كان هذا عنوان رواية نشرناها قبل زوال حكم بن علي وبنيناها بالأسلوب
المناسب حول فكرة بدت لنا ميزة للشخصية
التونسية عامة، وهي الرضا من كل شيء بحد
أدنى من عائده بقطع النظر عن الجهد المبذول فيه. فلما حدثت
الثورة وبثت روحا جميلة
في العالم ظننا بأننا تعسفنا على ناسنا وما كنا لنخجل من اعتذار لو استمرت تلك
الروح تبث فعلها الخلّاق في الناس، لكننا نعيش اللحظة حالة من الارتكاس إلى الحد
الأدنى وإلى ما دونه، كأننا مررنا بحلم جميل ثم عدنا إلى سباتنا العميق الأزلي
راضين بأقل القليل من كل فعل. هل هذه شخصية سوية؟ لا قدرة لنا على تشريح الشخصية
التونسية بأي أداة من أداوت علم النفس الاجتماعي، لكننا نتتبع تفاصيل كثيرة فننتهي
إلى هذا الثابت العجيب الرضا بالحد الأدنى كأنه سقف أقصى لكل طموح.
هل تسقيف الطموح الجماعي ميزة؟
أجد في نماذج شخصيات تونسية طموحا عاليا في مجالات العمل وكسب المال وهناك
نجاحات مذكورة على نطاق واسع، ولكن ما يجمع بينها أنها طموحات/ نجاحات فردية حققها
أصحابها في مجالهم. ولعل الشخصية التونسية "المقترحة" علينا من إيطاليا
لمنصب الرئيس تعتبر مثالا على النجاج الفردي، لكن لا أجد طموحات لفعل جماعي بسقف
عال. وأرى أن هذا سبب فعال في فشل تجربتنا
الديمقراطية التي جاءت نتيجة لفعل جماعي
سرعان ما ارتد لفعل فردي أو فقد قدرته على توليد طاقة جامعة.
من وراء معارك النخب تشتت الناس إلى مطالبهم الخاصة فلم يعد يعنيهم الانخراط في أي جهد جماعي، بل جرى على ألسنتهم أن كل أهل السياسة يسعون في مصالحهم الفردية وبرر الجميع بذلك نكوصه إلى مربعه الخاص
كانت مطالب الفعل الجماعي (الاستثنائي) هي رفع سقوف الحرية والبناء السياسي
من داخلها فكانت الأحزاب والانتخابات، ولكن من داخل هذا الفعل ظهرت النوازع
الفردية فكانت المطلبية القطاعية ثم الطموحات الفردية للزعامة بدون بناء قاعدة
زعامة. واختصمت النخب (النجوم) على مواقعها الفردية ضمن نظام المنافع المتاح دون
تطويره أو طرح بدائل توفر مكاسب للجميع. ومن وراء معارك النخب تشتت الناس إلى
مطالبهم الخاصة فلم يعد يعنيهم الانخراط في أي جهد جماعي، بل جرى على ألسنتهم أن
كل أهل السياسة يسعون في مصالحهم الفردية وبرر الجميع بذلك نكوصه إلى مربعه الخاص.
لقد اختصر الجميع الطريق عائدين إلى ما يفيد أشخاصهم لا ما يبني بلدا حرا
وديمقراطيا، وهو المطلب/ المشروع الذي يثبت فيه كل فرد تعاليه عن ذاته واشتراكه في
صبر طويل مفض بلا شك إلى تغيير عميق ومفيد. لقد عادت الشخصية الراضية بالقليل
الرافضة للجهد الجماعي لتسيطر على السلوك لذلك لم يهتم إلا القليل من الناس
بالانقلاب على الديمقراطية، فطالما يمكن تدبير منفعة فردية فالحرية الجماعية غير
منتجة لمصلحة، ويمكن التعايش مع انقلاب يضمن الحد الأدنى من
المعيشة.
هل هي الغريزية في مواجهة
الجماعية؟
لقد عشنا مع مشروع بورقيبة الذي سماه "فرحة الحياة" ولخصه جهازه
الإعلامي في البيت الخاص والسيارة الخاصة والأسرة الصغيرة، وبناه معزولا عن كل
طموح جماعي فكانت النتيجة أن الجميع أو الغالبية حققت مطلبها وتوسعت فيه ولكن ضمن
تدبير فردي لا يعرف فيه الجار جاره إلا لماما. قوم مجتمعون في الظاهر منفصلون في
الباطن، يظنون في الآخر القريب تهديدا وجوديا فيبنون جدارا عاليا حول مكاسبهم
الشخصية. لم يعد الشأن العام عند هذا النموذج الفرداني السعيد يعني شيئا ذا بال،
من ذلك أن اهتمامهم بالسياسة اليومية يذهب في اتجاه تدبير مكاسب فردية إضافية
(زيادة في الأجر أو تسهيل إجراء ملكية فردية أو منح دراسية للأولاد أو سيارة
إضافية) ويقفون عنذ ذلك. من هنا تسلل إلى الثورة وإلى الانتقال الديمقراطي كل من
وعد بإضافة مكسب فردي، أما الوعود الجماعية التي قد تستهلك الإنفاق العام فلم تثر
حماسا كبيرا ففشل من فكّر في التنمية الجماعية وظُنت به الدروشة السياسة.
