لم
يكن اتفاقَ سلام، بل جاء عقدَ إذعانٍ طوى به الرئيس السوري أحد الملفات الشائكة،
فلم يبقَ أمامه الآن سوى الجناح الدرزي الموالي لإسرائيل، ليبسط نفوذه على كامل
التراب السوري، وتبقى معضلة الجولان!
هذه
النهاية لمشروع قوات
سوريا الديمقراطية "
قسد" أكدت أن الرئيس السوري
أدار ملف الصراع معها بحنكة سياسية، وقد رُفض العرض تلو العرض بالانخراط في مشروع
الدولة السورية الجديدة، وأبى زعيم هذا الفصيل إلا أن يواصل التمرد، وبدا
الشرع
ليس في عجلة من أمره، فتركه حتى حانت لحظة القضاء عليه؛ فلم يتحرك أو يتقدم، وتركه
حتى يشهد العالم على خطره، ثم كانت المواجهة بين هذه القوات الخارجة على القانون
والجيش السوري، انتهت بالإذعان وتوقيع الاتفاق المشار إليه، وسلَّم بالمكتوب، وقبِل
أن يبات مغلوبا. وعذرا، فالقافية حكمت!
وما
تم التوصل إليه في هذا الاتفاق كان معروضا على "قسد" منذ البداية؛ فقد
طلب الشرع من الفصائل أن تحل نفسها، وأن تنخرط في بناء سوريا الجديدة دون قيد أو
شرط. وإن حدث تذمر من بعض الفصائل، إلا أنها وافقت في الأخير، لأنها تدرك أن الشرع
إذا غضب ظهر الجولاني، فلم يجد صعوبة في مهمته. وظلت قوات سوريا الديمقراطية "قسد"
رافضة ذلك، ودخلت في معركة انتهت بهزيمتها، واستسلمت. ولا يمكن فهم ما جرى إلا أنه
الاستسلام المذل، ليتجرع زعيم هذه الحركة السم، ويكتب نهايته بيده، وهو يقر بحل
تنظيمه، لينخرط في الجيش والشرطة بشكل فردي، ودون قيد أو شرط؛ فلا محاصصة، ولا
شراكة في الحكم!
ما تم التوصل إليه في هذا الاتفاق كان معروضا على "قسد" منذ البداية؛ فقد طلب الشرع من الفصائل أن تحل نفسها، وأن تنخرط في بناء سوريا الجديدة دون قيد أو شرط
خريطة
الولاءات الخارجية في سوريا:
قوات
سوريا الديمقراطية "قسد" هي فصيل من الفصائل التي تشكلت بعد الثورة
السورية، وهناك جهل عربي بالامتدادات الخارجية لهذه الفصائل؛ فيرى البعض أن ذكاء
أحمد الشرع، وربما انتصاره، يعود لكونه صناعة تركية، وهذا ليس صحيحا. فالفصيل
الأقرب لتركيا هو "الجيش السوري الحر"، وكانت تعوِّل عليه في القيام
بمهمة النصر في بداية الثورة، ولهذا كان يتلقى دعما -وإن كان محدودا- من الولايات
المتحدة الأمريكية وبعض دول الخليج في البداية، ولفترات متقطعة. أما تشكيلات
الجولاني بتطوراتها، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية تضعها على قوائم الإرهاب!
وكان
تمويل فصيل الجولاني، سواء جبهة النصرة وتطوراتها، ذاتيا، من رسوم على المعابر
وضرائب في "دولة" إدلب، ولم يكن تغيير الاسم سببا في إسقاط صفة الإرهاب
عنه؛ لأن الجولاني شارك ضد الاحتلال الأمريكي في العراق. وقد تعاملت الجارة
التركية معه باعتباره "سلطة الأمر الواقع"، وكان احتكاك المضطر سببا في
التنسيق معه عندما حانت ساعة الصفر، ووجد الشرع أن الفرصة مواتية لإسقاط نظام
الأسد!
وقبيل
هذا التحرك كانت تركيا مستعدة لمرحلة جديدة قررتها الدول العربية، لإعادة الاعتراف
بنظام الأسد، وبعودة سوريا الأسد لجامعة الدول العربية، ومشاركة بشار في قمة
الرياض، بناء على تبنٍّ إماراتي له، وبدا كطاووس منتصر، متعاليا على أردوغان، وغير
راغب في السلام معه!
وإذ
قدمت الولايات المتحدة دعما محدودا للجيش السوري الحر، فقد كان الفصيل الذي صنعته
على عينها هو قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، ولعل لهذا كان استخدام صفة "الديمقراطية"
دون إثبات أهلية لها. وعموما، فإن هذا يتسق مع الحالة الأمريكية، من خلال تصوير
الإدارات المتعاقبة نفسها على أنها الراعي الرسمي للديمقراطية في العالم الرسمي،
وهي تحمي الديكتاتوريات، حتى إذا رأت الحلفاء مؤهلين للسقوط لم تبذل جهدا
لحمايتهم، من أول شاه إيران إلى مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية
إياها!
وكانت
الولايات المتحدة الأمريكية قد تبنت عبدي لأنه كان ينتمي لحزب العمال الكردستاني،
وهي لديها هواية في تبني الأقليات، وإذ دعمته فقد أوكلت إليه مواجهة تنظيم داعش،
وانخرط في المشروع الذي عُرف بمكافحة الإرهاب، وينظر إليه التحالف الدولي في هذا
الصدد على أنه شريك محوري، وقد انتصر في معركته وسقطت آخر جيوب تنظيم داعش سنة
2019!
