تتوالى محاكمة الشخصيات التي كان لها دور ما خلال المرحلة الماضية، وذلك
طيلة السنوات الأربع الأخيرة دون انقطاع، حتى أصبح الأمر مملا للصحافيين والقراء. وما
تم خلال الأسبوع الماضي بعد إحالة شخصيتين مهمتين على القضاء يستوجب الوقوف عنده،
نظرا لمكانتهما، وما يدل عليه هذا الإحباط.
فالأول هو
محمد الغنوشي، آخر رئيس حكومة في عهد الرئيس بن علي. هذا الرجل
ليس سياسيا بالمعنى المتعارف عليه، وإنما تم اختياره باعتباره من المشهود لهم بالكفاءة
من قبل الجميع تقريبا، إلى جانب نظافة اليد التي عرف بها طيلة مساره المهني. عرفه
التونسيون في لحظة مفصلية من تاريخهم المعاصر، وذلك عندما دُفع دفعا نحو البقاء في
منصبه بعد مغادرة بن علي تونس، وطُلب منه الإعلان عن حصول شغور في منصب رئيس
الدولة.
كانت تلك اللحظات صعبة جدا بالنسبة لشخص لم يتخيل أن يمر بها في حياته.
لهذا عندما التقيت به بعد فترة وجيزة من تلك الأحداث في قصر الحكومة، وجدته مرهقا
ومرتبكا ومشوش التفكير، لكنه كان مدركا لحجم المسؤولية وخطورتها. ومما قاله خلال
تلك الجلسة: "مررت بظرف عصيب، سأحدثك عنه في مناسبة أخرى، كان المسدس موجها إلى
رأسي في تلك اللحظات الخطيرة، كنت مهددا بالاغتيال".
في تلك الجلسة أيضا، وبحضور المرحوم منصف الرويسي، المستشار السابق لبن
علي، الذي ربطتني به صداقة قديمة، فاجأني سي محمد عندما عرض علي تولى منصب كاتب
دولة لحقوق الإنسان، وذلك ضمن "حكومة الوحدة الوطنية" التي شكلها بعد
الثورة. وكان حريصا على ذلك، لكني فاجأته عندما اعتذرت عن قبول تلك المسؤولية
لأسباب عديدة. وفي نهاية ذلك اللقاء، سألني الرويسي على انفراد؛ هل يبقى في السلطة
أم يغادر نتيجة الحملة التي تعرض لها من قبل أطراف متعددة، فنصحته بالبقاء إلى
جانب الغنوشي الذي كان في أشد الحاجة إلى من يشد أزره في تلك الأيام حتى تجد تونس
طريقها. لكن لم تمض سوى أسابيع قليلة حتى أعلن الغنوشي عن استقالته، والتفرغ لأسرته
قبل أن يستفيد المغرب من خبراته.
هذا الرجل يجد نفسه اليوم، بعد خمسة عشر عاما من تلك الأحداث
العاصفة، وبعد أن بلغ من العمر 84 سنة، محالا على القضاء دائرة الاتهام المختصة في
قضايا الفساد المالي، وتتعلق
الشبهة بإحدى الصفقات التابعة لوزارة الشباب والرياضة. وكان لهذا الخبر
الوقع السيئ على كل الذين خبروا صدقه ونزاهته وتقشفه عندما كان وزيرا أول!
الشخص الثاني الذي تمت إحالته على المحكمة هو أنس الحمادي، رئيس جمعية
القضاة التونسيين، هذه الجمعية التي سبق لها أن خاضت معركة شرسة ضد الرئيس السابق
بن علي لمدة سنوات، وتعرض مسؤولوها لشتى أنواع المضايقات والعقوبات الإدارية.
وعندما قرر الرئيس قيس سعيد معاقبة جزء كبير من القضاة، وقام بحل المجلس الأعلى
للقضاء، تحمل الحمادي مسؤوليته كاملة -ولا يزال- في الدفاع عن زملائه، وبقي رافضا
لقرار تحويل القضاء إلى وظيفة خاضعا كليا للسلطة التنفيذية. ولهذا السبب بقي الرجل
يتمتع بثقة معظم زملائه، كما لا يزال مدعوما من قبل منظمات المجتمع المدني.
ومن تصريحاته الجريئة قوله: "أنا كقاض أشعر
بالحرج والخجل من الأحكام القاسية الصادرة في قضايا ذات طابع سياسي". وأضاف
أن القضاء "يعيش تحت الرعب والخوف من بطش السلطة التنفيذية". وهو ما دفع بنائبة مديرة
المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، سارة حشاش، إلى
القول بأن "أنس الحمادي قاضٍ شجاع رفض الصمت وجاهر برأيه دفاعا عن استقلال
القضاء"، كما اعتبرت أن ملاحقته القضائية "تشكل أعمالا انتقامية بسبب
ممارسته لحقوقه في حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات أو الانضمام
إليها، وكذلك بسبب دفاعه عن مهنته".
كما أصدرت 23
جمعية تونسية، من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنساء
الديمقراطيات، بيانا مشتركا أدانت فيه ما وصفته بـ"إمعان السلطة في
المحاكمات
السياسية لكل الآراء المخالفة ولأي حراك سياسي أو اجتماعي أو مدني".
والله المستعان كما
يحلو للزميل محمد كريشان أن يعقب في معظم تدويناته!!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.