فإذا عدنا إلى الكراسات النظرية لليسار على سبيل المثال فإننا نتوقع فكرا
ومشاريع تتجاوز الأفراد إلى مشروع وطني شامل، لكن اليسار المالك للنقابات هو من حوّل
بالنقابات كل مطالب الثورة إلى نضال قطاعي مكّن به فئات قليلة اتبعته من خارج
كراساته النظرية وإنما من وعده بالمكسب الفردي، وقد حصل كثيرون على بغيتهم ولم
يذكروا لليسار ميزة غير ذلك. لقد كسر اليسار بالمطلبية كل مشروع الثورة الجماعي؛
هل يبدو هذا النقد مثاليا يطالب بشعب من الشهداء الغيريين الذين يؤجلون فردياتهم
من أجل مشروع جماعي؟
لا وجود للمواطن الشهيد.. ولكن
يقبل كل فرد بحكم تسلطي ما دام التسلط لا يمس شخصه ومنافعه الفردية، ويظهر التضامن أحيانا مع الضحايا لكن قليلا ما يتجاوز التضامن اللفظي غير المكلف
المواطن الشهيد حالة روائية لا يقر علم الاجتماع بوجودها، ونحن لا نبحث
عنها في مثاليتها لنحكم من خلالها على شخصية جماعية بالسلبية أو الإنانية، لكن في
غياب همّ جماعي يقود جماعة بشرية نصل إلى ما نعاينه في الحالة التونسية قبل الثورة
وبعدها. يقبل كل فرد بحكم تسلطي ما دام التسلط لا يمس شخصه ومنافعه الفردية، ويظهر
التضامن أحيانا مع الضحايا لكن قليلا ما يتجاوز التضامن اللفظي غير المكلف، وقد
زادت وسائل التواصل الاجتماعي في تسهيل التضامن غير المكلف. وقد عاينّا حالات
كثيرة من بلوغ ضرر التسلط على الأفراد ضمن ضرر جماعي، لكن لم نعاين تضامنا لدفع
الضرر بل لجوءا إلى النجاة الفردية برشوة السلطة مثلا. إن رشوة شرطي فاسد لاجتناب
أذاه أقرب عند التونسي من الاحتجاج عليه، فإذا سألت قيل لك لا أثق في أحد أو لا
آمل في الآخرين.
إن الحصول على ترقية وظيفية بالتزلف للمسؤول أسلس من التمسك بقواعد النظام
الإداري الجماعي، وهذا باب لتنافس غير نظيف داخل قاعدة الإدارة، ويمكن أن نعدد
البوبابات التي تسهل المهارب الفردية دون الحل الجماعي. هل هذا قدر جماعي يحكم
السلوك؟ من الواضح أن التدرب على دفع الأكلاف من أجل فكرة جامعة ليس هواية
تونسية إلا في قليل شاذ، وفي غياب هذه الروح نرجح أن الشاغل الديمقراطي ومشغلة
الحرية ليست على أجندة التونسي في مدى منظور، وأن قبوله بحلول سياسية تنهي حالة
البؤس القائمة الآن سيعتمد فيها على تقدير مصلحته الفردية، ولا يقدم ما يمكن أن
يقال له عن مصلحة وطنية وعن حريات جماعية تؤطر الفعل الفردي والجماعي بشروط
الديمقراطية.
هل يمثل التونسي حالة عربية شاملة؟ نرجح ذلك، لأن ما نرى هو تربية سياسية
جرى ترسيخها بأنظمة حكم تحتاج رعايا لا مواطنين. يمكننا أن نتوسع في برمجية (لوجيسيال)
بورقيبة الفرادنية، فهو مؤسس فرحة الحياة الفردية، لكن التوقف عند بورقيبة لا يكفي،
فالفرد العربي الذي يخفي رأسه حتى لا يرى غزة تباد هو نفسه الذي يقول مستنكرا:
ماذا نفعل بالحرية؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.