ولدت الدولة العربية الحديثة في خضم معركة ضد التتريك، وتبلورت
فكرة البناء القومي العربي ضد الاستعمار. بنت الدولة
القومية نفسها على فكرة
الاستقواء بالعِرق الصافي من أجل الحرية والاستقلال والسيادة، فقدمت العرق على
التنوع الثقافي، فألغت كل عقد مدني جامع، فباتت دولة إقصائية تجاه مكوناتها
التاريخية، فكتمت الضغائن العرقية والثقافية للكرد في الشرق (العراق وسوريا)
وللأمازيغ في بلاد المغرب (ليبيا والجزائر). والمكتوم ظل حيا، يطعن في استقرار
الدولة ونجاحها واكتمال بنيانها
الشرعي كما استغله الاستعمار كثغرة للتدخل
والتحريض باسم حق الاختلاف وحقوق الأقليات.
برزت التيارات القومية كفاعل سياسي سريع الحركة، اعتمد
الانقلابات العسكرية للتمكن من السلطة، وبنى شرعيته على تقديم العرب للحكم دون
غيرهم من المكونات العرقية، حتى لو نطقت العربية، رغم تراث راسح في الثقافة
الإسلامية السابقة على الاستعمار والدولة القومية، يعرّف العربي بمن تحدث العربية،
فكل من تكلم بها عربي الهوية بغض النظر عن عرقه. ومن أجل ترسيخ فكرة العروبة
العرقية كقاعدة حكم خاض القوميون معارك عديدة ضد الإسلاميين العرب الذين قدموا
الهوية الدينية على العرقية. وقد استعمل القوميون قضية فلسطين وموقعها في قلب
الجغرافيا العربية ذريعة لرفض تدخل غير العرب في الشأن الفلسطيني، مثل معاداة
الأنظمة القومية لإيران الفارسية التي زعمت حقا وواجبا نصرة المقاومة، إلى حدود
انطلاق الثورة السورية سنة 2011.
كانت الفكرة القومية في منشئها فكرة تحررية، لكن تعريف الدولة على أساس العِرق لا على أساس المواطنة المبنية على الانتماء الثقافي حوّل الدولة القومية من فكرة تحررية إلى أداة حكم صلبة محتكرة للشرعية، بذلك أصبح كل حديث عن التنوع الثقافي تهديدا للوحدة
هذا المسار حوّل العرق إلى أيديولوجيا، فتحول شعار الوحدة
العربية إلى أداة إقصاء، وأنتج مظالم بنيوية بحق غير العرب وفشلا ديمقراطيا ذريعا.
ولم يشفع للكرد مثلا أن صلاح الدين الأيوبي كان كرديا يتكلم العربية، ومن نتائج
هذا الإقصاء غرس بذور عداوة عميقة بين العرب والكرد وبين العرب والأمازيغ،
استثمرها الاستعمار حتى لجأ كثير من الكرد إلى محالفة للكيان فصُنفوا كأعداء الأمة
والدولة. وكان القول بعروبة السودان سببا في انفصال المكون الأفريقي غير العربي عن
الوطن الأم (الأمر كان غائبا في تونس، التي لم تكن دولة قومية، فلم تبرز فيها قضية
الأمازيغ بحدة، وكذلك المغرب الذي كان أقل حدة في إقصاء المكون الأمازيغي).
الدولة
القومية العربية من مشروع تحرّر إلى أداة إقصاء
كانت الفكرة القومية في منشئها فكرة تحررية، لكن تعريف الدولة على
أساس العِرق لا على أساس
المواطنة المبنية على الانتماء الثقافي حوّل الدولة
القومية من فكرة تحررية إلى أداة حكم صلبة محتكرة للشرعية، بذلك أصبح كل حديث عن
التنوع الثقافي تهديدا للوحدة، فأُقصيت المكونات العرقية والثقافية غير العربية،
وحتى الطوائف غير الإسلامية لم تُمنح مشاركة حقيقية. فالدولة القومية العربية، مثل
دولة عبد الناصر، أبقت على قيود قديمة ضد بناء الكنائس (لائحة العزبي باشا 1934)
رغم شعاراتها القومية.
كانت الفكرة القومية العربية مغرية لدى شعوب خارجة من تحت
القهر الاستعماري، لكنها لم تُترجم إلى سياسات عادلة. تجاهلت الدولة المظالم
وساعدت على فتح بوابات التدخل الاستعماري، خاصة الفرنسي، الذي وجد بنى جاهزة للقمع
والإقصاء في بلاد المغرب، واستفاد من الغبن المحلي لتعميق النفوذ. لقد عمّق الاستعمار
الشقوق، لكنه لم يحفرها لقد حفرتها الدولة القومية بمعولها العرقي.
