 1930، وهو يدعو للرقي بالمجتمع ليكون في مستوى نظافة المجتمعات الغربية!
لم يكن السادات أقوى شخصية عندما اختاره
جمال عبد الناصر نائبًا له، فقد أنهى كل الأقوياء، وتبادل موقع النائب اثنان من
أضعف الضباط الأحرار؛ حسين الشافعي والسادات، فلما جاء الأخير للحكم مشى على طريقه
بأستيكة، بحسب المنقول عنه!
ولم يكن مبارك هو أقوى من كانوا في غرفة
عمليات حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، فقد عينه نائبًا لأنه أضعفهم، فبدأ عهده بوضع
أشقاء للسادات في السجن، ليوصم عهده بالفساد لحاجة في نفسه قضاها.
ولم يكن بن علي هو الأقوى، بحسابات القوة،
من محمد مزالي، الوزير الأول في عهد بورقيبة، أو حتى رشيد صقر الذي تولى الموقع
لأكثر من عام بقليل، لكن من أنهى حكم بورقيبة بمادة دستورية هو من اختاره لحسابات
في ذهنه ورأس أهل بيته، وبالمنطق وبالورقة والقلم، فإن الأولى بتفعيل هذه المادة
هو مزالي لا بن علي. وكل من رشيد ومزالي كانت لهما اعتراضات على بعض سياسات
بورقيبة، فغضب عليهما، بينما بن علي لم يسجل عنه الاعتراض على أي شيء، لكن بعد 36
يومًا ألزمه داره!
إن قوة قيس سعيد في ضعفه، فأطاح، وهو
الضعيف، بالتجربة الديمقراطية الوليدة، وبدون حتى مساندة شعبية، فلم تخرج الجماهير
بالملايين في الشوارع تؤيده وتبايعه، فحتى من يرفضون التجربة، وإن لم يكونوا قلة،
فإنه ليس خيارهم، ولا يملأ عيونهم، وهو الذي قدم على أنه الخيار التاريخي لتونس،
فأدخلوا علينا الغش والتدليس، ونحن نتابع جولة الإعادة في «الخضراء» كما لو كانت
في مصر، فمن ألجأ الناس لهذا الخيار البائس، وروج له، حتى اعتقدنا من بعد أن تحت
القبة شيخ؟!
إن النموذج الفريد في الديكتاتوريات دمر
تونس، وأجاع شعبها، وفشل في مهمة الخدمات، فانقطاع الكهرباء والمياه عرض مستمر،
وصارت القمامة في كل مكان، بعد أن كانت عنوانًا للنظافة والرقي، على نحو ذكرني
بالصورة التي رسمها على عجالة الطاهر حداد في كتابه «امرأتنا بين الشريعة
والمجتمع»، الصادر سنة 1930، وهو يدعو للرقي بالمجتمع ليكون في مستوى نظافة
المجتمعات الغربية!
ومع هذا، فكان يمكن للرئيس قيس سعيد أن
يستمر في موقعه حتى وفاته، لكن أنى يكون له هذا، وقد سجل الشعب حضوره في الاحتفال
بالذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية في (25 يوليو/تموز 1957)، والتي قضى قيس
سعيد على ملامحها بعدم إدراكه لما يفعل، فهل هو غير مدرك فعلًا لما يجري حوله؟!
انزواء قيس سعيد
حتى كتابة هذه السطور، لم يظهر قيس سعيد على
الناس، وكان يستوجب أن يلقي خطابًا في ليلة
المظاهرات الحاشدة، يثبت فيه أنه قادر
على الاستمرار مهما حصل، كما يفعل المستبدون في العادة، لكنه آثر الانزواء حتى
الآن، على نحو كاشف أنه أحيط به، وأيقن أن القادم أسوأ، واستغل البعض غيابه
ليشيعوا أنه طلب اللجوء لبريطانيا، نقلًا عن رويترز، وهو خبر غير صحيح، فالغياب
ليس في مصلحته في هذا الظرف الدقيق!
إن تقارير غربية قالت إنهم يعدون الآن لرحيل
قيس سعيد. فالرجل ليس مؤهلًا للاستمرار، لأنه نمط من المستبدين غير مسبوق، ولأنه
يفتقد الحاضنة الشعبية في حدها الأدنى، ولأنه لم يقدم حوافز لتقبل ديكتاتوريته.
لقد فاجأتنا المظاهرات الحاشدة للتونسيين،
رغم القمع والاستبداد، وسوف يفاجأ غيرنا بسقوط قيس سعيد، لينتهي فصل مسرحي هابط،
وتجربة في الحكم لا تصلح إلا تمثيلًا على مسرح إسماعيل ياسين!
إنها مسألة وقت.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.