تونس الحائرة.. لقد طال الانتظار

صلاح الدين الجورشي
كل نظام لا يتجدد، ولا يضيف إلى رصيده مكاسب، بل على العكس من ذلك يتقلص هذا الرصيد ويتآكل تدريجيا، يكثر المشككون في قدرته على البقاء والصمود، ويصبح البحث عن البديل سلوكا رائجا وحديث الخاص والعام..
كل نظام لا يتجدد، ولا يضيف إلى رصيده مكاسب، بل على العكس من ذلك يتقلص هذا الرصيد ويتآكل تدريجيا، يكثر المشككون في قدرته على البقاء والصمود، ويصبح البحث عن البديل سلوكا رائجا وحديث الخاص والعام..
شارك الخبر
سئل الجامعي والمؤرخ التونسي عبد الواحد المكني من قبل موقع "الكتيبة"، إن كان لديه اقتراح يقدمه في مجال البحث العلمي المتعلق باختصاصه، فأجاب بأن المجال لو يسمح للعمل على تأسيس "معهد للتاريخ الراهن في تونس". فكمية الأحداث وسرعتها والنسق الذي تمر به يفرض التوثيق السريع. ورأى في ذلك أمر هاما، ولا يتطلب انتظار ثلاثين أو أربعين سنة لكي يعود الباحثون إلى الحدث ويختلفون فيه وحوله. واعتبر أن هذا الاختصاص له مكانة الآن في العالم، وتكفي الإشارة إلى اعتماد عديد الدول مثل فرنسا التي أنشأت معهدا علميا هذا الشأن.

فعلا، تونس في أشد الحاجة لتأريخ الحاضر ربما أكثر من حاجتها لتوثيق الماضي. فما حدث منذ 17 ديسمبر إلى اليوم أمر مذهل وسريع لم يتوقعه أحد. إذ في كل يوم أو أسبوع، يطرأ حادث ما يهز الرأي العام هزا، وينسخ ما سبقه، فينفتح باب وتغلق أبواب، ويرفع شأن البعض ويحط من شأن آخرين. هناك من يتنفس الصعداء، وفي المقابل تظلم الدنيا على البقية. ونظرا لارتفاع سقف الحرية، تعددت الأصوات وكثر الهرج والمرج، وتمكن البعض من التأثير والإرباك وحتى التزوير لتحقيق أهداف صغيرة. و تحول الإعلام في لحظة ما إلى مجال مفتوح للفوضى وحتى الاحتيال، فكانت النتيجة أن أصيب التونسيون بما سماه عبد الواحد المكني بـ " عمى الألوان ". وانقسموا بناء على ذلك إلى جماعات متناحرة تتبادل الكراهية والحقد.

يتفق المراقبون على اعتبار سيناريو حدوث انهيار قريب للسلطة في تونس احتمالا مستبعدا في الوقت الراهن، لكن الأكيد من جهة أخرى أن الضعف المتزايد للنظام ليس مصدره الرئيسي ما تقوم به المعارضة، بقدر ما هو ناتج عن عجز النظام نفسه عن تحسين أوضاع التونسيين، وعدم قدرته على الحفاظ على رصيد الثقة التي كان يتمتع بها الرئيس سعيد عندما خاض الانتخابات الرئاسية في سنة 2019.
آخر هذه المحطات المتتالية ما حدث يعتبر في يوم 25 تموز / يوليو الأخير. في هذه الذكرى الخامسة لانفراد الرئيس سعيد بالحكم، رصد المراقبون تلك المسيرة الاحتجاجية التي نظمها الآلاف من التونسيين والتونسيات، انتقدوا خلالها الأداء الضعيف للسلطة، وطالبوا بإطلاق سراح المساجين السياسيين. وتكمن أهمية ما حصل ليس فقط في عدد المشاركين الذي بلغ ما يزيد عن أربعة آلاف شخص، وهي نسبة عالية مقارنة بالمظاهرات التي تم تنظيمها سابقا، وأجمع هؤلاء على المطالبة برحيل الرئيس والدعوة إلى قيادة بديلة دون تحديد ملامح لها. ورغم أن المعارضة بمختلف ألوانها قد دعت إلى التظاهر في هذه المناسبة، لكن أغلب المشاركين، خاصة الشباب منهم، لا علاقة لهم بالأحزاب وبالمشهد السياسي السابق.

في عذا السياق، عاد اهتمام الإعلام العربي والدولي بالمشهد التونسي بعد غياب، وهو ما دفع بمؤسسات إعلامية عديدة تقرر تسليط الأضواء من جديد على ما يجري، مما أثار قلق السلطة وجعلها في حالة دفاع مستمر ضد ما اعتبرته حملة تستهدف المس من استقرار الدولة ومؤسساتها، وجعلها تعود من جديد إلى تكليف وزارة الخارجية بتقديم احتجاج رسمي لدى بعض السفراء الأجانب، ومطالبة حكوماتهم التدخل العاجل لدى هيئات تحرير المؤسسات الإعلامية التي سمحت بدعوة معارضين للنظام التونسي، مثلما حصل مع السفير الفرنسي مؤخرا.

ورغم علم الجميع بأن هذا الأسلوب لا يفيد في الدول الديمقراطية، ويؤدي إلى نتائج عكسية كما حصل خلال حقبة الرئيس بن علي، لكن يبدو أن تناول الشأن التونسي في عديد  الفضائيات قد تجاوز قدرة النظام على التحمل. وهو ما مساندة تونس، بعد أن الأمر أصبح الأمر يتعلق بوضع الرئيس قيس سعيد وبمصيره السياسي، وهو ما اعتبره الرئيس تبون في تصريح سابق " خطا أحمر ".

وأضاف في تصريحات له: "من يأتي بالإرهاب ليهدد به تونس سنهدم خيمته ". بل إن بعض الصحف الجزائرية رأت في قول المنصف المرزوقي خلال حوار أجرته معه قناة فرنسا 24 أن "الغرف المغلقة في الخارج" تسعى حاليا إلى "تحديد بديل للرئيس سعيد"، إشارة إلى وقوف "المخزن" أي النظام المغربي وراء الحملة. وهذا يعني أن الحالة التونسية قد تتحول إلى تنازع متعدد المحاور تشارك فيه أطراف ودول.

الواضح أن معارضي النظام التونسي اتسعت رقعتهم وارتفعت أصواتهم، رغم كونهم لم يشكلوا حتى الآن تهديدا مباشرا له. وإذ يتفق المراقبون على اعتبار سيناريو حدوث انهيار قريب للسلطة في تونس احتمالا مستبعدا في الوقت الراهن، لكن الأكيد من جهة أخرى أن الضعف المتزايد للنظام ليس مصدره الرئيسي ما تقوم به المعارضة، بقدر ما هو ناتج عن عجز النظام نفسه عن تحسين أوضاع التونسيين، وعدم قدرته على الحفاظ على رصيد الثقة التي كان يتمتع بها الرئيس سعيد عندما خاض الانتخابات الرئاسية في سنة 2019. وكل نظام لا يتجدد، ولا يضيف إلى رصيده مكاسب، بل على العكس من ذلك يتقلص هذا الرصيد ويتآكل تدريجيا، يكثر المشككون في قدرته على البقاء والصمود، ويصبح البحث عن البديل سلوكا رائجا وحديث الخاص والعام سواء في الداخل والخارج وفي ذلك تعريض للدولة واستقرارها واستقلالها لخطر حقيقي وداهم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)