بم يختلف انشقاق المعارضة التركية الأخير عن سابقيه

سعيد الحاج
الانشقاق عن حزب قائم وناجح وتأسيس حزب جديد ليس ظاهرة جديدة ولا استثنائية في الحياة السياسية التركية، بل يكاد يكون ظاهرة متكررة.  الأناضول
الانشقاق عن حزب قائم وناجح وتأسيس حزب جديد ليس ظاهرة جديدة ولا استثنائية في الحياة السياسية التركية، بل يكاد يكون ظاهرة متكررة. الأناضول
شارك الخبر
قبل أيام، أعلن الرئيس السابق لحزب "الشعب الجمهوري" أوزغور أوزال عن تأسيس حزب جديد بعد الانشقاق عن حزبه القديم، والذي للمفارقة حمل اسم "الحزب الجديد".

وكانت محكمة تركية قد قضت ببطلان المؤتمر العام الأخير لحزب "الشعب الجمهوري"، الذي انتخب فيه أوزال رئيساً له، وإعادة القيادة السابقة للحزب برئاسة كمال كليجدار أوغلو مرحلياً، بدعوى التلاعب بأصوات المشاركين في الهيئة العمومية وعدم نزاهة العملية الانتخابية، إثر شكاوى تقدم بها كوادر من الحزب محسوبون على كليجدار أوغلو الذي خسر أمام أوزال.

إن أي حالة انشقاق عن الشعب الجمهوري وتأسيس حزب جديد من رحمه تبدو مغامرة كبيرة غير مضمونة العواقب، وإن كان القائمون على الحزب الجديد يرون بوضوح الاختلافات البارزة بينهم وبين الحالات السابقة، خصوصاً الفاشلة منها، ويراهنون عليها.
الانشقاق عن حزب قائم وناجح وتأسيس حزب جديد ليس ظاهرة جديدة ولا استثنائية في الحياة السياسية التركية، بل يكاد يكون ظاهرة متكررة. فالحزب الحاكم نفسه، "العدالة والتنمية"، كان بمعنة ما انشقاقاً عن حزب "الفضيلة" (آخر أحزاب الراحل نجم الدين أربكان)، والذي انشق عنه لاحقاً حزب "صوت الشعب". والتيار القومي شهد انشقاق "الحزب الجيد" بقيادة ميرال أكشنار عن حزب "الحركة القومية" بقيادة دولت بهجلي، والذي بدوره انشق عنه "حزب الظفر" المتطرف بزعامة أوميت أوزداغ.

"الشعب الجمهوري" نفسه شهد انشقاقات عديدة عبر تاريخه، كان أبرزها تأسيس "الحزب الديمقراطي" عام 1946 بقيادة عدنان مندريس وجلال بايار، ثم "حزب اليسار الديمقراطي" عام 1985، بعد انقلاب عام 1980 وحظر الأحزاب، بزعامة رئيس الوزراء الأسبق بولند أجاويد، فضلاً عن عدة انشاقاقات في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

كما أن السنوات القليلة الماضية شهدت تأسيس عدة أحزاب من رحمه، مثل "حزب الأناضول" برئاسة أمينة أولكر تارهان عام 2014، و"حزب التجديد" برئاسة قنصل تركيا السابق في الموصل أوزتورك يلملظ عام 2020، و"حزب البلد" برئاسة المرشح الرئاسي السابق محرم إينجة عام 2021 (والذي عاد لحزب "الشعب الجمهوري" عام 2025).

فما الذي يختلف به الانشقاق الأخير و"الحزب الجديد" عن سابقيه؟ وبالتالي ما هي أهم التحديات التي ستواجهه وتحدد فرص نجاحه؟

في المقام الأول، لا يشبه تأسيس "الحزب الجديد" الانشقاقات السابقة التي كان يقودها قيادات أو كوادر في الحزب، بل يبدو أقرب لحالة "انتقال جماعي" و"تغيير اسم". فمن أسسه كان حتى قبل أسابيع قليلة رئيساً "للشعب الجمهوري"، وخرج منه بناء على تقدير مفاده أن المسار القضائي والسياسي في البلاد لن يسمح له بالعودة إلى رئاسته، بل إنه يرى أن الرئيس الأسبق/الحالي كليجدار أوغلو "رجل القصر" في حزبه بما لا يتيح إمكانية استعادة الأخير. ويضاف لذلك استقالة الغالبية الساحقة من نواب "الشعب الجمهوري" في البرلمان، 91 من أصل 135، وتحولهم لمؤسسين في "الحزب الجديد".

