حسنا ما فعل، عندما رفض جبريل الرجوب مصافحة رئيس الاتحاد
الإسرائيلي لكرة
القدم، وذلك خلال اجتماع الجمعية العمومية للاتحاد الأوروبي. حصل ذلك أمام جميع
المشاركين ونقلته جميع وسائل الإعلام الدولية، ورغم إلحاح رئيس
الفيفا جياني أنفنتينو
الذي اعتقد أن لقطة من هذا القبيل ستكون كفيلة بتجاوز بشاعة الإبادة والحقد
المتراكم عبر ستين عاما على الأقل.
ومن يقبل من
الفلسطينيين أن يضع يده في يد صهيوني سيكون قد حكم على نفسه
بالمسخ والانتحار، فرئيس الاتحاد الإسرائيلي لا يمثل نفسه وإنما يمثل حكومة مارقة
يقودها رئيس ملاحق من قبل الهيئات الدولية بصفته مجرم حرب. انتهت مرحلة النفاق
السياسي، وأغلق باب الطمع في الحصول على الفتات من عدو يخطط من أجل تدمير جميع
الفلسطينيين دون استثناء، واستئصال جذورهم من أرضهم ووطنهم. هذا ما تفرضه اللحظة
التاريخية التي اختلفت جذريا عن مرحلة أوسلو، وانتهت مع اغتيال الرئيس عرفات، وازداد
الأمر وضوحا مع التجربة الفاشلة بقيادة الرئيس أبي مازن؛ والتي أوصلت منظمة
التحرير عموما وحركة فتح خصوصا إلى انهيار تاريخي يكاد يكون شاملا.
من يقبل من الفلسطينيين أن يضع يده في يد صهيوني سيكون قد حكم على نفسه بالمسخ والانتحار، فرئيس الاتحاد الإسرائيلي لا يمثل نفسه وإنما يمثل حكومة مارقة يقودها رئيس ملاحق من قبل الهيئات الدولية بصفته مجرم حرب
أومن بأهمية الحوار بين الخصوم وحتى بين الأعداء، وأعتقد أنه في بعض
القضايا المعقدة وفي ظل اختلال موازين القوى يمكن للحوار أن يؤدي بالخصوم إلى
أنصاف الحلول عندما تفشل الحروب ويستحيل التوصل إلى حلول جذرية. لكن ما حصل في
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالأخص خلال السنوات الثلاث الأخيرة ويستمر دون
توقف، يدل قطعا على أن الحرب الدائرة تجاوزت حدود الصراع السياسي، وتحولت إلى توحش
مطلق يهدف الى اغتصاب الأرض والعرض، وينسف تماما احتمال أن يقبل فلسطيني نزيه
ووطني أن يضع يده في يد من يمثل هذا الكيان العنصري والفاشي.
شاركت مع الأستاذ احميدة النيفر في مؤتمر دولي عقد في روما بدعوة من منظمة
"سانتي جيديو"، وكان المشاركون ينتمون إلى أديان ومذاهب مختلفة بهدف التقارب
بين الجميع، خدمة للسلام ومواجهة التعصب وموجة الكراهية. ومن سوء حظ الأستاذ أنه تم
اختياره ليشارك في لقاء يتولى تسييره رجل دين يهودي قادم من القدس المحتلة. انزعج
صاحبي، ورفض الصعود فوق المنصة، واختار أن يلقي مداخلته من مكانه. ورغم محاولات
أصحاب الدعوة لثنيه عن موقفه، تمسك برأيه حتى لا تلتقط له صورة مع الشخص
الإسرائيلي. لم يسبق أن تعرف عليه من قبل، لكن توجس منه لأن خبرته علمته بأن الصهاينة
قوم لا يؤتمنون. ووقعت هذه الحادثة قبل أشهر قليلة من اندلاع "طوفان الأقصى"! فالقطيعة يجب أن تكون شاملة لكل المجالات دون استثناء.
عندما يكون وطنك مغتصبا، ووجودك مستهدفا، تصبح مقاطعة العدو واجبا وطنيا
وليس اختيارا. أنت في واد وهو في واد آخر، فأنتما على ظرفي نقيض، ووجودك إلى جانبه
نفي لك واغتيال لكل معاني الانتماء. ومن يعتقد خلاف ذلك فهو واهم، فكل خطوة في
الاتجاه المعاكس هي رهان على وهم زائف، وخدمة مجانية للعدو، وزيادة في تقسيم الصف
الفلسطيني، وطعنة في ظهر المناصرين للحق الفلسطيني.
لا يمكن أن يقدم بعد ذلك مسؤول فلسطيني على أن ينسى ذلك ويشطبه من الذاكرة الفلسطينية والإنسانية، مقابل التقاط صورة في مؤتمر دولي
هؤلاء نازيون جدد يجب عزلهم بمختلف الوسائل، يحتقرون من يجالسهم، ويدوسون
على كل من يقترب منهم، ويخدعون كل من يظن أنه قادر على التوافق معهم.
إن تدمير غزة، وقتل ما يقارب السبعين ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال،
ومصادرة الآلاف من الأراضي في القدس والضفة، وهدم آلاف البيوت بعد تهجير أصحابها؛
لا يمكن أن يقدم بعد ذلك مسؤول فلسطيني على أن ينسى ذلك ويشطبه من الذاكرة
الفلسطينية والإنسانية، مقابل التقاط صورة في مؤتمر دولي. إذ لا يمكن أن تصبح
الرياضة غطاء لإخفاء
جرائم ارتكبت ضد الإنسانية علنا وأمام الجميع في حق شعب مظلوم
ومسحوق.
ستتكرر هذه المناورات، وسيتواصل البحث عن الراغبين في المستعدين للعب دور
الكومبارس والباحثين عن الأضواء الزائفة على حساب الدماء التي أزهقت. إسرائيل
مثقلة بالكبائر، وقادتها يبحثون عمن يشاركهم هذا الحمل الثقيل من داخل فلسطين ومن
محيطها العربي والإسلامي حتى يعيدوا تبييض صفحاتهم السوداء، ويقدمون أنفسهم من
جديد في صورة شركاء ودعاة
سلام مزيف، وليس باعتبارهم لصوصا ومجرمي حرب كما تعرفهم
المحكمة الجنائية الدولية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.