في ذكرى تأسيس حركة النهضة: البقاء المشروط

صلاح الدين الجورشي
"تقاطع مصالح جميع الأطراف الحزبية والاجتماعية ضد الحركة ساهم بوضوح في إضعافها"- الأناضول
"تقاطع مصالح جميع الأطراف الحزبية والاجتماعية ضد الحركة ساهم بوضوح في إضعافها"- الأناضول
شارك الخبر
نادرا ما احتفلت حركة النهضة بذكرى تأسيسها (5 حزيران/ يونيو 1981) في ظروف طبيعية، فباستثناء العشرية الأولى من الثورة، كان أبناء الحركة خلال بقية المراحل موزعين بين السجون والمنافي أو مضطرين للبقاء في السرية. وها هم اليوم لم يتغير حالهم، يبحثون عن منفذ للتنفس والتعبير الحر. فما السر لهذه الحركة الدائرية الأشبه بصخرة سيزيف، كلما حاول أن يرفعها إلى قمة الجبل، وما أن يقترب من الهدف، حتى تعود الصخرة لتستقر على السفح. وهو ما جعل الجميع في حالة حيرة وقلق، فبعد أن تنفسوا الصعداء وذاقوا طعم الانتصار، وظنوا بأنهم باقون في السلطة لمدة نصف قرن فقط، فاجأتهم الأحداث وتوالت بسرعة عجيبة الانتكاسة تلو الانتكاسة، ففقدوا موقع القيادة، وسحبت من بين أيديهم أسباب المناعة والحصانة، وافتكت منهم السلطة غصبا، ليجدوا أنفسهم يعيدون السير من جديد في صحراء يطغى عليها التيه وتقل فيها معالم الطريق.

ما يخفف من حدة النكسة أن موجة القمع لم تستهدف الإسلاميين فقط، بل اتسعت رقعتها تدريجيا وبشكل سريع، لتشمل معظم الطيف السياسي والمدني، إذ كما يقول المثل الشائع: "إذا عمّ البلاء خفّ".

موجة القمع لم تستهدف الإسلاميين فقط، بل اتسعت رقعتها تدريجيا وبشكل سريع، لتشمل معظم الطيف السياسي والمدني

ورغم أن البعض يصرون على تحميل الحركة مسؤولية التعجيل في صدام مباشر مع السلطة، إلا أن ما حدث واقعيا هو أن المنعطف الذي سلكه رأس النظام بشكل فجائي لم يقتصر من البداية على قادة حركة النهضة، وإنما شمل أيضا حلفاء الحركة وخصومها في الآن نفسه. ولهذا السبب بالذات سارعت الحركة للقول بأن المعركة التي شنتها السلطة ليست بين النهضة من جهة وبين النظام، وإنما هي بالأساس بين الرئيس قيس سعيد وبين الانتقال الديمقراطي برمته. وقد أثبتت الوقائع المتتالية صحة هذا التحليل بشكل عام، لكن ذلك لا ينفي أن الحركة تتحمل من جهة أخرى قدرا واسعا من المسؤولية.

أشارت الحركة في أعقاب التطورات السياسية لعام 2021 في بيان رسمي إلى الحركة كونها "تتفهم غضب الشارع، ومستعدة للتقييم الجدي والموضوعي واجراء مراجعات عميقة، بما يحقق التجديد في الرؤية والبرامج وفتح الآفاق أمام الشباب لتطوير نفسها". فالفجوة السياسية التي تعمقت بينها وبين جزء واسع من الرأي العام كانت سابقة لصعود قيس سعد إلى دفة الرئاسة. وما حدث خلال مرحلة حكم "الترويكا" أكد ذلك، وأدى إلى فقدان أكثر من نصف مليون ناخب في الانتخابات التشريعية لسنة 2014؛ كانوا مع النهضة ثم سحبوا ثقتهم منها.

فتقاطع مصالح جميع الأطراف الحزبية والاجتماعية ضد الحركة ساهم بوضوح في إضعافها، حيث سعى اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة وبقية الأحزاب المناهضة للإسلام السياسي إلى التشكيك في قدرة الحركة على إدارة الحكم، وهو ما أثر كثيرا على شعبيتها وشكّل بداية تراجعها وانهيارها تدريجيا.

المطلوب من الحركة في ذكرى تأسيسها ليس الاستمرار في إثبات براءتها من التهم الموجهة لها، وإنما صياغة خطاب جديد، وتصور مختلف للعمل السياسي حتى لا تكرر نفسها

تقف اليوم الحركة أمام منعطف حاد وخطير، فالمؤكد أن الأزمة السياسية الراهنة في تونس لن تنهي الحركة التي لا تزال لها القدرة على البقاء والاستمرار. لم تتورط خلال المرحلة الحالية في الإرهاب كما كان يأمل خصومها، وورد على لسان كمال القيزاني، المدير العام السابق للأمن الوطني والمخابرات، في حوار أجراه مؤخرا مع منصة الجزيرة 360، أنه لم يثبت أمنيا وجود علاقة تنظيمية بين حركة النهضة و"أنصار الشريعة". وتقاطعت هذه الشهادة مع ما أقرت به المحكمة التي بتت في ملف اغتيال المرحوم شكري بلعيد.

المطلوب من الحركة في ذكرى تأسيسها ليس الاستمرار في إثبات براءتها من التهم الموجهة لها، وإنما صياغة خطاب جديد، وتصور مختلف للعمل السياسي حتى لا تكرر نفسها. هي في حاجة إلى عقول قادرة على صياغة خطة مبتكرة تتجاوز المآزق التي أوقعت نفسها فيها، وبقيت تتخبط في أنساق نظرية وعملية فضيعت نفسها وأدخلت البلاد في دوامة كانت في غنى عنها. كما أن الحركة في حاجة إلى جيل قيادي منفتح على التونسيين، ومستوعب لطموحاتهم ومطالبهم الحيوية بعيدا عن الحسابات الأيديولوجية الضيقة.

لتحقيق ذلك، على الحركة أن تشرع منذ الآن في ممارسة النقد الذاتي، وصياغة خطة بديلة، ووضع بدائل واقعية قابلة للتنفيذ عبر مراحل طويلة. وإذا لم ذلك الآن فستبقى مهددة بالاندثار والدوران حول ذاتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)