وثانياً، قدّم أوزال ومن معه حركتهم كـ "إنقاذ" لحزب "الشعب الجمهوري" وإعادته لسيرته الأولى. فما حصل ـ وفق سرديتهم ـ ليس خلافاً أيديولوجياً ولا حركة احتجاجية فضلاً عن أن يكون انشقاقاً فرعياً أو هامشياً، وإنما سعيٌ لإنقاذ الحزب من محاولته تصفيته أو إضعافه عبر المسار القضائي ثم عبر إعادة كليجدار أوغلو لرئاسته مؤقتاً، والتي يرى هؤلاء أنها تضعف فرص عودتهم لقيادة الحزب مجدداً، لا سيما في ظل قانون الأحزاب الذي يعزز فرص انتخاب الرئيس الموجود إلى حد كبير.

وثالثاً، أتى تأسيس "الحزب الجديد" في سياق داخلي تميل فيه الكفة لصالح الرئيس أردوغان بشكل ملحوظ. فبعد أن فاز الأخير بالانتخابات الرئاسية في 2023 في جولة الإعادة أمام كليجدار أوغلو نفسه، حصلت لاحقاً عدة تطورات داخلية وخارجية عززت من حضوره وشعبيته وفرصه، في مقدمتها مسار حل المسألة الكردية داخلياً والمسمى "تركيا بلا إرهاب" الذي يُقدّر أنه في مراحله الأخيرة، وسقوط النظام السوري وما تبعه من علاقات أكثر من جيدة مع القيادة السورية الجديدة، والقضاء على سيناريوهات الانفصال والتقسيم في سوريا وتحديداً ما يرتبط بتنظيم "قسد".

في تاريخ حزب الشعب الجمهوري تبايَنَ أداءُ ومدى نجاح الأحزاب التي خرجت من رحمه، فوصل كل من "الحزب الديمقراطي" و"حزب اليسار الديمقراطي" للحكم، بينما فشلت معظم الأحزاب في إثبات نفسها على الساحة السياسية. بيد أن التقييم طويل الأمد يؤكد أنها جميعها اختفت أو كادت وبقي حزب الشعب الجمهوري، لأسباب عديدة في مقدمتها أيديولوجيته والرمزية التي يحملها بعدِّه "حزب أتاتورك". بل إن الحزبين اللذيْنِ نجحا مرحلياً أتيا في ظروف استثنائية يصعب القياس عليها، الأول في نهاية فترة حكم الحزب الواحد والثاني ما بعد انقلاب عام 1980 وحظر الأحزاب والشخصيات السياسية في البلاد.

ولذلك، فإن أي حالة انشقاق عن الشعب الجمهوري وتأسيس حزب جديد من رحمه تبدو مغامرة كبيرة غير مضمونة العواقب، وإن كان القائمون على الحزب الجديد يرون بوضوح الاختلافات البارزة بينهم وبين الحالات السابقة، خصوصاً الفاشلة منها، ويراهنون عليها.

ثم هناك تحدٍّ أكبر يواجه الحزب الجديد، وهو مدى قدرته على إثبات نفسه والبقاء على الساحة السياسية، وهي منوطة بأمرين. الأول سحب البساط من تحت كليجدار أوغلو وحزب الشعب الجمهوري بشكله الحالي، بمعنى إقناع الحاضنة الشعبية للحزب بالتخلي عنهما والانتقال لدعم الحزب الجديد، وهو أمر ليس سهلاً ولا توجد مؤشرات دقيقة عليه حتى اللحظة، إذ لا يعدُّ انتقال النواب للحزب الجديد دليلاً بالضرورة على دعم مشابه/مساو له بين الأنصار.

وفي هذا الإطار لا ينبغي التقليل من بقاء ما يقرب من ثلث نواب الشعب الجمهوري مع كليجدار أوغلو، وأن الحزب عانى خلال السنوات الماضية من حالة استقطاب شبه متساوية بين تيار كليجدار أوغلو وتحالف أوزال مع رئيس بلدية إسطنبول الكبرى الموقوف أكرم إمام أوغلو، بل إن القضية التي أطاحت بقيادة الحزب قضائياً كانت أحد نتاجات هذا الاستقطاب والخلاف الصفري.

