رغم ادعاءات نتنياهو.. الشرق الأوسط لا يزال يقاوم

صلاح الدين الجورشي
"تبين أن الشروع في تنفيذ هذا المخطط له كلفة عالية، وأنه مع كل محاولة هدم القديم تظهر مؤشرات صمود ومبادرات للتصدي"- جيتي
"تبين أن الشروع في تنفيذ هذا المخطط له كلفة عالية، وأنه مع كل محاولة هدم القديم تظهر مؤشرات صمود ومبادرات للتصدي"- جيتي
شارك الخبر
أعلن نتنياهو أنه سيغير الشرق الأوسط، متخذا من 7 أكتوبر ذريعة لإعلان جملة من الإجراءات تدعم الأحلام العبرية القديمة. بناء عليه، تم رفض قواعد اللعبة السابقة مثل احترام القانون الدولي، ورفض منظومة الأمم المتحدة، واعتماد القوة العسكرية لفرض العنجهية الإسرائيلية، والذهاب بعيدا في مشروع الإبادة الجماعية وتهجير الشعب الفلسطيني والتوسع في تهويد الأرض وتزوير التاريخ، معتمدا على توظيف الرئيس الأمريكي وإدارته من أجل تحقيق المشروع الصهيوني. وفي لحظة ما ظن الكثيرون أن ما يسمى بالشرق الأوسط أصبح خاضعا للإرادة الإسرائيلية، وأنها بدأت فعلا تتغير وفق ما تم التخطيط لها، فهل هذا الانطباع صحيح فعلا؟

فعلا، تواترت الأحداث بسرعة في هذا الاتجاه، وظن الكثيرون أن "المارد الصهيوني" قد خرج من القمقم، وشرع في قلب المشهد الشرق الأوسطي بشكل جذري. لكن تبين أن الشروع في تنفيذ هذا المخطط له كلفة عالية، وأنه مع كل محاولة هدم القديم تظهر مؤشرات صمود ومبادرات للتصدي لم تكن متوقعة، وتبرز من وراء الركام تضاريس جديدة تستنزف قوى العدو، وتطيح بأوهامه وحساباته الخاطئة.

كان مشروع التطبيع يسير كما خططت له الحركة الصهيونية إلى أن حدثت حرب غزة بكل بشاعتها، عندها توقفت المساعي في هذا الاتجاه

نجحت إسرائيل في تدمير غزة وبعثرة سكانها، وتخريب جزء هام من الضفة، وقضت على أبرز قادة المقاومة ومقاتليها، ووضعت عملية طوفان الأقصى محل جدل وتساؤل، لكن مع ذلك لم تتمكن تلك الخطط من تهجير الفلسطينيين وكسر إرادتهم، وطمس قضيتهم المشروعة، أو حتى تجريدهم من سلاحهم بدون مقابل. على العكس من ذلك كله، اكتسبت قضيتهم مزيدا من التعاطف الدولي رغم انتهازية الغرب ومراوغات الحكومات العربية والإسلامية، لقد بقيت فلسطين رقما صعبا لا يمكن تجاوزه. لهذا السبب تشك حكومة تل أبيب في كل اتفاق تضعه بنفسه أو تكيفه حسب شهواتها، ثم تعود لترفضه من جديد في حال وافقت عليه فصائل المقاومة. حتى القوات الأجنبية التي وكلها ما يسمى بـ"مجلس السلام" واختارت إسرائيل جنسيات الدول التي ستأتي منها، تعمل حاليا على منعها من دخول غزة. فهي مصرة على أن تحرق الأخضر واليابس دون رقيب كلما عجزت عن تحقيق كل ما تريد فعله.

تلقت إيران ضربات قاسية كلفتها أثمانا باهظة، لكن المراقبين الموضوعيين يتفقون على أن هذه الحرب البشعة لم تحقق أهدافها المعلنة، وأظهرت نتائجها أن بلاد فارس ليست لقمة سائغة يمكن التهامها بيسر وسرعة. لقد خطط نتنياهو وأشعل ترامب الحريق، لكن النيران لم تصب فقط إيران وأذرعها، بل امتدت إلى "القلاع المحصنة" لأمريكا وإسرائيل. ووجدت منطقة الخليج، التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من الشريان العالمي، محشورة في أزمة تهدد الجميع. لهذا بقي الملف الإيراني مفتوحا على أكثر من احتمال رغم كل ما يحدث ويخطط له.

في سياق هذه التداعيات الكبرى، جاء الحدث السوري مفاجئا ومعاكسا للمخطط الإسرائيلي. ورغم أن انهيار نظام البعث قد غذى شهية أقصى اليمين الإسرائيلي ودفعه نحو ابتلاع الشريط الحدود السوري، إلا أن انقلاب المواقف الإقليمية والدولية وبالأخص واشنطن، لصالح السلطة الجديدة في دمشق، وضع تل أبيب أمام معطى استراتيجي جديد لا يمن التكهن حاليا بتداعياته.

التغيير الحاصل في المنطقة لا يصب دائما في صالح المشروع الإسرائيلي، وأن بعض المؤشرات تدل على أن موازين القوى الإقليمية لم تُصب بالاختلال رغم ما يحصل في لبنان وسوريا

كان مشروع التطبيع يسير كما خططت له الحركة الصهيونية إلى أن حدثت حرب غزة بكل بشاعتها، عندها توقفت المساعي في هذا الاتجاه. وكانت اللقمة الكبرى التي تم التخطيط لالتهامها هي المملكة السعودية، لكن الرياض وجدت نفسها تتوقف، ثم ترفض أن تواصل السير في هذا الاتجاه بسبب الصلف الصهيوني ورغبة نتنياهو في احتواء السعودية بدون مقابل. ورغم الجهود التي بذلها ترامب شخصيا تمسك الأمير ابن سلمان بموقفه القائم على ربط التطبيع باعتراف تل أبيب بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أقدم الأمير على خطوة لم تكن متوقعة، حين جمع كلا من الرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني ليمضي جميعهم على "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، وهو الاتفاق الذي فاجأ الطبقة السياسية الإسرائيلية برمتها. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى ما جاء على لسان وزير الدفاع الباكستاني حين قال: "تشكل إسرائيل تهديدا لنا جميعا ويجب على الدول الإسلامية أن تتبنى نهجا منسقا لمواجهة هذا التهديد". من جهتها رأت تل أبيب في هذا الاتفاق "تطورا خطيرا ومقلقا للغاية يهدد أمن إسرائيل".

إذا اكتفينا بهذه المتغيرات الأربعة، يمكن القول إن التغيير الحاصل في المنطقة لا يصب دائما في صالح المشروع الإسرائيلي، وأن بعض المؤشرات تدل على أن موازين القوى الإقليمية لم تُصب بالاختلال رغم ما يحصل في لبنان وسوريا؛ صحيح أن الصفائح الصخرية لمنطقة الشرق الأوسط بدأت تتصدع لكن التضاريس القادمة لا تزال مجهولة المعالم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)