تركيا.. نقاش ساخن حول حرية الإساءة إلى الإسلام والمسلمين

إسماعيل ياشا
"يرى الذين تعودوا على الإساءة إلى الرموز والقيم الإسلامية في تركيا القديمة، أن ذلك من حقوقهم الطبيعية، وبالتالي يكافحون من أجله"- الأناضول
"يرى الذين تعودوا على الإساءة إلى الرموز والقيم الإسلامية في تركيا القديمة، أن ذلك من حقوقهم الطبيعية، وبالتالي يكافحون من أجله"- الأناضول
شارك الخبر
يناقش الرأي العام التركي منذ أيام مدى حدود حرية التعبير وما هي الخطوط الحمراء التي يجب أن لا يتم تجاوزها، ولو على سبيل الفكاهة والسخرية والمزاح. وأشعلت فتيل النقاش إساءة فنان كوميدي من الطائفة العلوية في عرض كوميدي ساخر، إلى الله سبحانه وتعالى والقرآن الكريم، وإلى رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. وبعد انتشار مقطع البرنامج في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ألقت قوات الأمن القبض على ذاك الفنان، وقررت المحكمة حبسه على ذمة المحاكمة بتهمة الإساءة إلى القيم الدينية والرئيس التركي.

أثار هذا الاعتقال ردود أفعال متباينة؛ فهناك من يرى أن الفنان ارتكب جريمة بإساءته إلى الإسلام ومعتقدات المسلمين ويؤيد اعتقاله، ومن يقول إن الإساءة إلى المقدسات والقيم الدينية يدخل ضمن حرية التعبير، ويرفض اعتقال الفنان. ونظمت تنظيمات يسارية متطرفة ومجموعة من الإعلاميين والفنانين مظاهرات للتضامن مع الفنان المسيء إلى الله عز وجل وكتابه القرآن الكريم، والتنديد بما وصفوه بــ"الاعتداء على حرية التعبير" و"المحاولة لإسكات المعارضين". كما جاءت تصريحات مختلفة من رؤساء الأحزاب والنواب والسياسيين.

التجارب السابقة تشير إلى ازدواجية المعايير في ذلك، وأن هؤلاء الذين لا يرون بأسا في الاستهزاء بالله وآياته هم أنفسهم يرفضون الإساءة إلى رموز يقدّسونها، ولو من باب الكوميديا والمزاح، ولا يدخلون تلك الإساءة ضمن حرية التعبير

رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، ذهب إلى المحكمة للتضامن مع الفنان، كما قام رئيس الكتلة البرلمانية لذات الحزب ورئيسه السابق، أوزغور أوزل، بزيارته في السجن. ودافع أوزل عن الفنان المسيء إلى الإسلام، وخاطبه في كلمته أمام أنصار حزبه في مدينة صفران بولو، قائلا: "لا تخف، فإننا سننتصر في هذه المعركة". وزعم أن ما ذكره الفنان في عرضه من باب المزاح تم تفسيره بشكل خاطئ، مضيفا أن الإسلام هو دين التسامح. كما انتقد أحد نواب حزب الشعب الجمهوري اعتقال الفنان، وقال إن الكوميديا ليست جريمة.

المتضامنون مع الفنان المعتقل بمن فيهم قادة حزب الشعب الجمهوري ونوابه، يرون أن الفنانين الكوميديين يمكن أن يسخروا من أي أحد وأي شيء، وأن يسيئوا إلى كافة المقدسات لإضحاك الناس. ولكن التجارب السابقة تشير إلى ازدواجية المعايير في ذلك، وأن هؤلاء الذين لا يرون بأسا في الاستهزاء بالله وآياته هم أنفسهم يرفضون الإساءة إلى رموز يقدّسونها، ولو من باب الكوميديا والمزاح، ولا يدخلون تلك الإساءة ضمن حرية التعبير. بل إن بعضهم يرفضون الإساءة إلى رموز الأديان الأخرى غير الإسلام ولا يتجرؤون على الدفاع عن الإساءة ولا يتحدثون آنذاك عن حرية التعبير.

مجلة كاريكاتير تركية نشرت عام 2017 رسما كاريكاتيريا يسيء إلى النبي موسى عليه السلام، ما أثار غضب المسلمين واليهود. ولم تكتف المجلة بالاعتذار، بل أغلقت أبوابها، وتوقفت عن الصدور خوفا من ردة فعل اليهود. وألقت فنانة للكوميديا الارتجالية في أحد عروضها عام 2020 بعض النكت حول العلويين، وانتقد النائب عن حزب الشعب الجمهوري علي ماهر باشارير؛ الفنانة بشدة، قائلا إن ما فعلته إساءة إلى الطائفة العلوية، ولا يعد مزاحا. وقبل ذلك، ذكر مقدم برنامج ترفيهي شهير عام 1995 جملة من باب المزاح اعتبرها العلويون إساءة إليهم، ما أدى إلى انتهاء حياته المهنية على الرغم من اعتذاره من زلة لسانه.
حرية إساءة الفنانين والممثلين والإعلاميين إلى الإسلام والمسلمين ورثتها تركيا الجديدة من تركيا القديمة التي كانت القوى العلمانية المتوحشة تفرض وصايتها على الإرادة الشعبية وتتجاهل حقوق المواطنين المتدينين
وحكى رجل أعمال تركي شهير قبل حوالي شهر نكتة في افتتاح مستشفى بمدينة إزمير تسيء إلى المرأة الكردية، وكان حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب الموالي لحزب العمال الكردستاني على رأس الرافضين لتلك الإساءة. وكل هؤلاء الذين غضبوا من أجل إساءة إلى ما يرونه مقدسا، يدافعون اليوم عن الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، ويقولون إنها تدخل ضمن حرية التعبير.

أما الإساءة إلى مصطفى كمال أتاتورك فهي قصة أخرى، لأنه ما زال أقدس المقدسات والخط الأحمر الأول في تركيا. وهناك قانون يجرِّم الإساءة إلى أتاتورك ويعاقب مرتكبها بالسجن، وتمت محاكمة عدد ممن أبدوا آراءهم في أتاتورك ومعاقبتهم بالسجن بناء على ذاك القانون. ولم يخطر على بال أحد من المتضامنين مع الفنان المسيء أن يدافع عن هؤلاء في إطار حرية التعبير، كما أنهم لا يطالبون بإلغاء ذات القانون الذي يحول دون ذكر حقائق تاريخيّة. ومن المؤكد أن الفنانين الذين يدَّعون بأنهم يمارسون حرية التعبير والفن والكوميديا لا يتجرؤون على الاستهزاء بأتاتورك كما يستهزئون بالله ورسله وكتبه.

حرية إساءة الفنانين والممثلين والإعلاميين إلى الإسلام والمسلمين ورثتها تركيا الجديدة من تركيا القديمة التي كانت القوى العلمانية المتوحشة تفرض وصايتها على الإرادة الشعبية وتتجاهل حقوق المواطنين المتدينين. ويرى الذين تعودوا على الإساءة إلى الرموز والقيم الإسلامية في تركيا القديمة، أن ذلك من حقوقهم الطبيعية، وبالتالي يكافحون من أجله. كما أن الاعتقالات في مثل هذه القضايا تجعل المعتقلين "أبطالا" في نظر الإعلام الغربي والمعسكر العلماني المتطرف المعادي للإسلام والمسلمين، وتفتح أمامهم أبواب مزيد من الشهرة وكسب الأموال.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)