يحيرنا الفعل المزيد، فقد يعني الشيء ونقيضه. فقد درجنا على أن التظاهر (التفاعل) يعني الخروج في
جماعة بقصد الاحتجاج أو الإسناد أو حتى ممارسة الفرح الجماعي. لكن في
تونس نكتشف
معنى آخر للفعل المزيد، هو الخروج في مسرحية جماعية بظاهر احتجاجي وبباطن لا يمكن
تمويهه بالصراخ العالي، وهو صرف الأنظار عن السبب لمعاقبة النتيجة، بما يجعله
تظاهرا يعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه.
هكذا قرأنا مظاهرات الاحتجاج على تواجد الأفارقة جنوب الصحراء في تونس،
والمطالبة -وبخطاب عنصري غريزي- بطردهم من تونس الخالصة النقية لشعبها؛ خطاب من
جنس الخطاب العنصري الأبيض الأوروبي اليميني على تواجد العرب في أوروبا، وجزء مهم
منهم تونسيون ينكل بهم في شوارع أوروبا البيضاء الخالصة لمواطن أوروبي أبيض. هذا
التتليف (وهي لفظة تونسية تعني صرف النظر عن أمر حقيقي بآخر مزيف) يهدف إلى صرف
نظرنا عن سبب تواجد الأفارقة في تونس وبعدد لا يحتمله البلد باقتصاده المتهالك
ليشرع لممارسات عنصرية ضد الأفارقة. ومن هذا التتليف نكتشف الأيهام بمعارك وقضايا
تستعمل بدورها لصرف النظر عن السبب الأكبر الذي فتح البلد لهجرة غير نظامية، وهو
غياب الديمقراطية المؤسسة لقرار وطني. سنخوض في الأمرين في تلازمهما.
ضرب البردعة خوفا من الحمار
المظاهرة سارت ضد الأفارقة أي ضد النتيجة، أما السبب فسكت عنه. من أمضى على اتفاقية حماية الحدود الأوربية من الأفارقة العابرين؟ المظاهرة تسكت عن ذلك
هذا مثل محلي في بلاد تربي البهائم؛ يقوم الفلاح الخائف من حماره بضرب
بردعة الحمار كي لا يقترب من الدابة خوفا من أن يتلقى صكة بحافر. ينطبق المثل على
مظاهرات يوم السبت (16 أيار/ مايو)، فقد توجهت الأصوات ضد تواجد الأفارقة (رافقت
ذلك ولا تزال موجة من الأخبار بلا أدلة عن جرائم اغتصاب وقتل وسرقات منظمة يرتكبها
الأفارقة في تونس)، بما شحن الرأي العام ضد الأفارقة. غيّبت هذه الأصوات سبب
المشكل لتسلط الضرب على نتيجته.
فالسبب واضح لكل من تحلى بقدر قليل من المنطق، لقد دخل الأفارقة من حدود
تونس الغربية (الجزائر) والشرقية (ليبيا) ولم يتم الاعتراض على دخولهم، وكل ما فرض
على التونسيين هو عدم التعاون في نقلهم بأجر أو تطوعا إلى أماكن استقرار مؤقت، مع
فرض عقوبات على تشغليهم أو إيوائهم بكراء بيوت أو تقديم معونة. لماذا لم تُحرس
الحدود فيُمنع دخولهم؟ كان ذلك سيؤذي الجار الجزائري الذي عمل بلا مواربة على
التخلص من مشكل بقائهم في الجزائر (الفوضى الليبية غير قابلة للمحاسبة). كانت
قوافل الاتجار بالبشر تعبر الصحراء الكبرى وترمي أفواج
المهاجرين على مقربة خطوات
من حدود تونس، تحت أنظار أجهزة الدولة الجزائرية فلا يعترض أحد.
في الجانب الآخر وكما هو معلوم فإن هذه الأفواج تستهدف العبور إلى أوروبا
من أقرب نقطة إليها وهي السواحل التونسية، حيث يزدهر نشاط الحرقة (أو عبور البحر
خلسة)، لكن تونس أغلقت مياهها في وجه الحراقة فتراكمت الأعداد في تونس بلا منفذ
عبور. لم ينقطع الدخول ولم تُفتح بوابات "تفريغ" العدد، فتحول الأمر إلى
كارثة حقيقية، ولما بدأ الجوع يستشري في صفوف الأفارقة ظهرت الجريمة دفاعا عن
البقاء. هنا يُطرح السؤال عن المسؤول، بما يجعل التظاهر منطقيا يتجه ضد المسؤول عن
الدخول وعن منع الخروج. لكن
المظاهرة سارت ضد الأفارقة أي ضد النتيجة، أما السبب
فسكت عنه. من أمضى على اتفاقية حماية الحدود الأوربية من الأفارقة العابرين؟
المظاهرة تسكت عن ذلك.
