تونس.. بروفايل رئيس إداري

نور الدين العلوي
"يمتلك أحمد صواب خصالا شخصية كثيرة تجعل منه رئيسا"- فيسبوك
"يمتلك أحمد صواب خصالا شخصية كثيرة تجعل منه رئيسا"- فيسبوك
شارك الخبر
خرج الاستاذ القاضي المحامي الحقاني أحمد صواب من سجنه فجأة، فالتهم التي وُجهت إليه تؤدي وراء الشمس ولا تقل خطورة عما وُجه لغيره من الزعامات السياسية. في لحظة التشديد على البقية تبين أن تهم السيد صواب لا تقوم على حجة فأُطلق سراح الرجل في حركة لفلفة ملف مضروب، فلا هي براءة ولا هو عفو ولكن سراح، فالرجل الآن حر، ولم يسأل مثل يوسف النبي (ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن)، فلم ينشغل بتثبيت بطلان التهم التي وجهت إليه فالحرية عزيزة حتى على الحقانيين. هذا الخروج الفجئي قابل للقراءة السياسية.

بروفايل حقوقي يخفي بروفايل سياسي

سمع الناس باسم أحمد صواب بعد ثورة 2011، قدمه الإعلام المعادي للثورة كقاض في المحكمة الإدارية لكنه لم يكن خاتما في إصبع من يستضيفه، فلمع بمواقف أقرب إلى الثورة لكنها لا تقف بعيدا عن تيار اليسار الاستئصالي. وقد ظهر في اعتصام الرحيل محرضا على حكومة الترويكا التي كان عصبها حركة النهضة، ولم يتميز في هذه المرحلة بأي موقف مخالف لتيار اليسار الاستئصالي.

بلغ القاضي سن المعاش فعاد إلى الساحة الحقوقية محاميا فلم يتخلف عن القضايا الحقوقية، خاصة بعد انقلاب قيس سعيد وبدء سلسلة المحاكمات في هذه المرحلة. كان ظهور المحامي في الإعلام ظهورا سياسيا رسخ فيه بروفايله الحقوقي وصنع له مكانة مقبولة عند طيف واسع من الطبقة السياسية، بما فيها الإسلاميون الذين يبذلون تعاطفهم بسخاء.

الخصال الأهم فهي أن الرجل ليس زعيما سياسيا سبق له إعلان مشروع ودافع عنه في الشارع أو عبر تنظيمات، لكنه مسيس وصاحب رأي ويملك النص القانوني ويحسن تأويله. اجتنب التصريحات الملتهبة في قضايا حساسة

في الأشهر الأخيرة قبل سجنه كان صوته من بين الأعلى ضد الانقلاب، وفي نضاله الحقوقي لم يفرز ملفات السجناء واختفى من خطابه حديث التمييز بين المساجين على أساس الانتماء الأيديولوجي. ثم سُجن بتهم مثيرة للسخرية في الشارع السياسي، فتبين أن له أنصارا يتحركون له خصيصا ويخصونه بصور زعيم فحولوه إلى أيقونة من عناصر متراكبة (الحقوقي، اليساري، المثقف، الفصيح، الوسيم..)، وبالخصوص الذي لم يتلوث بالقرب من "الخوانجية" مثل جوهر بن مبارك أو نجيب الشابي. هل كان أنصاره يتوسمون فيه دورا أكبر من محام حقوقي يناصر المظلومين؟ أم كانوا يعدون لهذا الدور؟ وهل التقى أنصاره مع جهات أخرى لإعداد الرجل لدور كبير في مستقبل ممكن؟

هل بدأت صناعة الرئيس القادم؟

يمتلك أحمد صواب خصالا شخصية كثيرة تجعل منه رئيسا، أقلها الآن أنه يتحدث لغة يفهمها التونسي العادي فلا يتفاصح، لكن هذه خصلة هينة لا تؤثر في صناعته إلا قليلا. أما الخصال الأهم فهي أن الرجل ليس زعيما سياسيا سبق له إعلان مشروع ودافع عنه في الشارع أو عبر تنظيمات، لكنه مسيس وصاحب رأي ويملك النص القانوني ويحسن تأويله. اجتنب التصريحات الملتهبة في قضايا حساسة مثل فلسطين والأوضاع الدولية التي خاضت فيها شخصيات من حجمه، لم يتورط في صراعات استئصالية مباشرة ولم يقترب من الإسلاميين متزلفا زمن كانوا في السلطة، والطيف الحقوقي يذكره بإجلال زمن كان قاضيا وزمن التحق بالمحاماة.

