النزعة الرئاسوية في تونس: مخيال سياسي قاصر

نور الدين العلوي
"يظهر التناقض: من يرفع شعار الديمقراطية يفضّل نظاما يركز السلطة لأنه يخدم طموحه الشخصي"- الأناضول
"يظهر التناقض: من يرفع شعار الديمقراطية يفضّل نظاما يركز السلطة لأنه يخدم طموحه الشخصي"- الأناضول
شارك الخبر
لم تفلح المعارضة التونسية منذ أكثر من نصف قرن في التحرر من المخيال الذي صنعته السلطة والقائم أساسا على دور الرئيس، وهو المخيال الذي تبنته المعارضة نفسها وفكرت وتصرفت من خلاله. فمن زمن الحبيب بورقيبة إلى مرحلة زين العابدين بن علي وصولا إلى عهد قيس سعيّد، ظلت فكرة الرئيس القادر على كل شيء هي محور الكون السياسي في خطاب المعارضة. لم تنتبه الزعامات الرئاسوية المعارضة إلى أن تونس قامت فيها مؤسسات وتشكلت فيها لوبيات ومصالح اقتصادية متجذرة، وبيروقراطة إدارية ثقيلة ومحافظة بل رجعية رافضة لكل تغيير. رموز المعارضة تعيش سياسيا من فكرة أو خطة واحدة: "رجل واحد يمسك بالخيوط كلها ويغني عن العمل السياسي في القاعدة".

أصنّف تركيز المعارضة على حصر الفعالية في دور الرئيس وحده مرضا سياسيا وليس مجرد خطأ في التحليل، إنه يكشف عجزا بنيويا في فعل المعارضة ذاتها. فالمعارضة التي لا تستطيع بناء حزب جماهيري متماسك وتعجز عن تنظيم الشارع، ولا تملك شبكة اجتماعية حقيقية تجد في شخصنة الصراع ملاذا سهلا. فبدل أن تبني تنظيما تبني خطابا، وبدل أن تؤسس قاعدة شعبية، تبحث عن لحظة انتخابية خاطفة تُسقط فيها الرئيس وتجلس مكانه.

أصنّف تركيز المعارضة على حصر الفعالية في دور الرئيس وحده مرضا سياسيا وليس مجرد خطأ في التحليل، إنه يكشف عجزا بنيويا في فعل المعارضة ذاتها

الرئاسوية مرض مشترك

إن المعارضة التي تهاجم "الرئيس المتغوّل" تتبنى في العمق الرؤية نفسها: "الرئيس قادر على كل شيء"، فتلعنه لأنه قوي لكنها تحلم بأن تكون مكانه بالقوة نفسها. إنها معارضة رئاسوية بامتياز حتى وهي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية، وهذه هي المفارقة الكبرى التي منها تسلل الفشل السياسي في تونس.

يقوم هذا المخيال الرئاسوي على فكرة أن الفاعل الوحيد في السياسة هو الرئيس؛ إن كان صالحا صلح البلد، وإن كان فاسدا فسد كل شيء. هكذا يُختزل الاقتصاد والقضاء والإدارة والإعلام والنخب المالية وحتى الضغوط الدولية، في إرادة فرد واحد. إنها رؤية مريحة، لكنها ساذجة سياسيا وخطيرة ديمقراطيا.فالواقع أن السلطة شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، هناك لوبيات اقتصادية تفعل ما لا يحبه الرئيس، وهناك مراكز نفوذ بيروقراطية تملك قدرة التعطيل أو التوجيه، وهناك توازنات إقليمية ودولية تؤثر في القرار الوطني؛ اختزال كل ذلك في شخص هو شكل من أشكال الهروب من التحليل العميق. وهنا سنتبين أسباب التفكير الرئاسوي عند المعارضة التونسية..

العجز عن بناء الأحزاب

أثبتت الزعامات التونسية المعارضة طيلة زمن عملها في المعارضة عجزا فاضحا في بناء أحزاب حقيقية ذات هياكل قاعدية وذات انتشار اجتماعي (نستثني حزب النهضة)، وعجزت عن اقتراح برامج مقنعة تصل إلى الناس بوسائط التواصل اليومي السياسي المبتكرة. لقد بنت حزيبات تدور حول الشخص (الرئاسوي)، لذلك كانت هذه الكيانات المجهرية تتلاشى لتعود في المواسم الانتخابية لنفس الغرض: تصعيد رئيس فرد فذ خارق.

