كتاب عربي 21

سوريا ليست محصورة بين خياري الحرب والتطبيع

سعيد الحاج
"ألغت إسرائيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بشكل أحادي، ودمرت أسلحة وأصول الدولة السورية، وعمّقت احتلالها، وما زالت مستمرة في انتهاك سيادتها"- الأناضول
"ألغت إسرائيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بشكل أحادي، ودمرت أسلحة وأصول الدولة السورية، وعمّقت احتلالها، وما زالت مستمرة في انتهاك سيادتها"- الأناضول
شارك الخبر
أثارت جولة التفاوض المباشر الأخيرة في باريس بين سوريا ودولة الاحتلال جدلا كبيرا، بين منتقدي الحكومة السورية من زاوية تطبيع، والمدافعين عنها بعدِّها خطوة ضرورية. وقد شمل الجدل أو النقاش من قبل الأخيرين مسائل من قبيل اعتماد الرواية الأمريكية عن مخرجات جولة التفاوض، ونفي وجود تطبيع، ووضع المسار في إطار الضرورة كخيار بديل للحرب، فضلا عن مطالبة المنتقدين والرافضين للبديل.

في المقام الأول، فقد أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا ثلاثيا مشتركا عن مخرجات اللقاء، ونشرته باللغة العربية السفارة الأمريكية في دمشق. ومن البديهي أنه في غياب أي تعقيب من دمشق -الرئاسة أو الخارجية- حول البيان، تأييدا او تفنيدا أو تعديلا أو شرحا، فإن البيان يصبح معبرا عنها ومصدرا موثوقا للتقييم.

وأما مسألة التطبيع، فلا يمكن حصرها بقيام علاقات دبلوماسية طبيعية مع "إسرائيل"، وإنما -وكما هو معرّف منذ سنوات طويلة- التعامل مع الأخيرة بشكل "طبيعي" بما يتضمن أو يوحي بالاعتراف بها أو يشمل التعاون معها. وقد أشار البيان الثلاثي لإنشاء "آلية دمج مشتركة" أو "خلية اتصال مخصصة"، لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر فيما يتعلق "بتبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية". وهو ما يحيل إلى علاقات وتنسيق وتعاون قائم و/أو محتمل بين الجانبين، وليس مجرد تعامل بين طرفين متحاربين وغير معترفين ببعضهما البعض.

لأن منطق التفاوض هو البحث عن حلول وسط، والاعتماد على أوراق القوة والتوقيت والسياق ودور الوسطاء، فإن المسار الحالي أبعد ما يكون عن تحقيق أهداف دمشق المعلنة منه، ومنها العودة لاتفاق فض الاشتباك أو اتفاق شبيه به

ورغم أهمية أن كل ذلك يجري بعد/خلال حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، وما يحمله ذلك من دلالات سلبية إضافية، إلا أننا سنتكفي بتقييم الحدث ومخرجاته ونتائجه المحتملة من زاوية سورية بحتة.

والسؤال الوجيه وواجب الطرح هنا: هل يحقق هذا المسار فعلا مصالح سوريا الجوهرية؟

الإجابة هي لا، فهذا المسار يأتي في ظل العقيدة الأمنية "الإسرائيلية" الجديدة بعد السابع من أكتوبر، والتي تعمل على واد أي تهديد محتمل والعمل خارج الحدود، وليس انتظار حصول التهديد لمواجهته أو احتوائه. وبهذه الرؤية ألغت "إسرائيل" اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 بشكل أحادي، ودمرت أسلحة وأصول الدولة السورية، وعمّقت احتلالها، وما زالت مستمرة في انتهاك سيادتها.

كما أن دمشق قد دخلت هذا المسار من واقع ضعف، بعد العدوان والانتهاكات سالفة الذكر، وبدون أوراق قوة حقيقية، وبوساطة الإدارة الأمريكية التي شاركت وما تزال دولة الاحتلال في عدوانها على كامل المنطقة، والتي يتبجح رئيسها بأنه "وهب الجولان لإسرائيل"، وتحدث في حملته الانتخابية عن "ضيق مساحة إسرائيل" وضرورة توسعتها.

ولأن منطق التفاوض هو البحث عن حلول وسط، والاعتماد على أوراق القوة والتوقيت والسياق ودور الوسطاء، فإن المسار الحالي أبعد ما يكون عن تحقيق أهداف دمشق المعلنة منه، ومنها العودة لاتفاق فض الاشتباك أو اتفاق شبيه به، يضمن العودة لما قبل الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 والحفاظ على وحدة أراضي سوريا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

هذا من الناحية النظرية، فما بالنا والتصريحات "الإسرائيلية" الرسمية، قبل جولة التفاوض الأخيرة وبعدها، تتحدث عن البقاء في جبل الشيخ والسيطرة الأبدية على الجولان بل والاستيطان في الجنوب السوري؟

وأما الرهان على أن التفاوض مع "إسرائيل" سيلجم عدوانها أو يوقف تدخلها في الشأن الداخلي السوري، فقد ثبت بالدليل القاطع وأكثر من مرة بأن العكس هو ما يحصل. فقد قصفت مبنى رئاسة الأركان والقوات السورية في السويداء (معلنة حماية الدروز فيها) بعد جولة تفاوض سابقة، كما توغلت قواتها في القنيطرة بعد الجولة الأخيرة في باريس.

