في
تونس الجميع يرى الطريق والجميع يتعامى عنه، لذلك نصفُ الوضع العام بأنه
وضع صفري. الجميع مطمئن بمقدار والجميع خاسر بنفس المقدار، والجميع يعرف أن المخرج
من الوضع الصفري هو الجنوح إلى
الديمقراطية، لكن دونها شجاعة لا تواتي الجميع لذلك
يؤبدون الوضع الصفري، وينتظرون أن تحل المشاكل نفسها فيغنمون بلا جهد؛ شأن صياد أعمى
يكمن لطريدة فتقع بين يديه عن طريق الخطأ. نطوف حول الوضع والمخارج لعل نقدر على
تفكيك اللحظة الصفرية.
الجميع مقتنع بفشل مرحلة قيس سعيد
إذا استثنينا جماعة من المدونين من غير ذوي الكفاءة والفاقدين لكل تاريخ
نضالي يقفون مع قيس سعيد ينافحون عن نظامه، لا نجد من ذوي العقول أو المسيسين من
يتولى هذا الدور، بل نسمع في مواقع كثيرة افتراضية وفي الشارع تذمرا من المرحلة،
حيث يقر الجميع بوصول البلاد إلى طريق مسدود. فلا الاقتصاد يُنتج ولا المنافع
تتراكم، وأخبار الزيادات في الأسعار وفي كلفة المعيشة تُحس في كل قطاع وآخرها
زيادات فاحشة في أثمان الأدوية الأساسية. لقد أوصلت أزمة انقطاع الكهرباء ومياه
الشرب الناس إلى حالة من البؤس المعيشي كانوا نسوها منذ زمن، حتى أن المقارنات
عادت إلى مرحلة ما قبل الدولة المستقلة.
أوصلت أزمة انقطاع الكهرباء ومياه الشرب الناس إلى حالة من البؤس المعيشي كانوا نسوها منذ زمن، حتى أن المقارنات عادت إلى مرحلة ما قبل الدولة المستقلة
رغم ذلك، فإن المسيسين أو من نتجاوز في تسميتهم بالنخبة السياسية؛ بدوا في
حالة من "البهتة "أو اللامبالاة بما يجري حولهم. ويشعر المتابع أن هؤلاء
ينتظرون معجزة في شارع يثور فيقدم لهم الحلول التي عجزوا دونها أو جبنوا، وهو
رأينا فيهم بلا مساحيق. نرى نخبة سياسية عاجزة أو هاربة من دفع أثمان النضال من
أجل التغيير، وهو وضع عشناه في آخر أيام بورقيبة العاجز وفي آخر أيام بن علي.
في بلد يفتخر (دون تقديم أرقام) بأن له أعلى نسبة خريجي جامعة وحملة دكتوراة؛
لا نسمع لنخبة الجامعة صوتا ولو خافتا في نقد الوضع واقتراح الحلول، حيث مرة أخرى
نستعيد قناعة قديمة. لم تتحرك نخب الجامعة أبدا كجسم فكري له مشروع قيادي، فضلا
على أن تتحرك كجسم سياسي يبحث عن دور ومكانة وتأثير في ما يحيط به.
لمَ هذا العجز الفكري والسياسي؟ إجابتنا تتعلق بمسألة تتجاوز المرحلة إلى
طبيعة المشروع السياسي التونسي ومركزية الموقف من الإسلاميين داخل المشروع
التحديثي التونسي.
العقدة الإسلامية للنخب
هنا نلتقط العقدة التي تكبل المشهد، سواء دخلنا عليه من باب النخبة الأكاديمية
المتماوتة أو من باب النخبة السياسية المتواكلة على حركة الشارع.
خلاصة الأحاديث الدائرة هذه الأيام في وسط السلطة أو في وسط المعارضة تلتقي
عند ماذا نفعل بهؤلاء الإسلاميين الذين لا يموتون؟
تسرب أصوات مترددة قريبة من دوائر النظام اقتراح تنفيسة سياسية بإطلاق سراح
مساجين سياسيين، لكن المقترح يصطدم بوجود إسلاميين وبالتحديد راشد الغنوشي؛ رئيس
البرلمان المعتدى عليه. لم تتيسر مبررات مقبولة سياسيا للفرز بين السياسيين
المحكومين بنفس الجرم، وهكذا بدا أن تنفيسة جزئية ستؤدي إلى مفعول عكسي وتزيد في
مظلومية الإسلاميين وهم قوم ينتعشون بالمظلومية، وقد رفعت معاناة الغنوشي الجسدية
من رصيده النضالي لدى قوم كثير.