تعرف هذه الزعامات أن التنظيم الحزبي يتطلب عملا شاقا يقوم على الاحتكاك بالناس وقبول التنوع الداخلي والصبر على آليات الديمقراطية الداخلية، لكن عبر تاريخ تونس السياسي بدت هذه الزعامات المعارضة قاصرة دون هذا النفس الطويل. فهي تريد جمهورا يصوّت، لا قواعد تفاوض وتشارك، لقد اشتغلت على التفويض الأعمى لا الشراكة مع جمهورها. ومن هنا نفهم لماذا يظل الرهان دائما على موقع الرئاسة، فالرئاسة تمنح سلطة مركّزة وتسمح بالقفز فوق الهشاشة الحزبية. إن شعارها الضمني الذي قاد فعلها ولا يزال هو كرسي واحد فعال يعوض العجز عن بناء حزب واسع. ونجد في هذا احتقارا بالغا للجمهور.

هنا قد يبدو الكلام قاسيا لكنه ضروري، خاصة وأن كثيرا من هذه الزعامات تقبع الآن في سجون النظام بلا حول ولا قوة لمناقشة هذا الرأي. نعاين للأسف مسافة واضحة بين بعض النخب المعارضة والناس، هذه العلاقة يغلب عليها التوجس والاحتقار الضمني. فبناء حزب حقيقي يقتضي الثقة في قدرة الناس على الاختيار والمشاركة، أما حين يُنظر إلى الجمهور بوصفه كتلة يجب توجيهها أو استخدامها انتخابيا فقط، فإن التنظيم يصبح مستحيلا. لهذا لم تتطور أحزاب معارضة ذات جذور عميقة في الأحياء والجهات، بل بقيت نخبا مدينية إعلامية وموسمية، تظهر بقوة في الاستحقاقات ثم تتلاشى. وما زاد يقيننا بهذه المعطيات هو أن عملها بعد نيل حرياتها بالثورة ظل هو نفسه قبل الحرية (لنتذكر عدد المتقدمين لمنصب الرئيس ذات لحظات حرية).

لحظة دستور 2014: الصراع على شكل النظام

عند صياغة دستور 2014، طُرح خيار النظام البرلماني أو شبه البرلماني بوصفه محاولة لتفكيك السلطة وتقليص مركزيتها. كان ذلك يعني نقل مركز القرار من الرئاسة إلى برلمان تعددي تبنيه أحزاب عبر الانتخابات في مسافة زمنية طويلة، وهو ما يجر الزعامات والقوى السياسية بالقوة إلى العمل التنظيمي العميق.لكن جزءا معتبرا من النخب السياسية وبالخصوص الزعامات التاريخية للمعارضة وقف بشراسة ضد هذا التوجه، وزعم الدفاع عن "الاستقرار"، لكن الزعم كان يخفي الحقيقة الفاضحة: لقد خافت الزعامات من نظام يكشف عجزها التنظيمي وبالتالي فقدانها كل موقع وكل طموح. لقد كانت الزعامات تعرف يقينا أنه لا يمكن الصعود دون حزب قوي ولا يمكن الحكم دون قاعدة اجتماعية متماسكة.

لقد كانت تدفع إلى نظام رئاسي أو شبه الرئاسي يسمح لها بمناورات استئصالية يكفي الفوز بالرئاسة لتصبح بقية القوى في موقع دفاعي، وهنا يظهر التناقض: من يرفع شعار الديمقراطية يفضّل نظاما يركز السلطة لأنه يخدم طموحه الشخصي.

الإسلاميون والشارع واللعبة المزدوجة

برز الإسلاميون وعلى رأسهم حركة النهضة كقوة منظمة بل القوة الأكثر تنظيما وامتدادا شعبيا، وهي الوحيدة التي تمتلك شارعا وقاعدة انتخابية صلبة بما جعلها فاعلا لا يمكن تجاهله. وقد دفعت بقوة إلى النظام البرلماني فاصطدمت بالمعارضة الرئاسوية، وكان هذا سبب رئيسي في سقوط مرحلة الانتقال الديمقراطي والعودة إلى الحكم الرئاسوي الفج.

