قطار إسطنبول- جدة.. الخطوة التاريخية التي تأخرت أكثر من قرن

صلاح الدين الجورشي
"تعود اليوم الرغبة من جديد لإنجاز هذا المشروع بمبادرة تركية سعودية، ومرة أخرى يثير ذلك تخوفات كبرى، خاصة من قبل إسرائيل والحركة الصهيونية"- الأناضول
"تعود اليوم الرغبة من جديد لإنجاز هذا المشروع بمبادرة تركية سعودية، ومرة أخرى يثير ذلك تخوفات كبرى، خاصة من قبل إسرائيل والحركة الصهيونية"- الأناضول
شارك الخبر
عندما أقر السلطان عبد الحميد الثاني إنشاء خط سكة حديد تربط إسطنبول (الآستانة) ودمشق وصولا إلى الحجاز، كان مدركا بأن مشروعا من هذا القبيل سيوثق العلاقة بين مركز الخلافة والعالم العربي. لهذا السبب تفطن الأعداء لخطورة المبادرة، وتم العمل على إجهاضها بكل الوسائل، بما في ذلك استغلال فرصة الحرب العالمية الأولى لقصف ما تم إنجازه من هذه الخطوة الاستراتيجية. فهم كانوا يخططون لتفكيك الخلافة العثمانية وتعميق الانقسام بين الأتراك والعرب، في حين أن مشروعا من هذا القبيل يهدف إلى العكس تماما، أي تقريب الشقة بينهما رغم سوء المعاملة التي كان يتلقاها أصحاب المنطقة أحيانا، من السلطة المركزية آنذاك، وتم استغلالها من القوى الأوروبية في تفجير ما سمي بالثورة العربية، التي كانت نتائجها كارثية.

وبعد أكثر من قرن، تعود اليوم الرغبة من جديد لإنجاز هذا المشروع بمبادرة تركية سعودية، ومرة أخرى يثير ذلك تخوفات كبرى، خاصة من قبل إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية.

لن يخدم هذا الخط الحديدي تركيا فقط، وإنما ستعم فوائده كل الدول التي سيمر بها، وفي مقدمتها السعودية التي حاولت إسرائيل أن تغريها بميناء حيفا

وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الاتفاق بكونه "صياغة لأوتاد ونظام إقليمي جديد سيحكم الشرق الأوسط للعقد المقبل". واعتبرت أن أردوغان "لم يعد إلى الساحة فحسب، بل أصبح هو الساحة نفسها". وأضافت: "بينما كان الجيش الإسرائيلي يقاتل ويستنزف قواه على جبهات متعددة، أمضى أردوغان هذه الفترة يفعل ما يجيده تماما، تحويل الكارثة الإقليمية إلى مكسب استراتيجي كسر به العزلة وضمن ألا تكون تركيا هي الطرف المستبعد هذه المرة".

لن يخدم هذا الخط الحديدي تركيا فقط، وإنما ستعم فوائده كل الدول التي سيمر بها، وفي مقدمتها السعودية التي حاولت إسرائيل أن تغريها بميناء حيفا فتوفرت لها فرصة ذهبية لتصدير نفطها بعيدا عن الفخاخ الصهيونية. وهذا من شأنه أن يحرر المملكة من ضغوط تعرضت لها منذ سنوات، خاصة بعد المواقف الإيجابية التي اتخذتها خلال الحربين على غزة وإيران.

بقطع النظر عن سياسته الداخلية التي تثار حولها العديد من نقاط الاستفهام، أثبت أردوغان ذكاء نادرا في سياسته الخارجية التي تجمع بين تحمل تداعيات السلبية للأزمات الإقليمية والدولية وبين حسن اقتناص الفرص لتحقيق مصالح ضخمة لتركيا. وهذا ما جعله يتخطى خسائره السياسية، ويستعيد شعبيته التي تشكل تحديا هاما في صراعه مع المعارضة بعد أن نجح في تحييد المؤسسة العسكرية..

لا يكفي أن يكون نظام ما قويا في داخل بلاده حتى يتمكن من أن يفرض احترام الآخرين له، بل عليه أن ينجح في تعزيز حضوره الإقليمي والدولي، خاصة إذا كان محاطا بدول لها تاريخ وحسابات مختلفة أو متناقضة مع مصالح دولته. فتركيا، رغم كل ما فعلته وتعرضت له من هزات قوية،
تعبت الشعوب العربية كثيرا، وكلما فُتح في وجهها باب ظنت بأنه سينقلها إلى وضع أفضل، انقلب حالها فجأة لتنتكس من جديد بشكل خطير
وما أقدم عليه كمال أتاتورك من قرارات وخطوات غير مسبوقة، يتم التعامل معها حتى اليوم انطلاقا من موروثها العثماني، وما يعنيه ذلك من صراع تاريخي مستمر لن ينمحي من العقول ولا يختفي من الرهانات الاستراتيجية والسياسات اليومية.

من هذا المنظور الواسع يُفهم هذا المشروع الضخم، والذي تجب حمايته وصيانته من كل المؤامرات التي سيقع اللجوء إليها من أجل عرقلته والعمل على إجهاضه وإجهاض الأحلام المرتبطة به، فالأعداء لا يريدون خيرا لهذه الأمة. وبما أن السكك الحديدية لعبت دورا محورياً في "إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعوب، حيث شكلت شريان الحياة الذي ربط الأطراف بالمركز"، فلعل الانتهاء من إنجاز هذا المشروع قد يفتح المجال لنهضة اقتصادية من شأنها أن تُخرج شعوب المنطقة من هذا الضيق الذي يحيط بها من كل جانب.

لقد تعبت الشعوب العربية كثيرا، وكلما فُتح في وجهها باب ظنت بأنه سينقلها إلى وضع أفضل، انقلب حالها فجأة لتنتكس من جديد بشكل خطير. وما حصل خلال السنوات الثلاث الأخيرة ليس سوى دليل قاطع على حالة الدوران القاتلة التي يخضع لها العالم العربي. فهل يفتح مشروع سكة الحديد صفحة جديدة في ظل هذا المشهد القاتم؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)