وبسبب
الانتماء لحزب العمال الكردستاني، فإن تركيا كانت تناصبه العداء، وإن وجد تنسيقا
مع روسيا، بل ومع النظام السوري السابق نفسه في بعض الملفات، وقد تمكن من إقامة
دولته في شمال شرق سوريا!
تحول
الموقف الأمريكي:
وإذا
كان لا أمان للدهر وإن صفا، فلا أمان للولايات المتحدة الأمريكية، وإن صنعت أحدا
على العين والحاجب؛ فهي لا تقبل بالمهزوم، وتغير تكتيكاتها سريعا للاعتراف
بالمنتصر!
ولا
شك أن كلا من أردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ساعدا في عملية القبول
الدولي للشرع، الذي كان، وهو يزحف إلى القصر الرئاسي السوري، لا يزال على قوائم
الإرهاب!
وكان
بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن توقف ما يُقلق سوريا بالتدخل لدى حليفها مظلوم
عبدي، لكنها بدت غير راغبة في ذلك، وتركت الأمور تجري في أعنّتها، وللأزمة أن تأخذ
مجراها. وقد يكون مطلوبا أن يجد الشرع ما يشغله من أزمات وتحديات داخلية، فالقادة
الأمريكيون إذا رغبوا لا يعطون ثقتهم الكاملة، لكنهم في المقابل لم يكونوا راغبين
في التدخل لوقف المعارك الدائرة بين الجيش السوري وقوات "قسد"، والآن قد
يثمنون العملية ويؤيدون النصر!
"المتغطي
بأمريكا عريان"؛ هذا واقع تؤيده الأدلة المتواترة، والقرائن التي ترتقي
لمرتبة الدليل، وهذا ليس موضوعنا!
فقطعا
هناك من تأذوا وهم يرون هذا الاستسلام المهين لقوات "قسد"، وودوا لو
انتصرت، أو نجحت في أن تقاوم، حتى لا يهنأ الشرع بالاستقرار البتة. وقد اندفع
الذباب الإلكتروني المصري يُسفِّه كل من يعلن انحيازه لهذا النصر السوري المبين!
هناك من تأذوا وهم يرون هذا الاستسلام المهين لقوات "قسد"، وودوا لو انتصرت، أو نجحت في أن تقاوم، حتى لا يهنأ الشرع بالاستقرار البتة. وقد اندفع الذباب الإلكتروني المصري يُسفِّه كل من يعلن انحيازه لهذا النصر السوري المبين!
والحقيقة
أن أهل الحكم في مصر في نفوسهم شيء من أحمد الشرع، ومن الانتصار الذي حققه بهزيمة
نظام الأسد، الذي فر هاربا إلى روسيا. وقد تلكأ النظام المصري في الاعتراف بالشرع،
ثم إنه يقدم قدما ويؤخر أخرى في التطبيع الكامل للعلاقات!
إنهم
يرون شخصية إسلامية تنجح في الإطاحة بنظام الأسد، وربما ودوا لو كان من أسقطه هو مظلوم
عبدي ببدلته العسكرية، ما دام الأسد هاربا لا محالة! وهو موقف يحار المرء في فهمه؛
فالدول لا تقيم علاقاتها وفق الأيديولوجيا، ولا تحدد ارتباطاتها السياسية وفق
تحليلات المحللين التلفزيونيين. ولدينا شريحة من الأميين ترحب بهم الشاشات، هم من
يتم تقديمهم على أنهم خبراء في شؤون الحركات الإسلامية، ولا قيمة لهم إلا في
الفتن، وهم يخلطون بين الحركات الإسلامية؛ فكما أن كله لدى العرب صابون، فكل
الحركات الإسلامية إخوان، لا فرق بين داعش والقاعدة، ولا بين جماعة الإخوان
المسلمين والتبليغ والدعوة!
وبالتقييم
الموضوعي، فإن الحركات الجهادية لا يجوز لها أن تُقلق نظاما ما إذا وُجدت في بلد
آخر؛ لأن أفكارها هي أن مواجهة عدو الداخل مقدمة على العدو الخارجي. وما جرى في
أمر القاعدة، وانخراط أيمن الظواهري فيها، هو استثناء دفع إليه الاستبداد
والمطاردة غير العاقلة. والقاعدة أن نموذجا مثل الشرع لا يحلم بما حلمت به الثورة
الإيرانية من قبل بتصديرها، والتصدير دعوة تبناها حتى الربيع العربي على هزاله!
إن
النظام السعودي، الذي تبنّى أحمد الشرع، في المقابل لا يرتاح للإخوان، وكان يمكنه
إنهاء أزمة اليمن، فلا يترك مجالا للعبث في الأمن القومي للمملكة، لكن هذا من شأنه
أن يُسلِّم بالبديل الحقيقي في اليمن، وهو حركة الإصلاح (إخوان). والمعنى أنه لم
يجد مشكلة في انتصار الشرع، لأنه مشروع غير قابل للتصدير أو منافسة الخارج! وهذه
المشروعات المحلية لا تدعي أستاذية العالم، ولا تشغل بالها بالخارج، ولا تعمل في
مجال التصدير والاستيراد. وقد أكد الشرع وعيه بأهمية مصر تاريخا وحاضرا، لكن لا
حياة لمن تنادي!
يخسر
كثيرا من يراهن على سقوط الشرع!
x.com/selimazouz1