ولعل الأهم من كل ما سبق أن البيان الثلاثي نفسه، الذي يعبّر عن مخرجات الجولة التفاوضية، لا يتحدث عن زوال الاحتلال أو الانسحاب أو حتى العودة لما قبل سقوط نظام الأسد كهدف أو سقف أو إطار للمسار التفاوضي، بل يكتفي بالحديث عن مفاهيم عامة من قبيل "احترام سيادة سوريا واستقرارها، وأمن إسرائيل، وتحقيق الازدهار لكلا البلدين"، في حين نُصَّ على أن "آلية الدمج" أو "خلية الاتصال" ستكون "منصة لمعالجة أي خلافات على وجه السرعة والعمل على منع سوء الفهم"، بما يوحي بالعمل على منع الخلافات المستقبلية وليس معالجة الاحتلال والانتهاكات الحالية.

أخيرا، هل مسار التفاوض الحالي خيار اضطراري لا بديل عنه إلا الحرب الشاملة؟

استهلالا، فإن مطالبة من يشير لخطأ ما أو يدينه بأن يحضر البديل الجاهز هي مغالطة منطقية من زاويتين؛ فالخطأ يبقى خطأ ولو افترضنا -جدلا- أنه لا بديل جاهزا له، كما أن صاحب القرار هو من يملك المعلومة والأدوات وهو المنوط به البحث عن الحلول والبدائل.

ورغم ذلك، فالحرب المفتوحة مع دولة الاحتلال اليوم ممتنعة عقلا ومنطقا وقدرات وإمكانات، فلا يطالب بها عاقل، بيد أن سوريا ليست محصورة بين ثنائية التطبيع والحرب. المطلوب من سوريا، بداهة، ليس محاربة "إسرائيل" اليوم، وإنما مواجهتها، والفارق بين الأمرين شاسع جدا رغم التقارب اللفظي الظاهري. بمعنى أن المطلوب هو تعريفها كدولة احتلال للأراضي السورية، وبالتالي العمل على مواجهة هذا الاحتلال لطرده وإزالته.

فالأمر هنا يبدأ من الرؤية والتصور، ثم يبنى على ذلك استراتيجيات المواجهة التي ستعمل بالمنطق البسيط على تجنب أي مواجهة عسكرية مباشرة في ظل اختلال موازين القوى. استراتيجيات المواجهة تشمل تمتين الجبهة الداخلية، اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا وفي جميع المجالات، وتعزيز أوراق القوة بما في ذلك التسلح، ونسج التحالفات والتفاهمات وتأمين شبكة أمان إقليمية، وتفعيل المسار السياسي والقانوني، وتعميق التعاون مع الأصدقاء والشركاء، ويمكن أن تشمل مسارات أخرى الآن أو لاحقا من قبيل المقاومة الشعبية أو الاستنزاف أو غير ذلك.

سيقال إن ذلك لن يعيد الجولان ولن يُخرج الاحتلال اليوم من الجنوب السوري، وهذا صحيح؛ ومسار التفاوض لن يفعل كذلك، ولكنه للأسف يصبغ شرعية غير مباشرة على ذلك من خلال الإيهام بأن هناك مسارا سياسيا ويعيد تعريف "إسرائيل" كدولة جوار لا ككيان محتل (بما يشبه وهم "أوسلو")، بينما لا يسلّم المسار الآخر بذلك، وإنما يبقي توصيف الاحتلال وإدانته والسعي لزيادة الضغط عليه.

وأما المواجهة العسكرية مع "إسرائيل"، التي يُظن أن مسار التفاوض سيجنب سوريا الدخول بها، فهي قائمة ومستمرة، ولا يصلح معها منطق التجاهل ودفن الرؤوس في الرمال، بل ويتوقع لها أن تتوسع مستقبلا في ظل الرؤية الأمنية المستجدة لدى الكيان.

المواجهة فرضتها "إسرائيل" وتتحكم في إيقاعها، ومن الخطأ بل الخطيئة ترك هذا الخيار لها أو التظاهر بأنه غير موجود وتجاهل الوقائع على الأرض

لن تترك "إسرائيل" سوريا وشأنها، ولن تسمح لها لا بالاستقرار ولا بالتنمية، وستبقى تعمل على إضعافها وحتى تقسيمها إن استطاعت، ولن تتخلى عن اللعب في أحشائها الداخلية. وتجاربها التفاوضية السابقة تؤكد أنها تعمل على الحصول على تنازلات دون أن تقدم أي مكاسب للطرف الآخر، ثم تحوّل تلك التنازلات لأساس جديد لجولة تفاوضية مستقبلية، وهكذا، حتى تستمر هي في تثبيت الوضع القائم ويستمر الطرف الآخر في تقديم المرونة والتنازلات. هذا في السابق، فما بالنا وحكومة نتنياهو تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" كمشروع عملي في طور التنفيذ؟

قد تكون القيادة السورية تناور لكسب الوقت، أو ربما لتجنب المواجهة المباشرة، أو لتحييد "إسرائيل" خلال مواجهة الأزمات الداخلية، لكن كل ذلك لن يشفع ولن يفيد للأسف. فالمسار الحالي أبعد ما يكون عن تحقيق صالح سوريا أو استعادة أرضها وحقوقها أو منع العدوان عليها. المواجهة فرضتها "إسرائيل" وتتحكم في إيقاعها، ومن الخطأ بل الخطيئة ترك هذا الخيار لها أو التظاهر بأنه غير موجود وتجاهل الوقائع على الأرض.

لقد حاولت أطراف عديدة في المنطقة تجنب المواجهة مع "إسرائيل"، إلا أن الأخيرة هاجمتهم بتوقيتها وسقفها وأهدافها هي، وسوريا ليست استثناء في هذا الإطار. ولذلك فالحرص على سوريا يدفع حُكما لرفض التطبيع وإدانته، والتحذير من مخاطر المسار التفاوضي الحالي وتجاهل المسار الحقيقي الذي ما زال حتى اليوم خيارا، لكن "إسرائيل" ستجعله اضطرارا عاجلا أم آجلا.

x.com/saidelhaj
التعليقات (0)