لكن بدل تطوير حياة سياسية وبناء منافسة حزبية حقيقية موازية لجزب النهضة، لجأت النخب الرئاسوية إلى خطاب التخويف: "الغرب لن يقبل بحكم الإسلاميين"، و"أوروبا وأمريكا ستحاصر البلد وتصمه بالإرهاب"، و"التوازنات الدولية لا تسمح". هكذا أُدخل عامل خارجي مزعوم ليحدد ما ينبغي أن يكون عليه الخيار الوطني.

وكان الأخطر في استخدام هذا المنطق هو إجبار الإسلاميين على دعم مرشحين من خارجهم، بدعوى تجنب الصدام الدولي، أي أن قوة خارجية حقيقية أو متخيّلة أصبحت معيار الشرعية. والمفارقة أن الرئاسويين تبنوا هذا المنطق بحماس بالغ وحولوه إلى معطى ثابت، لأنه يخدم هدفهم الأول والأخير، أي الوصول إلى الرئاسة ولو بدعم قاعدة لا ينتمون إليها، ثم إعادة ترتيب السلطة بما يهمّش تلك القاعدة.

نقف الآن تحت حكم رئاسوي فج تسلل من سقوط مشروع النظام البرلماني، ونقول إن الديمقراطية لا تُبنى على انتظار "الرئيس الجيد"، بل على توزيع السلطة وفهم تعقيداتها ثم جعلها قابلة للمساءلة من زوايا متعددة

بهذه الطريقة تحوّلت القاعدة الانتخابية الإسلامية المرعوبة من الوصم الأبدي إلى رافعة انتخابية لخصومها، قبل أن تُقصى لاحقا من دوائر القرار. لقد كانت دعوى الاستقرار والانسجام مع السياسات الدولية لعبة استخدام ثم إقصاء لا علاقة لها ببناء ديمقراطية تشاركية، فمن أجل الرئاسة يجوز تخويف الشعب بالغول الغربي.

معارضة تريد الرئاسة وتخشى الديمقراطية

نعي جيدا أن النظام البرلماني ليس حلا سحريا، فله عيوب إلى جانب المزايا، فهو يفكك حلم الرجل القوي، لكن في النظام البرلماني لا يكفي الخطاب الشعبوي أو الحملة الإعلامية الناجحة للفوز. النظام البرلماني يتطلب أولا وأخيرا شبكة حزبية وتفاوضا دائما وتحالفات وطول نفس سياسي. وبما يفرضه من تفكيك السلطة وكسر مركزيتها يعني تقليص قرار الفرد الواحد وإجبار القوى الاقتصادية على التعامل مع فضاء سياسي متعدد، لا مع قمة واحدة، وهذا يفتح مجالا أوسع لمناورة القاعدة الشعبية، ويجعل السياسة عملية جماعية لا فردية.

لقد كان واضحا من النقاشات في الأغورا السياسية أن الطموحات الشخصية للزعامات والنخب كانت تتعرض إلى تهديد حقيقي، وهنا تجلى عمق المشكلة؛ لقد كان جزء كبير من المعارضة يرفض تفكيك الرئاسوية، ويعمل على وراثتها، فتبين أن معارضته للرئيس (لكل رئيس) كانت من أجل أن يجلس مكانه، لا لإعادة ترتيب البيت السياسي على أسس الديمقراطية التشاركية التي يعد بها النظام البرلماني.

نقف الآن تحت حكم رئاسوي فج تسلل من سقوط مشروع النظام البرلماني، ونقول إن الديمقراطية لا تُبنى على انتظار "الرئيس الجيد"، بل على توزيع السلطة وفهم تعقيداتها ثم جعلها قابلة للمساءلة من زوايا متعددة. أما حين يظل الخيال السياسي أسير صورة الرئيس القادر على كل شيء، فإن النتيجة ستكون إعادة إنتاج النظام نفسه وبالعاهات ذاتها ولو تم تغيير الوجوه والأسماء. وما لم تتحول المعارضة من شخصنة الصراع إلى تفكيك البنية، ومن حلم الرئاسة إلى بناء الأحزاب، فستبقى تدور في الحلقة نفسها: تُسقط رئيسا لتصنع آخر، أو نختصر فنقول: رئاسة بالكوبي بيست.
التعليقات (0)