لا يزال ضياع
الأندلس
يثير حيرة الباحثين وتساؤلات المؤرخين قديما وحديثا؛ كيف انهار ذلك الصرح العظيم
وكيف انقلب أصحابه على اعقابهم بعد ثمانية قرون من القوة والعطاء؟ وهل توجد علاقة
بين الأمس واليوم، بين الأندلس وفلسطين؟
انشغلت هذه
الأيام بقراءة رواية المبدع التونسي حسين بن عمو "الغروب الخالد"، رواية
ابن خلدون عن ابن خلدون؛ قصة لم ينسجها خيال المؤلف الذي اقتصرت مهمته على إعادة
صياغة السيرة الذاتية لصاحب المقدمة بمختلف تفاصيلها ومحطاتها حتى
أصبحت الصورة قريبة من القارئ، واضحة وضوح الشمس، عندها يمكن المقارنة بين
ماضي اندثر وحاضر يعيد المأساة بأسلوب جميل جاء أقرب إلى الاستنساخ منه إلى شيء
آخر.
عاش عبد الرحمن بن
خلدون في فترة كانت الأندلس تواجه بداية انهيارها وأفولها، غادر بلاده تونس التي
أصابها
الانهيار السياسي ومزقتها الفوضى واتجه في البداية نحو بجاية وعنابة وتلمسان وبسكرة وعدد من المدن وصولا إلى مدينة فاس. وكل مدينة تحولت إلى
مملكة يحكمها ملك يقاد من جعلت خفية في الغالب، وكانت فاس تحت حكم المرينيين
وصراعهم المتواصل مع بقاء الدولة الحفصية، حيث عاين عن قرب انهيار سلطانهم وتراجع
نفوذهم رغم اتساع نفوذهم، فالصراع الأعمى على السلطة استحكم في نفوس الجميع وأقحمهم
في دوامة لا تتوقف. لهذا قال ابن خلدون في هذا الشأن وهو يجيب عن سؤال افتراضي:
"لماذا يتقاتل الرجال من أجل السلطان؟". ويرد على ذلك قائلا: "إنه
منصب ملذوذ قلّ أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه".
الدورة الحضارية التي لا تتخطى أحدا ولا تستثني أي أمة من الأمم، فمن يفقد شروط القوة والمناعة يتخطّفه الطير وتأكله السباع، وعلى ذلك يقاس ما يجري حاليا من أحداث ووقائع
ومن فاس توجه عبد
الرحمن إلى غرناطة المدينة الساحرة، وإشبيلية التي ولد فيها أجداده قبل أن يُطردوا
منها بالقوة القاهرة، وهناك رصد عن قرب ومن داخل دواليب السلطة وبعيون
المؤرخ المستبصر العلامات الكبرى للانهيار التاريخي.
لم يقف الانهيار
عند حدود الأندلس فقط، وإنما امتدت تداعياته إلى مساحة أوسع بكثير جغرافيا وسياسيا
وحضاريا. كان العالم الإسلامي كله في حالة تفكك وانقسام لا تتوقف، وكانت الأندلس
جزءا من جسم كبير يتراجع وزنه يوما بعد يوم، ويواجه النزع الأخير من الحياة
والبقاء.
كان حكام وأمراء
الممالك الأيبيرية يترصدون الأحوال ويهجمون من حين إلى آخر للسيطرة على بعض الأراضي
والمدن ويسحبونها عنوة من سلطة الأندلسيين ويتولون حكمها، لكن الخطر الحقيقي الذي أضعف
البنيان ونخر الأسس وجعله عرضة للسقوط التدريجي وبنسق أسرع؛ هو العامل الداخلي،
والمتمثل في التكالب على الحكم بين الطامحين للسلطة في غياب ضوابط قانونية وأخلاقية
تضبط التداول على السلطة وتوقف النزيف الداخلي للدولة، فانعدمت الثقة داخل الأسر
الحاكمة وتلاشت وحدة الصفوف بين رجال الدولة، إلى جانب تفاقم ظاهرة الاعتماد على
الأجانب والاستقواء بهم ضد خصومهم في الداخل، وهو ما مكّن هؤلاء الأجانب من
الاختراق السريع لدعم أحد الطامعين في السلطة. وكانت النتيجة أن تمكن الإفرنج من
افتكاك زمام المبادرة والقوة، فسيطروا وهيمنوا سياسية وعسكريا واقتصاديا،
وفرضوا شروطهم كما أرادوا على الشعوب التي استعمروها والنخب التي استسلمت لهم.
تلك هي الدورة
الحضارية التي لا تتخطى أحدا ولا تستثني أي أمة من الأمم، فمن يفقد شروط القوة
والمناعة يتخطّفه الطير وتأكله السباع، وعلى ذلك يقاس ما يجري حاليا من أحداث
ووقائع. وكما ورد في
الرواية قول المؤلف: "أنظر كم حولنا من خيانات وسعايات، أصدقاء يخونون
أصدقاءهم لأتفه الأسباب اللصيقة بالسلطة، ووزراء يخونون سلاطينهم، وسلاطين يخونون
وزراءهم، كأن المُلك لا يستقيم إلا على هذه المستنقعات".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.