في دوائر المعارضة ورغم كوة الضوء التي فتحتها مسيرة 25 تموز/ يوليو، فإن
حالة من البرود حلت بعدها وبدا كما لو أنها كانت طلقة في الليل لم تُصب هدفا. وسبب
البرود هو نفسه؛ إذا استمر الخروج للشارع بمرافقة النهضة (قيادة وجمهورا) فإن صورة
ستترسخ بأن النهضة ساهمت بقوة في إسقاط النظام (هذا على فرضية أن المسيرات إذا
توالت واشتد نسقها تستهدف إسقاط النظام)، وهو ما يعيد للنهضة حقا في المشاركة في إدارة
المرحلة الموالية.
نتحدث هنا عن تخوفات لم تتحق ولكنها قابلة للتحقق، وهو ما يخيف من يشارك النهضة،
فالأفق مهما اضطرب سيفتح على انتخابات يلعب فيها الكم الانتخابي دورا حاسما. أظن أن
المشاركين قد عادوا إلى نقطة البداية فتعطلت محركاتهم هناك، لقد أعادوا حساب
رصيدهم البشري فاكتشفوا خوفهم من الصندوق. هذه عقدة تونس، ونظنها عقدة العرب أمام
الديمقراطية.
عقدة أزلية في منشار
اصطدم مشروع بناء الديمقراطية في تونس (وعند العرب) بمعضلة نراها مصطنعة
ولكنها حاسمة؛ هي التشارك بين قوى علمانية أو ليبرالية وقوى إسلامية في بناء أنظمة
ديمقراطية. وقد أدت المعضلة إلى تخريب الربيع العربي وما قبله، وها هي تعاود
الظهور في مرحلة إنهاء الردة على الربيع.
الوضع الصفري قابل للاستمرار؛ ما لم تحل النخب عقدتها الخاصة لتبنى تحالفات سياسية مع الإسلاميين لتوحيد الشارع السياسي على قاعدة المشاركة الديمقراطية دون تخابث وحسابات (تحت الطاولة)
مشروع التحديث الثقافي والسياسي الذي تبنته النخب لا يفسج مجالا لمشاركة
التيار الديني، فهو في خريطة التحديث يشكل عائقا رجعيا أمام التحديث ويجب إقصاؤه
من الوجود.
تونس تقف الآن في هذه النقطة من جديد، لذلك فهي في وضع صفري لا تفلح في
الخروج. التحرك ضد
الانقلاب دون النهضة ضعيف وغير مؤثر، والتحرك مع النهضة يعيد
لها حقا في المشاركة بعده، والصمت على الانقلاب يؤدي بالبلد إلى المزيد من الفشل.
ومنظومة الحكم تعرف الوضع وتطيل أمد الانقلاب لأنها تحقق فيه مكاسب فئوية وقطاعية.
فضلا عن ذلك، فإن القوى الخارجية الداعمة للانقلاب تراقب الوضع وتجد فيه
مصلحة، خاصة بقاء اتفاقية منع الهجرة المبرمة مع الإيطاليين والتي كانت فيها مصلحة
عامة لكل دول الاتحاد الأوربي، ولذلك لا نظنها متحمسة لدعم تحركات
احتجاجية ضد
النظام قد يتسرب فيها من يُسقط الاتفاقية. (لا يجب أن نغفل أن قوس الديمقراطية قد
أخرج من يفكر في محاسبة قوى الاستعمار وطلب الاعتذار والتعويض).
في هذه اللحظة يبدو لنا أن الوضع الصفري قابل للاستمرار؛ ما لم تحل النخب
عقدتها الخاصة لتبنى تحالفات سياسية مع الإسلاميين لتوحيد الشارع السياسي على
قاعدة المشاركة الديمقراطية دون تخابث وحسابات (تحت الطاولة). لقد فتحت مسيرة 25 تموز/
يوليو كوة من الأمل في التغيير، والأمل الأكبر كان في تحويل احتمال المشاركة إلى حقيقة.
وفي انتظار مسيرة أخرى مشابهة سنقول إن الخروج من الوضع الصفري ممكن والمفتاح بيد
التونسيين رغم الضغوط الخارجية. فهذه المنظومة باقية بهذا الاختلاف لا بقوتها
الذاتية، وهي حقيقة مكشوفة لكل ذي بصيرة منذ ساعة الانقلاب الأولى.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.