بروفايل مُقَلّمُ ومعدل لا حار ولا مالح، يتوسط كل شيء، فلا يُرى في موقف يزعج أحدا. لن يُخشى منه في قضايا معاداة الاستعمار الفرنسي (وهو خط أحمر)، ولن يُخشى منه حماسا بالغا لمعاداة التطبيع، ولن يُخشى منه الدخول في معارك اقتصادية من قبل الاشتراكية أو التحرر الليبرالي، وقد يكون بحقانيته عاملا مساعدا على تهدئة التيار الاستئصالي الذي يسجن البلد والتاريخ في معركة بلا أفق، خصوصا وأن هناك إسلاميين أنضجهم (طبخهم) السجن للتفاوض حول المستقبل. هنا تكتمل صورة الرئيس ويُعد لدوره.

الإدارة تفكر وتخطط

هذه المرحلة ذاهبة لنهاية لا نتوقع زمنها ولكنها حتمية، وبالنظر إلى حالة الاحتقان الاجتماعي أولا والسياسي ثانيا فإن العقل يقتضي الاحتياط (أي عقل أعني؟)؛ عقل الإدارة التي تدير البلد وتمنعه من السقوط، ونظنها تضع خطط استباق كل اضطراب محتمل.

هذه الإدارة التي لا نعرف مركزها باقية على فكرة النظام الرئاسي، وقد يقنت من أمر مهم وتتصرف على أساسه: تيارات الأيديولوجيا بكل تلويناتها لا تصلح لإدارة البلد بل إن صراعاتها مدمرة، لذلك لا مجال لعودة أي منها للمشهد السياسي. وقد تم تحييد الإسلاميين بعملية تذويب كيماوي بطيء، وتم تحييد يسار النقابات وتفريغ النقابة من خطابها وأدواتها. أما بقية الأيديولوجيين الواقفين مع المرحلة الحالية سيسقطون معها إلى الأبد، وهم جماعات صغيرة بلا وزن حقيقي وأغلبهم صناعة أمنية واستخبارية، أي أولاد الإدارة التي صنتعهم ووظفتهم لمعارك تحسن ترتيبها.

تحتاج اللحظة رئيسا من خارج الطيف الأيديولوجي كله يشتغل مع الإدارة على عدم انهيار البلد أو لنقل على إنقاذ البلد. دون أن يركب رأسه لإعادة اكتشاف العجلة. هنا يبدو السيد صواب مناسبا للمكان وللمرحلة؛ رئيس إداري بلا طموح تأسيسي وبلا مشروع أيديولوجي يفاوض من موقع من ذاق السجن بعد طول تدلل في الوظائف السامية، حضري بلا لهجة ريفية، حداثي بلا تفسخ؛ إذا قُدم للناس الآن وبعد القائم إياه فسيقول الجميع: مرحبا، المهم أن نخرج من الحفرة. سيكون الجميع موافقا نكاية في من سبق، وهذا سبب مهم لاتخاذ قرار ظاهرة انتخابي وباطنه تزكية.

رئيس بلا قاعدة جماهرية

هذا هو المطلوب بالضبط، وهي ليست نقطة ضعف للمرشح بل نقطة قوة لدى الإدارة. يبدو أن الإدارة تكره القاعدة الجماهيرية، وتكره الكلمات الكبيرة من قبيل الأمة والحرية والديمقراطية التشاركية والحكم المحلي ومعاداة التطبيع، وكل تلك الكلمات غير المنتجة للخبز (فمن داخل الإدارة وأجهزتها الإعلامية خرج علينا زمن الحماس للثورة شعار جبار لم ننتبه إلى مصدره في حينه: ماذا نفعل بالحرية، ورديفه: الحرية ما توكل خبز).