اتفاقيات سمعنا عنها ولم نقرأها
يهمس تونسيون كثر (لم نسمعهم في المظاهرة المتظاهرة) بأن الجزائر تمارس
ضعوطا سياسية كبيرة على النظام في تونس، وأن هناك اتفاقية أمنية أقرب إلى اتفاقية
حماية أو إلحاق لكن نصها لم ينشر ليُقرأ. وهناك اتفاقية أمنية أُمضيت مع
الإيطاليين (ممثلين عن كل أوروبا) لمنع عبور المهاجرين غير النظاميين مقابل معونات
لإعاشتهم وإيوائهم في ما يشبه معسكرات اعتقال. لكن لا يبدو أن مراكز الإيواء قد
استوعبت العدد المزايد فانتشروا في الأرض؛ يغتنم البعض تشغليهم بأقل من أجور
التونسيين.
ضمنت الاتفاقيتان حماية النظام بما وضع الصورة التالية أمام كل تحليل
منطقي. يعيش النظام بفضل الاتفاقيتين اللتين تحفظان وجوده للقيام بدور تفريغ
الجزائر من الأفارقة وحماية أوروبا منهم. والنتيجة واضحة: تحول تونس إلى مأوى دائم
لهجرة غير قابلة للضبط (الدخول) والتصريف (الخروج). والأمر ذاهب إلى المزيد من
الفوضى وقد تتحول الجريمة إلى معظلة أمنية دائمة لا شك أن نتائجها ستكون كارثية
على الجميع. لماذا سكتت المظاهرة عن الأسباب وركزت على النتيجة؟ هنا ينفتح باب
الحديث عن الديمقراطية.
في غياب الديمقراطية أولا وأخيرا
مظاهرة تقطع الطريق على أخرى؛ هذا جوهر ما نخلص إليه في قراءة (ضرب بردعة
الأفارقة). تتحول الأصوات الهامسة ببلوغ نظام قيس سعيد نهايته المنطقية إلى أصوات
جهيرة، هناك مؤشرات لا تزال جنينية على نشأة موقف معارض وشامل يؤشر على تجاوز
مراحل الفرقة بين مكونات الساحة السياسية. واحتمال قيام ائتلاف أو جبهة معارضة
ديمقراطية غير استئصالية لم يعد يساوي صفرا، وهو أخطر مؤشر قد يشعر النظام بنهاتيه؛
لأن النظام ما زال قادرا على الاستثمار في خطاب السيادة المانعة للتدخل الخارجي
لأن هناك حساسية فعلية عامة من ذلك.
نقرأ وجوه من سار في المظاهرة المزيفة، نجد وجوه الاستئصال السياسي ونقرأ ما ينشرون فنجد خطابهم. لا جديد هنا، تتجلى عملية خلط غاية في الذكاء؛ لكي لا يتطور حديث الديمقراطية في أفق استعادتها وجب قطع الطريق بالهامشي والمؤقت والمزيف
لكن اتفاق الساحة "المتصارعة" على موقف موحد يطالب بالحريات
والعودة إلى حياة سياسية ديمقراطية؛ يُرعب النظام وحزامه الأيديولوجي من اليسار
الاستئصالي والقوميين وضحايا الديمقراطية الفاسدين المرعوبين من كل محاسبة (وهم
آخر من تبقى في صف النظام).
لكي لا يتجه الشارع هذا الاتجاه وجب الاستباق بخلق قضايا جانبية مثل قضية
طرد الأفارقة، إنها عملية تشتيت انتباه وتصريف احتقان فعلي تكون نتيجته بلا شك
مفيدة على مدى قريب. إنها عملية خلق طاحونة ريح تستبق معارضة تضع قضية الأفارقة
ضمن سياق استعادة الديمقراطية فتعالج أسبابها لا نتائجها. بالديمقراطية القائمة
على الانتخاب وفرز الصفوف يُنتظر أن يعاد النظر في الاتفاقيات المبرمة في نقاش
علني (برلماني وإعلامي) يصل مهما تأخر إلى نتيجة واضحة وهي معالجة الأسباب (حماية
الحدود الوطنية من الداخلين لا حماية حدود الآخرين من الخارجين).
نقرأ وجوه من سار في المظاهرة المزيفة، نجد وجوه الاستئصال السياسي ونقرأ
ما ينشرون فنجد خطابهم. لا جديد هنا، تتجلى عملية خلط غاية في الذكاء؛ لكي لا
يتطور حديث الديمقراطية في أفق استعادتها وجب قطع الطريق بالهامشي والمؤقت والمزيف،
لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال: إلى متى يمكن إغلاق الشارع الديمقراطي بالقضايا
الجانبية؟ هذه حيلة مستنفدة. لكن مع وجاهة السؤال وجب تخفيض سقف التوقعات القائلة
بأن النظام يعيش ساعاته الأخيرة لسببين؛ الأول شراسة الصف الاستئصالي المساند
للنظام واستعداده لارتكاب الفظاعات، والثاني هشاشة الصف الديمقراطي المعارض الذي
لا يزال مرتبكا رغم اتضاح الصورة. جبهة سياسية لاستعادة الديمقراطية مطلب حل أجله
ويتأخر الواعون به عن القيام له.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.