وأما الأمر الثاني فهو إثبات الحضور انتخابياً. وهنا ينبغي الإشارة إلى ضيق المساحة الزمنية التي يمكن أن يحظى بها "الحزب الجديد"، في ظل احتمال تبكير الانتخابات التشريعية والرئاسية في تركيا والحديث عن صياغة دستور جديد للبلاد.

ذلك أن الدستور التركي يشترط لمشاركة أي حزب جديد في الانتخابات أن يكون قد أسس فروعاً في أكثر من نصف محافظات البلاد (41 محافظة)، وأن يكون قد نظّم "مؤتمره العام الكبير" قبل ستة أشهر على الأقل من الاستحقاق الانتخابي. كثير من التقديرات تشير إلى احتمال تبكير الانتخابات إلى صيف 2027، وربما أبكر من ذلك في ظل انقسام المعارضة الحالي، ما يعني أن الحزب الجديد سيكون في سباق مع الوقت لتحقيق الشروط القانونية لمشاركته في الانتخابات، ولا سيما وأن المؤتمر العام يحتاج وقتاً وجهداً كبيرين إذ يأتي بعد تأسيس فروع الحزب في أحياء المدن ثم المدن الكبرى والمحافظات.

سيعتمد أوزال ورفاقه على سردية "استعادة الحزب" من "اختطاف أردوغان" له عبر كليجدار أوغلو، بينما سيعتمد الأخير على سردية "تطهير الحزب" من الفاسدين واللصوص، وسيتنافس الطرفان على إقناع الحاضنة الشعبية للحزب بخصوص أي منهما أولى بـ "إرث أتاتورك" والأقدر على تحقيق الوعد بالفوز على أردوغان والعدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة أو ما بعدها.
وفي خضم كل هذه التحديات التي يواجهها "الحزب الجديد"، تبرز معضلة التمويل. ذلك أن الأحزاب السياسية التركية تحصل على دعم من ميزانية الدولة على قدر نسبتها في آخر انتخابات برلمانية بشرط تخطي نسبة الـ %3. ورغم أن "الحزب الجديد" سيكون له 91 مقعداً في البرلمان، ما يجعله حزب المعارضة الأكبر اليوم في البلاد تاركاً "الشعب الجمهوري" في المرتبة الخامسة، إلا أن عدم مشاركته في الانتخابات الأخيرة يحول دون حصوله على دعم الدولة، وليس واضحاً ما إذا كان سيصار إلى تسوية سياسية-قانونية بهذا الصدد، ما يجعله معتمداً حصراً على التبرعات واشتراكات أعضائه في المرحلة الحالية التي تحتاج الكثير من التمويل بداهةً.

وأخيراً، لا يغيب عن بال أوزال ورفاق دربه الجدد أن المسار القضائي ما زال مستمراً، وقد يطال شخصيات انضمت للحزب الجديد أو محسوبة عليه، ما قد يضعف موقفه مستقبلاً. وهو ما دفعه لأن يجعل مؤسسي الحزب حصراً من نواب البرلمان المتمتعين بالحصانة، متجنباً رؤساء البلديات الذين تتركز التحقيقات والدعاوى القضائي عليهم أو أي شخصيات أخرى.

بالنظر لكل ما سبق، وغيره مما لا تتسع له مساحة المقال الحالي، يبدو حزب المعارضة الأكبر والأبرز وعميد الأحزاب التركية أمام مفترق طرق تاريخي، ونزاع داخلي غير محسوم العواقب. سيعتمد أوزال ورفاقه على سردية "استعادة الحزب" من "اختطاف أردوغان" له عبر كليجدار أوغلو، بينما سيعتمد الأخير على سردية "تطهير الحزب" من الفاسدين واللصوص، وسيتنافس الطرفان على إقناع الحاضنة الشعبية للحزب بخصوص أي منهما أولى بـ "إرث أتاتورك" والأقدر على تحقيق الوعد بالفوز على أردوغان والعدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة أو ما بعدها.

في الخلاصة، ستكون الحاضنة الشعبية لحزب الشعب الجمهوري الفيصل في الصراع الحالي، وهي التي ستعطي ثقتها لأحد الحزبين وربما تتوزع عليهما بما يضعفهما معاً. وفي كل الأحوال، ورغم أن بعض الانشقاقات السابقة ـ خصوصاً الأيديولوجية منها ـ زادت من قوة "الشعب الجمهوري" في حينه، إلا أن هذه المعركة الصفرية بين رفقاء الأمس إذا ما أضيفت للسياق السياسي المحلي ترفع من فرص أردوغان والعدالة والتنمية في أي انتخابات مقبلة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)