أحمد
الشرع: الاعتراف الذي أنهى الوهم
أعلن أحمد الشرع في مرسوم رئاسي بسيط (عدد 13 لسنة 2026) الاعتراف
بالحقوق الثقافية واللغوية للمكون السوري الكردي بعد منع قومي عربي دام أكثر من
سبعين عاما، فشرّع بالمرسوم (التاريخي فعلا) الانتقال من منطق الاحتواء (الدمج
القسري) إلى منطق الاعتراف، وسحب الشرعية من دولة العرق وهي فكرة نازية بالأساس،
وأعاد تعريف السيادة بوصفها عقد مواطنة لا هيمنة ثقافية. هذا المرسوم (التأسيسي
الذي نراه يصير قاعدة في الدستور السوري الدائم) يُدخل
سوريا في مرحلة ما بعد
الدولة القومية، أي في دولة المواطنة المنتظرة من الربيع العربي، وبذلك يصير الاعتراف
بحقوق الكرد يتجاوز نقد الدولة القومية العربية، إلى إعلان إفلاسها، بل دفنها
صراحة لأنها لم تستطع أن تصبح دولة مواطنة بسبب حرصها على أن تكون دولة عرقية.
المثير للانتباه في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ سوريا أن هذا
المرسوم لم يصدر من تيار قومي عربي نقدي يملك شجاعة المراجعة، ولا من مشروع
ليبرالي عربي ناضج، ولم يأت بالخصوص من تيار يساري يؤمن بالأممية ويرفض الشعوبية
والنازية ويقدم الحق الثقافي على العرق، بل من قلب التيار الإسلامي السلفي الموصوم
بالرجعية والذي حاربته الدولة القومية من ضمن من حاربت من مكوناتها.
أعلن الربيع العربي من سوريا نهاية الدولة القومية العربية، وفتح الباب أمام بناء دولة المواطنة الكاملة، فتتحول سوريا إلى دولة لكل مكوناتها، لذلك فهو ليس إصلاحا دستوريا عابرا، بل لحظة دفن تاريخية لنموذج سياسي فشل في تحقيق وعوده الكبرى
لقد أعاد المرسوم حقا لأصحابه بعد أن قمعتهم الدولة القومية، فثبت
فشل الفكرة القومية وجريمة الدولة (أو الدولة الجريمة) التي بُنيت عليها، وأعاد
الحديث إلى ما قبل بروز الخطاب القومي حيث كانت الدولة العربية ومنذ تأسسها
التاريخي وعاء لكل مكوناتها، وهو الأمر الذي سمح للعرب أن يسيروا وراء قائد كردي
ليحرروا القدس دون سؤاله عن نسبه، لقد كان يخاطب جيشه بالعربية.
من
دولة الأمة إلى دولة المواطنة
المرسوم الرئاسي بهذا المعنى يتجاوز في مدلولاته اللحظة
التاريخية الراهنة لسوريا إلى إعلان بدء تأسيس الدولة العربية القادمة على أسسها
الثقافية الأولى، دولة لكل مكوناتها بعيدا عن الطائفية الدينية والعرقية. (هنا
يمكننا وفي وقت آخر فتح النقاش في الخلاف بين القوميين العرب والإسلاميين، حيث
يمكننا إثبات قرب الإسلاميين من المواطنة واغتراب حملة الفكرة القومية عن كل
احتمال تعايش ديمقراطي).
لا يعني الاعتراف بالحقوق الثقافية للأكراد إنصاف جماعة مظلومة
فحسب، بل نزع الشرعية عن فكرة السيادة القائمة على تفوق عرق بعينه. وهذا سوسيولوجيا
يعتبر انتقالا من دولة "الأمة" إلى دولة "المواطنة"، ومن منطق
الصهر القسري إلى منطق التعاقد.
ما يُدفن اليوم في سوريا ليس مجرد نموذج سياسي، بل وهم طويل
اعتقد أن العرق يمكن أن يكون أساسا للعدالة. وبذلك، أعلن الربيع العربي من سوريا
نهاية الدولة القومية العربية، وفتح الباب أمام بناء دولة المواطنة الكاملة،
فتتحول سوريا إلى دولة لكل مكوناتها، لذلك فهو ليس إصلاحا دستوريا عابرا، بل لحظة
دفن تاريخية لنموذج سياسي فشل في تحقيق وعوده الكبرى؛ فلا الوحدة تحققت، ولا
التنمية أُنجزت، ولا العدالة أرسيت ولا فلسطين تحررت بجيش قومي عربي، بل ترسخ أن الدولة
القومية العربية كانت عملية انتهاك فج لكرامة المواطن وتمزيق نسيج المجتمعات تحت
يافطات الوحدة والحرية والاشتراكية.
نكتب من المغرب
الإسلامي ولا نعرف كم فينا من جينات عربية وأمازيغية، فالأمر لم يشغلنا أبدا ما
دمنا نتمتع بالعربية والقهوة، وسنعطي أنفسنا بعض الحق في الجلوس في ظل دولة
المواطنة القادمة ونتفرج في مآتم القوميين العرب وهم ينوحون على آخر دولة قومية دُفنت
بمرسوم بسيط.