لقد رسمت الإدارة بروفايل البلد كما يلي: بلد منظم ومنضبط للتعليمات، لا يهتم بقضايا سياسية تتجاوز حدوده ولا يشتبك مع جيرانه حول تفاصيل جغرافية أو تاريخية، لا يفكر في أكثر من خلق رفاه كاف لكل فرد، يقدم كل فرد فيه مصلحته الذاتية على القضايا الزائفة إداريا (كتحرير فلسطين)، ومهمة الإدارة هي توفير ضروف ملائمة لتحقيق الرفاه الفردي، وقد آن الأوان لإغلاق قوس الثورجية والعودة إلى القضايا المفيدة، وأهمها التوقف عن حديث الحريات المفرط، فالكثير من الحرية يزعج الإدارة خاصة تلك الشعبة السياسية من الحرية. لنعد إلى زمن بن علي تقول الإدارة، ولكن دون الوجه الأمني البغيض ودون الفساد المالي الذي استشرى في زمنه.. سي أحمد صواب رجل مناسب.

ترويض الإسلاميين
في هذا المشهد يظهر الإسلاميون كعنصر غير قابل للضبط، لقد جربت الإدارة محقهم زمن بن علي، لكنهم عادوا أقوى وقد جربوا الحكم وكشفوا قدرات وطموحا ولم يمكن توريطهم في فساد، فتم تقييدهم بقضايا سياسية وتبريد حماسهم والمرجح هشهشة تنظيمهم لكنهم "غير مضمونين"؛

في هذا المشهد يظهر الإسلاميون كعنصر غير قابل للضبط، لقد جربت الإدارة محقهم زمن بن علي، لكنهم عادوا أقوى وقد جربوا الحكم وكشفوا قدرات وطموحا ولم يمكن توريطهم في فساد، فتم تقييدهم بقضايا سياسية وتبريد حماسهم والمرجح هشهشة تنظيمهم لكنهم "غير مضمونين"؛ إذا عاد مناخ حريات كامل فستجدهم الإدارة في وجهها.

هذه مرحلة مفاوضات "الانضباط مقابل الحرية"؛ الحزب في أسوأ حالاته وهذا أفضل وضع تفاوضي للادإرة التي لا ترغب في وجود إسلاميين ولا تقدر على محوهم من الجغرافيا والتاريخ، وأفضل من يعقد صفقة هو رجل حقاني مسنود بقوة صلبة ويحسن اغتنام الانكسار التنظيمي وإرهاق القيادات وعجزها عن إعداد بديل لها من داخل سجونها، ويحظى بتقدير الإدارة الحقوقية (أو النخبة) وإسنادها السياسي والإعلامي؛ هذا أفضل وضع لإعادة ترتيب البيت التونسي بلا "خوانجية" شرسين وبلا كلمات كبيرة وبلا مشاكل مع الجيران.

هل يقبل السيد صواب أن يكون أداة؟

لقد بنينا كل الخيال السابق على فرضية أن إطلاق سراح أحمد صواب كان ضمن خطة تتجاوز حريته الشخصية إلى دور سيكلف به. قد يكون السيد صواب خالي البال من كل هذا، ولكن الإدارة كما فهمنا من سلوكها في السنوات الأخيرة لن تتوقف عند شخص، ولا نراها إلا قد أعدت قائمة من البروفايلات المدنية أساسا؛ تختفي خلفها وتعلن إنقاذ البلد.

هل يقبل السيد صواب الدور؟ إن لم يقبل هو فسيقبل غيره، فإحدى أهم المعطيات التي ترسخت في تونس أن الجميع يريد أن يكون رئيسا، وما دامت الانتخابات قد عادت من التنافس إلى التزكيات كما تحب الإدارة فإن "المختار" سيقدم للتزكية في مهرجان انتخابي لا يغري أحدا بمشاركة فعلية؛ لأن المعطى الأهم من كل رئيس أن مرحلة قيس سعيد الإدارية قد أفقدت التونسيين رغبتهم في الحياة الحرة وهم الآن في مرحلة بن علي، أي الحياة الممكنة، وهم يساقون إلى الممكن بعيدا عن المرتجى وإيثار السلامة غالب على النفس البشرية.
التعليقات (0)